Tuesday, February 18, 2014

أسئلة اقتصادية وجودية

الآن وبعد أن تم تمرير الدستور تستعد البلاد لانتخاب رئيس جديد، حيث يترقب الجميع الوصول لمرحلة من الاستقرار خاصة بعد أن سيطرت المؤسسة العسكرية على الوضع الأمنى وعلى تحديد المسار السياسى. من أهم ما يترقبه العامة تحسن الوضع الاقتصادى من توافر للوظائف وتحسن لمستوى الأسعار، ويغذى هذا الشعور ما يروجه الخبراء عن التحسن المرتقب الذى يشير إليه أيضا الصعود الهيستيرى للبورصة. لكن هناك أسئلة وجودية عن كيفية حدوث ذلك التحسن، سواء فيما يتعلق بدور الحكومة ودور المؤسسة العسكرية وكذلك دور المستثمرين المحليين والأجانب فى دفع عجلة الاقتصاد وأثر ذلك على عامة الشعب.

إذا نظرنا للمشهد الاقتصادى، سنجد أن هناك ستة لاعبين أساسيين فى الساحة:

أولا: الحكومة: فمع تفاقم عجز الموازنة وضيق الحيز المالى المتاح، فإن قدرة الحكومة على إنعاش الاقتصاد ستكون محدودة خاصة مع عدم استدامة الإجراءات الاستثنائية التى تستخدمها الحكومة حاليا من مساعدات خليجية وفك لوديعة حرب الخليج لتمويل سياستها التوسعية. كما أن الحكومة ستواجه معضلة التعامل مع الدعم فى ظل عجز موازنة كبير وتركيز اللاعبين الآخرين على مصالحهم من ناحية والوضع الاقتصادى المتدهور وأثره على الفئات الأكثر فقرا من ناحية أخرى.

ثانيا: المؤسسة العسكرية: قد يصعب تحديد حجمه الفعلى، لكن بالتأكيد لا يمكن الاستهانة بنشاط المؤسسة العسكرية الاقتصادى والذى يمتد عبر قطاعات متنوعة. هذا النشاط محل جدل كبير، لكن ليس الهدف من هذا المقال الخوض فيه، ومما لا شك فيه أنه سيلعب دورا كبيرا فى دفع النمو الاقتصادى فى المرحلة القادمة فى ظل الحكومة المكبلة. وقد انعكس دور المؤسسة العسكرية البارز فى الحياة السياسية مؤخرا على زيادة نشاطها الاقتصادى والذى يأتى من أمثلته إسناد مشروعات بالأمر المباشر من الحكومة للمؤسسة العسكرية والذى يبرره البعض بالحاجة للحركة السريعة والذى لا تتيحه المناقصات، كما أن الأيادى المرتعشة فى الحكومة بالتأكيد تفضل إسناد المشروعات بهذا الشكل للخروج من دائرة المساءلة. ومن المتوقع أيضا أن تلعب المؤسسة العسكرية دورا أكبر فى الفترة القادمة فى الشراكات مع المستثمرين الكبار خاصة فى القطاعات الإستراتيجية.

ثالثا: المستثمرون الأجانب: يعول الكثيرون عليهم لدفع عجلة الاقتصاد، لكن من المتوقع أن يحجم المستثمرون الأجانب عن الدخول فى السوق المصرية لفترة ليست بالقصيرة حتى تستقر الأوضاع تماما. بينما من المتوقع أن تتدفق الاستثمارات السعودية والإماراتية بعد انتخابات الرئاسة. ومن المتوقع أيضا أن يتم ضخ هذه الاستثمارات فى قطاعات استراتيجية، كما أنه من المرجح أن يتم ذلك من خلال شراكات مع المؤسسة العسكرية لطبيعة هذه الأنشطة ولضمان سلاسة الإجراءات.

رابعا: كبار رجال الأعمال: يتطلع رجال النظام الأسبق للعودة مرة أخرى لعصر المميزات الاقتصادية، لكن الوضع العام قد لا يتيح ذلك. فالنظام الجديد من المتوقع أن يأتى برجاله والمؤسسة العسكرية ستلعب دورا كبيرا مما سيشكل منافسة تجارية حقيقية مع كبار رجال الأعمال القدامى مما يؤدى إلى تقلص دورهم إن لم يستطيعوا التكيف مع الواقع الجديد. ولذلك من غير المرجح أن يلعب نفس الفريق القديم صاحب الشركات العملاقة والثروات الضخمة دورا كبيرا فى دفع الاقتصاد على المدى القصير.

خامسا: صغار رجال الأعمال: هذا القطاع يقع بين المطرقة والسندان. فقد تأثر صغار رجال الأعمال بشكل كبير بالاضطرابات السياسية فى السنوات الأخيرة مما دفع بعضهم لغلق أو على الأقل تقليص نشاطهم. وهذه الطبقة تطلع بشدة للتحسن الاقتصادى المرتقب لكن بسبب صغر حجم أعمالهم، كل على حدة، فإنها لا تستطيع دفع النشاط الاقتصادى بل هى فى حاجة لمن ينعش الاقتصاد أولا حتى تستطيع الاستفادة من نتيجة النمو والإضافة له بعد ذلك.

سادسا: الفئات الأكثر فقرا: يتطلع هذا القطاع لفرص عمل جديدة وزيادة حقيقية فى الدخل بعد ثلاث سنوات طاحنة اقتصاديا ومحبطة سياسيا. لكن التفاعل بين اللاعبين الآخرين قد يطيح بأحلامهم. وسيكون الأمل لهذا القطاع أن تقوم الحكومة بحمايته عن طريق إعادة توزيع الدعم ليصل لمستحقيه فيزيد حصته من الدعم، كما يأمل أن تقوم الحكومة بتطبيق الحد الأدنى للأجور وزيادة هذا الحد بمرور الوقت ليتناسب مع زيادة الأسعار.

فى خضم هذه التفاعلات، من المتوقع أن يقود النشاط الاقتصادى كيانات ووجوه جديدة ناتجة عن الشراكة بين المستثمرين الخليجيين والمؤسسة العسكرية، بدلا من كبار رجال الأعمال السابقين الذين لن يكون لهم مساحة كبيرة ما لم يتكيفوا مع الواقع الجديد. وبالتالى فإن توجه اقتصاد السوق سيظل حاضرا بقوة على المستوى الاستراتيجى لكن مع تغير من يقوده على الأرض. بينما من المتوقع أن يقتصر دور الحكومة المكبلة على التعامل مع مشاكل الفئات الأكثر فقرا فى المجتمع والذين من المتوقع ألا تتحسن أحوالهم بسبب إعادة إنتاج النظام الاقتصادى غير المتوازن الذى كان متواجدا قبل ٢٠١١ وهو ما قد يمنع وجود استقرار اجتماعى حقيقى.

الخلاصة أن ثمة أسئلة اقتصادية وجودية تطرح نفسها فى المرحلة القادمة عن شكل الاقتصاد ودور اللاعبين المختلفين فى دفع عجلة النمو. وبالنظر إلى وضع اللاعبين الأساسيين فى المشهد الاقتصادى الحالى، فإنه من المتوقع أن يكون التوجه الاقتصادى الاستراتيجى، الذى تقوده كيانات جديدة ناتجة عن الشراكة بين المستثمرين الخليجيين والمؤسسة العسكرية، لا يختلف كثيرا عن الوضع قبل ٢٠١١ وإن اختلفت الوجوه. ولعل الحكومة المكبلة اقتصاديا لن تستطيع فعل الكثير لدفع النمو وقد يقتصر دورها على محاولة استيعاب الفئات الأكثر فقرا فى المجتمع. هذا التصور بالتأكيد سيمنع وجود استقرار اجتماعى مستدام مهما اشتدت الشوكة الأمنية، وعلى من يدير زمام الأمور تعلم الدرس ممن سبقه.

عمر الشنيطي
18 فبراير 2014
نُشر هذا المقال فى "جريدة الشروق"

Saturday, February 8, 2014

هل تعبر البورصة عن حالة الاقتصاد؟

يؤثر الوضع الاقتصادي على عوام الناس حيث يحدد مستوى معيشتهم، لذلك يتطلع الناس للتعرف عما إذا كان المستقبل يحمل الأفضل أم الأسوأ. ولعدم معرفتهم بالمؤشرات الاقتصادية، يلجأ عامة الناس لمتابعة البورصة على أنها مقياس لحالة الاقتصاد، خاصة مع سهولة الوصول لأخبار البورصة ومتابعة القنوات الإعلامية المختلفة لأدائها بشكل يومي. لكن هل مؤشر البورصة مقياس جيد لحالة الاقتصاد؟ قد تكون الإجابة واضحة للعاملين والمستثمرين في البورصة، لكنها قد تخفى على عامة الناس الذين يسمعون عن صعود وهبوط البورصة بشكل يومي ولا يستطيعون ترجمة ذلك بشكل منطقي، خاصة في ظل التوظيف السياسي لكل ما يحدث في البلد بما فيه الاقتصاد.
 
الشركات عادة ما تكون ملكيتها مقسمة على مجموعة من الأسهم، يمتلك كل شريك نسبة من هذه الأسهم تساوي ملكيته في الشركة. بطبيعة الحال، يرغب المستثمرون من وقت لآخر في بيع أسهمهم في شركة معينة لأهداف شخصية أو لاستخدام العائد لشراء أسهم في شركات أخرى. ويأتي دور البورصة كسوق لتبادل أسهم الشركات العامة المقيدة في البورصة، بين المستثمرين الراغبين في البيع والشراء. ويعتبر مؤشر البورصة هو مقياس لمتوسط أسعار الأسهم في السوق في لحظة معينة. فإذا ارتفع الطلب على شراء الأسهم، ترتفع بالتبعية أسعار الأسهم ويرتفع بذلك مؤشر السوق، ويحدث العكس في حالة إنخفاض الطلب على الأسهم. ولذلك فمؤشر البورصة يعكس مستوى الطلب على شراء الأسهم والاستثمار في الشركات العامة. ويتأثر مستوى الطلب على الأسهم بعدة عوامل يمكن تلخيصها فيما يلي:
 
أولا: الوضع السياسي: فوجود اضطراب سياسي وأمني خارج عن السيطرة يؤثر سلبا على البورصة حيث يعتقد المستثمرون أن ذلك سيؤدي إلى إنخفاض أرباح الشركات المدرجة في البورصة ولذلك ينخفض الطلب على الأسهم وينخفض مؤشر البورصة. بينما وجود إنتخابات نزيهة وإنتقال سلمي للسلطة من طرف لآخر دوريا يدعم الطلب على الأسهم ويؤدي إلى ارتفاع مؤشر البورصة.
 
ثانيا: الوضع الاقتصادي: فوجود أخبار عن النمو الاقتصادي والرواج التجاري المتوقع تنبئ بارتفاع أرباح الشركات وبالتالي يزيد الطلب على الأسهم ويرتفع مؤشر البورصة. بينما تراجع النمو الاقتصادي يدفع المستثمرين لبيع أسهمهم تحسبا لإنخفاض أرباح الشركات وبالتالي قيمة الأسهم.
 
ثالثا: سياسات الحكومة: فتنبي الحكومة سياسة مالية توسعية بزيادة الإنفاق تعني إحتمالية زيادة أرباح الشركات فيزيد الطلب على الأسهم ويرتفع مؤشر البورصة. بينما تبني سياسة إنكماشية يؤدي إلى العكس. كما أن الحكومة قد تصدر قرارات تؤثر إيجابا أو سلبا على قطاعات بعينها. ففرض ضريبة جديدة على السجائر، على سبيل المثال، يؤثر سلبا على الطلب على أسهم الشركات في هذا المجال بسبب توقع إنخفاض أرباح الشركات في هذا القطاع. بينما قد تتأثر شركات الحديد والصلب إيجابا في حالة منع الحكومة استيراد الحديد من الخارج مما يؤدي إلى ارتفاع أرباح شركات الحديد والصلب المحلية ورفع الطلب عليها وعلى القطاعات المرتبطة بها.


رابعا: سياسات البنك المركزي: فحينما يتبنى البنك المركزي سياسة نقدية توسعية بخفض سعر الفائدة على الإقتراض أو إتباع سياسة التيسير الكمي بطباعة النقود وإستخدامها لشراء سندات حكومية فإنه بذلك يزيد المعروض من النقد ويخفض تكلفة الإقتراض على المستثمرين مما يدفع الطلب على الأسهم في السوق ويؤدي إلى ارتفاع مؤشر البورصة.

خامسا: الشعور العام في السوق: فإنتخاب مرشح يشعر مجتمع الأعمال بقدرته على تحسين الوضع الاقتصادي أو حدوث تغيير سياسي على هوى المستثمرين يرفع الطلب على الأسهم وبالتالي مؤشر البورصة إيمانا من المستثمرين بأن ذلك سيعمل على إنعاش الاقتصاد وبالتالي ارتفاع الأرباح المستقبلية للشركات العاملة في السوق. وبطبيعة الحال، يحدث عكس ذلك إذا كان الشعور العام سلبيا تجاه مرشح أو حدث سياسي بعينه.
 
سادسا: تحركات كبار المستثمرين: على الرغم من وجود عدد كبير من المستثمرين في السوق إلا أن المستثمرين الكبار لهم وزن نسبي أكبر. فدخول مستثمرين كبار جدد يزيد من السيولة في السوق ويؤدي إلى ارتفاع أسعار الأسهم. بينما رغبة بعض المستثمرين الكبار، خاصة المؤسسات المالية، في جني الأرباح في فترات معينة يؤدي إلى انخفاض أسعار الأسهم.
 
سابعا: نتائج الشركات: حينما تكون نتائج أعمال الشركات إيجابية أو على وجه الدقة أفضل من المتوقع، فإن ذلك يزيد الطلب على هذه الأسهم ويؤدي إلى ارتفاع مؤشر البورصة، خاصة إذا كانت هذه الشركات من الشركات الرائدة في السوق.
 
ولذلك فإن حركة مؤشر البورصة صعودا وهبوطا قد تكون مدفوعة بعدة عوامل والتي قد تتشابك مع بعضها البعض، مما يجعل مؤشر البورصة ليس مقياسا دقيقا لحالة الاقتصاد الكلي .لكن حركة مؤشر البورصة قد تكون مقياسا جيدا للشعور العام في مجتمع الأعمال تجاه التغيرات والقرارات المختلفة وتعكس وجهة نظر مجتمع الأعمال في أثر هذه القرارات على حالة الاقتصاد وربحية الشركات مستقبليا. وإذا نظرنا لأداء مؤشر البورصة المصرية في السنوات الثلاثة الأخيرة (كما هو موضح في الرسم البياني الأول والثاني)، سنجد أن المؤشر كان في حالة تذبذب بسبب الوضع السياسي المضطرب، كما سنلحظ أن الارتفعات والإنخفاضات كانت مدفوعة بالأحداث السياسية في المقام الأول مقارنة بالعوامل الأخرى التي سبق ذكرها.
 
الخلاصة أنه يجب التعامل مع صعود وهبوط البورصة على أنه إنعكاس لرؤية قطاع الأعمال للوضع العام وكردة فعل للأحداث والقرارات المختلفة وليس على أنه مقياس دقيق لحالة الاقتصاد الكلي. فليس من المنطقي أن تصعد البورصة ليوم فنقول أن الاقتصاد يتعافى، ثم تهبط في اليوم التالي فنقول أن الاقتصاد يترنح.





عمر الشنيطي
2 فبراير 2014
نُشر هذا المقال على موقع "مصر العربية"

Tuesday, February 4, 2014

هل يتعافى الاقتصاد أم ينهار؟

فى ظل الاستقطاب الحاد الذى تشهده مصر بين فريق «مصر أم الدنيا» وفريق «الانقلاب يترنح»، يتبارى كلا الفريقين فى إقحام أداء الاقتصاد فى هذا الجدل. فالفريق الأول دائم الحديث عن التعافى الكبير الذى شهده الاقتصاد مؤخرا والمستقبل المبهر الذى ينتظر الاقتصاد المصرى، بينما لا يمل الفريق الثانى من التأكيد على أن الاقتصاد انهار بالفعل ويستخدم كلا الفريقين مجموعة من المؤشرات الاقتصادية المختلفة لإثبات وجهة نظرهما مما يؤدى إلى إرباك عوام الناس الذين فقدوا القدرة على تكوين وجهة نظر منطقية عن حقيقة الوضع.

لذا ردا على الفريق الأول، فإنه فى ظل الوضع الحالى، علينا أن نعترف بأن الاقتصاد المصرى ليس فى أحسن أحواله وأدائه الكلى ضعيف وليس من المنطقى افتراض غير ذلك. فالنمو الاقتصادى الحقيقى والمستدام لا يمكن أن يحدث بدون استقرار سياسى وأمنى وهو أبعد ما يكون عن الوضع الحالى. وقد انعكس ذلك على بعض المؤشرات الكلية مثل التضخم والنمو فى الناتج المحلى وغيرها من المؤشرات التى تأثرت سلبا بالوضع السياسى. وليس من الغريب توقع إحجام المستثمرين محليا وعالميا عن الاستثمار فى مصر على المدى القصير حتى تستقر الأوضاع وهو ما يوضحه مستوى الاستثمار الأجنبى المنخفض فى الفترة الحالية. كما أن القطاع السياحى، صاحب الدور المحورى فى الاقتصاد، لم يتعاف بعد وما زال يعانى من أثر الاضطراب السياسى والأمنى. لذلك ليس من المنطقى فى ظل الوضع الحالى الحديث عن المستقبل المبهر للاقتصاد.

على الرغم من ذلك وردا على الفريق الثانى، فإن الحديث عن الانهيار الاقتصادى يعتبر خارجا عن السياق بسبب مجموعة من العوامل تمنع حدوث ذلك والتى يأتى على رأسها المساعدات الخليجية الكبيرة التى وصلت إلى ٢٥ مليار دولار من السعودية والإمارات والكويت لمساعدة مصر فى تحمل تكلفة المرحلة الانتقالية الجديدة وكذلك وديعة حرب الخليج البالغة قرابة ٩ مليارات دولار. وهذان العاملان لديهما القدرة على سد جزء كبير من عجز الموازنة بشكل استثنائى. بالإضافة لذلك، تستطيع الحكومة التوسع فى الاقتراض المحلى حيث إن نسبة الدين المحلى للناتج القومى لا يزال فى مستوى ٨٠٪ مما يعطى حيزا لزيادة الاقتراض. كما أن سياسة التيسير الكمى، والتى تقتضى بطباعة كمية كبيرة من النقود واستخدامها للاكتتاب فى السندات الحكومية، تعطى الحكومة أداة أخرى لتمويل احتياجاتها. ولذلك فإن الحديث عن الانهيار الاقتصادى غير دقيق حتى فى ظل وضع الاقتصاد الحرج.

بشكل موضوعى، يمكن القول إن الاقتصاد لم يتعاف بعد كما يدعى الفريق الأول ولم ينهر بعد كما يدعى الفريق الثانى، ولكنه فى الواقع يشهد تحسنا بطيئا بسبب سياسة الحكومة التوسعية والإجراءات الاستثنائية. فالحكومة تنتهج سياسة توسعية لدفع حركة الاقتصاد وخلق فرص عمل، حيث تعمل من خلال السياسة المالية على زيادة الإنفاق مستعينة بالمساعدات الخليجية ووديعة حرب الخليج. أما على صعيد السياسة النقدية، فيعمل البنك المركزى على تخفيض الفائدة لتحفيز الاستثمار وكذلك تبنى سياسة التيسير الكمى بزيادة طباعة النقود، حيث زاد المعروض من النقد فى السوق فى ٢٠١٣ بنسبة ٢٥٪، بينما لم تتجاوز هذه النسبة حاجز ١٣٪ فى الفترة بين ٢٠٠٩ و٢٠١٢. وهذه الزيادة بلا شك تعمل على تحريك السوق وسد احتياجات الحكومة التمويلية.

وقد تأخذ المؤشرات الكلية بعض الوقت لرصد هذا التحسن المحدود بسبب طبيعة هذه المؤشرات والتى تقيس الأداء بعد فترة من حدوثه. لكن يظهر التحسن بشكل أسرع فى مستوى أسعار الأصول المختلفة من عقارات وأسهم فى البورصة وهو ما تؤكده بعض المؤشرات الجزئية مثل ارتفاع مؤشر عقار ماب، المختص بقياس حجم الطلب على العقارات فى السوق المصرية، لخمسة أشهر على التوالى بعد أحداث ٣٠ يونيو. كما واصل مؤشر البورصة المصرية فى الارتفاع منذ ٣٠ يونيو حتى إنه عاد لمستويات ما قبل ثورة ٢٥ يناير. وصعود هذه المؤشرات يعكس أثر السياسة التوسعية على مستوى أسعار الأصول المختلفة وكذلك النظرة التفاؤلية النسبية فى السوق.
لكن هذه الأخبار الإيجابية لا تنفى وجود علامات استفهام كبيرة عن مدى استدامة هذا التحسن النسبى. فالمساعدات الخليجية الكبيرة والتى كان لها أثر فارق من المرجح أن تستمر، لكن من الصعب بقاءها على نفس المستوى المرتفع. كما أن الوضع السياسى والأمنى لا يزالان فى تدهور مستمر منذ ٣٠ يونيو والأمل فى الوصول لتسوية سياسية عادلة أصبح بعيدا مما يهدد بعدم حدوث استقرار حقيقى على المدى القصير وربما المتوسط. من ناحية أخرى، يؤدى الوضع السياسى والأمنى المضطرب إلى إحجام الاستثمارات الخاصة طويلة الأمد، سواء المحلية أو الأجنبية، لفترة قد لا تكون قصيرة. وهذه العوامل المختلفة تثير القلق حول مدى استدامة التحسن، مما يجعل هذا التحسن مصطنعا وقليل الأثر على المدى المتوسط والبعيد.

الخلاصة أن الاقتصاد لم يتعاف بعد كما يزعم مؤيدو النظام ولم ينهر بعد كما يؤكد معارضو النظام، لكنه فى الحقيقيين يشهد تحسنا نسبيا بسبب سياسة الحكومة التوسعية من خلال زيادة الإنفاق الحكومى وخفض سعر الفائدة وتبنى سياسة التيسير الكمى بطباعة النقود وتمويل عجز الحكومة. كما أن الإجراءات الاستثنائية كالمساعدات الخليجية السخية ووديعة حرب الخليج المنسية تساعد فى دفع ذلك التحسن. وهذا التوجه قد أدى إلى رواج فى سوق العقارات والبورصة مؤخرا ومن المتوقع أن ترصد المؤشرات الكلية لاحقا هذا التحسن النسبى. لكن فى ظل غياب تسوية سياسية عادلة وحالة الاضطراب السياسى والأمنى، فإن هذا التحسن النسبى يظل مصطنعا وغير مستدام.

عمر الشنيطي
4 فبراير 2014
نُشر هذا المقال فى "جريدة الشروق"

Saturday, January 25, 2014

نحو نمو واقعى ومتوازن

النظر في أرقام الاقتصادي المصري الكلية من حيث مقياس جيني المختص بقياس مستوى العدالة في توزيع الدخل على الشرائح المختلفة في المجتمع وكذلك متوسط مستوى دخل الفرد في السنوات التي سبقت ثورة ٢٥ يناير ومقارنة مصر ببعض دول أمريكا اللاتينية صاحبة التجارب الرائدة في العدالة الإجتماعية يوضح أن مستوى توزيع الدخل في مصر أكثر عدالة من البرازيل والأرجنتين، بينما متوسط دخل الفرد في مصر يقف عند حوالي ربع مستوى الدخل في البرازيل والأرجنتين. وهذا يعني أن المشكلة في مصر ليست في العدالة الإجتماعية وتوزيع الدخل، لكنها تكمن في انخفاض مستوى دخل الفرد في المقام الأول (كما سبق شرحه بالتفصل في مقال سابق، يمكن مراجعته في الرابط الأول)
 
كما أن النظر لهيكل المصروفات الحكومية يوضح أن ٧٧٪ من إجمالي المصروفات تذهب لثلاثة بنود رئيسية هي الرواتب والدعم وخدمة الدين ومن الصعب إجراء تغيرات في هذه البنود على المدى القصير مما يقلل من الحيز المالى المتاح للحكومة لتنشيط الاقتصاد ويزيد من الإعتماد على القطاع الخاص في دفع عجلة النمو وخلق فرص عمل. ولذلك فإن الأولى تبني سياسات تدفع النمو وترفع مستوى الدخل قبل الدفع في إعادة توزيع الدخل والذي قد يكون له أثرا سلبيا على المدى القصيرعلى من كانت هذه الإجراءات تهدف لتحسين وضعهم في الأساس.
 
وعلى الرغم من وجاهة الدفع بسياسات تحفيزية لتنشيط الاقتصاد إلا أن هذه السياسة قد لا تختلف ظاهريا عن توجه النظام قبل ثورة ٢٥ يناير مما يثير القلق حول الأثر السلبي لتبني مثل هذه السياسة. لكن يمكن الرد على ذلك بأن المشكلة الحقيقة ليست في تبني هذه السياسية على وجه التحديد وإنما تكمن في توغل الفساد وما يستتبعه من فقر. فالفساد المتوغل في جهاز الدولة الإداري والذي قد يصل لدرجة الفساد الممنهج يزيد من حدة الفقر ويمنع من وصول ثماره النمو للفقراء لمساعدتهم في الخروج من حيز الفقر المدقع. ولذلك فإن توغل الفساد العائق الأكبر ومن الضروري تبني برامج لمكافحة الفقر ومحاربة الفساد جنبا إلى جنب مع دفع النمو.
 
كما أن العديد من الأبحاث تشير إلى أن بناء المنظومة الاقتصادية في العقود الأخيرة فى الدول المتقدمة ثم النامية على أهمية الدفع بالنمو أولاً نتج عنها تحمل الفقراء وحدهم تبعات الأزمات المتعلقة بالدورة الاقتصادية وبالتالي زاد من معاناتهم. ومن المفيد النظر إلى الفقر على أنه قصور فى مجموعة المخرجات التى يستطيع الفرد الوصول إليها، وليس فقرا فى توافر الموارد المتاحة له أو فى توفير إحتياجاته الأساسية. فقد تكون الموارد متوفرة لكن لا يستطيع الفرد الحصول عليها ولذلك يدخل في دائرة الفقر. وقد أثبتت الدراسات وجود علاقة طردية بين نجاح مكافحة الفقر والنمو الاقتصادى كأهداف للسياسة المالية وذلك عن طريق ثلاثة قنوات أساسية للتكامل بين النمو وتحقيق العدالة.
 
أولا: العدالة التوزيعية للإنفاق، بحيث تستفيد منه كل فئة وكل منطقة جغرافية وفق درجة الإحتياج ولا يتم التركيز فقط على المناطق التي يسكن فيها أصحاب النفوذ والمصالح الاقتصادية. وتحقق ذلك يمكن إعتباره نوعا من التأمين الإجتماعى ضد بعض أنواع المخاطر التى لا يتوافر لها التأمين الخاص.
 
ثانياً: توافر شروط المساعدة على الخروج من الفقر في جوانب الإنفاق التى يستفيد منها الفقراء حتى تزال العوائق للحصول على موارد النمو وبالتالي تساعد الفقراء على أن يكونوا قوة إضافية للإنتاج فى المستقبل. ويأتي ذلك عن طريق العدالة فى توزيع الخدمات والبنية التحتية والنمو ذاته من ناحية، وتيسير إنتقال الأفراد بتكلفة مقبولة للعمل فى مناطق تركز النمو فى الأجل الأقصر من ناحيةً أخرى.
 
ثالثاً: مكافحة تسرب ثمار النمو وفرص المشاركة فيه من خلال غلق قنوات الفساد والتي تؤدي إلى فقدان الثقة فى المؤسسات، كما تؤدي إلى إستئثار الأغنياء بخدمات المؤسسات العامة بسبب عدم سعى المؤسسات المقدمة للخدمات العامة نفسها لتحقيق نفاذ الفقراء للخدمات، ومن ثم إفقارهم وإبعادهم بصورة أكبر لعدم توافر ضغوط تدفعهم لخدمة الفقراء.
 
وقد تستحق محاربة الفساد نظرة أعمق. فإدارة الدولة لمنع الفساد علم يقوم على إيجاد نظام متكامل للمسئولية والرقابة المتبادلة يضمن أن يكون أداء كل مؤسسة حكومية متابَع حتى أدنى مستويات المؤسسات وفق مؤشرات واضحة لقياس الرضا المجتمعى ووقوع المنافع على الفئات المستهدفة بها، بحيث لا يستقل أى طرف حكومى بالسطوة والقوة التى تحميه من طائلة القانون. بناءً على ما سبق، فإن محاربة الفساد تعتبر شرطا رئيسيا لمكافحة الفقر. ولذلك من الممكن تعريف النمو الواقعى المتوازن على أنه استراتيجية لتحقيق النمو تقوم على الدفع بقوانين تحفيزية لنشيط الاقتصاد وخلق فرص العمل مع تحقيق عدالة نفاذ المواطن إلى أدوات اكتساب المهارات وعدالة نفاذه للفرص المختلفة بما يضمن تحقق المساواة فى عوائد التنمية عبر كافة مناطق الريف والحضر، وعبر القطاعات المختلفة.
 
الخلاصة أن مستوى الدخل المنخفض في مصر وتباطوء النمو الاقتصادي وكذلك ضيق الحيز المالي المتاح للحكومة يلقي بعبء دفع عجلة النمو على كاهل القطاع الخاص ولذلك من الضروري على الحكومة  تبني سياسات تحفيزية لدفع النمو. لكن لا بد أن يواكب ذلك تبنيا لبرامج مكافحة الفقر عن طريق محاربة الفساد في المقام الأول والذي يحرم الفقراء من الإستفادة الحقيقية من الموارد المتاحة .ولذلك تحتاج الحكومة للدفع في إتجاه العدالة التوزيعية للإنفاق وتوافر شرط المساعدة على الخروج من الفقر في جوانب الإنفاق الحكومية وكذلك مكافحة تسرب ثمار النمو وفرص المشاركة فيه من أجل الوصول لنموذج واقعى ومتوازن للنمو.

عمر الشنيطي
25 يناير 2014
نُشر هذا المقال على موقع "مصر العربية"

Tuesday, January 21, 2014

الاقتصاد والرومانسية الثورية

من الصعب الجزم بأن أغلب المصريين دعموا ثورة ٢٥ يناير لأنه من الخطأ الوصول لمثل هذا التعميم بدون استفتاء أو استطلاع رأى منهجى، لكن مما لا شك فيه أن تفاعل الكثير من الناس مع الثورة ومطالبها كان مرتفعا فى البداية حين لاح فى الأفق حلم تحريك المياه الراكدة. ولعل مطالب الثورة المتمثلة فى الحصول على الحقوق السياسية والاقتصادية الأساسية من عيش وحرية وعدالة اجتماعية كانت بمثابة خلاصة آمال عوام الناس. لكن بعد مرور ثلاث سنوات، تراجع التأييد لهذه الثورة بعد الفشل فى الحصول على الحقوق السياسية والاقتصادية المتوقعة حتى أصبح بعض ممن أيدوا هذه الثورة سابقا يرونها الآن جزءا من المؤامرة الكونية على مصر وأن من أشعلها وشارك فيها خائن أو عميل أو ساذج وأن مصر لا تحتاج للتغيير ولكن للاستقرار.

فعلى الصعيد السياسى، لم يتحسن وضع الحريات مع تنامى مستوى العنف فى الشارع وتصاعد عدد القتلى والمعتقلين والدخول فى عهد الاتهامات والتسريبات التى قد تطال الجميع. أما على الصعيد الاقتصادى، وهو المقصد من هذا المقال، فإن الوضع الكلى للاقتصاد منذ الثورة لم يتحسن، بل إنه شهد تراجعا على مستوى مؤشراته الأربعة الرئيسية.

أولا: مستوى الدخل: فبعد عدة سنوات من نمو الناتج المحلى بمعدل ٥٪ سنويا فى السنوات التى سبقت ٢٥ يناير، تراجع النمو الاقتصادى منذ الثورة ليحقق متوسط ٢٪ سنويا وهو ما يقارب نسبة زيادة السكان مما يعنى أن متوسط دخل الفرد لم يتحسن منذ الثورة فى أحسن الأحوال، بل قد يكون تراجع بالفعل لو أخذنا فى الاعتبار الزيادة فى أسعار السلع الأساسية. وما يزيد من تعقد المشكلة أن القطاع الخاص يعانى بشدة منذ الثورة بسبب الاضطرابات السياسية فى الأساس وما واكبها من إضرابات عمالية وارتفاع فى سعر الدولار مما أدى إلى تراجع الاستثمارات الخاصة وغلق الكثير من المصانع وكذلك تراجع الاستثمار الأجنبى المباشر مما قلل من مساهمة القطاع الخاص فى النمو الاقتصادى. وقد زاد ذلك من الاعتماد على الحكومة التى تعانى من ضعف القدرة على دفع الاقتصاد حيث إن ٧٧٪ من الموازنة تذهب للرواتب والدعم وخدمة الدين مما يقلل من الحيز المالى المتاح للحكومة لتنشيط الاقتصاد.

ثانيا: فرص العمل: فمعدل البطالة الذى كان فى المتوسط ٩٪ فى السنوات التى سبقت الثورة قد تخطى ١٣٪ بعد الثورة. وهذه الزيادة الكبيرة تزيد من تعقيد الوضع خاصة فى ظل فرص نمو اقتصادى محدودة، كما سبق ذكره، وتضعف من قدرة إيجاد فرص عمل جديدة على المدى القصير. كما أن حركة الإضرابات العمالية المتصاعدة، على الرغم من وجاهة الكثير من مطالبها، قد يكون لها أثر سلبي على فرص العمل على المدى القصير مما يزيد من تعقد المشكلة.

ثالثا: مستوى الأسعار: فعلى الرغم من انخفاض معدل التضخم الإجمالى بعد الثورة لقرابة ١٠٪ مقارنة بمعدل ١٣٪ فى السنوات القليلة التى سبقت الثورة إلا أن الزيادة فى أسعار السلع الرئيسية كانت أكبر من إجمالى معدل التضخم بسبب ارتفاع الدولار وانخفاض المعروض من بعض هذه السلع الأساسية نتيجة صعوبة الاستيراد فى الأساس. وقد أدى ارتفاع أسعار هذه السلع إلى زيادة الضغط على الفئات الأكثر فقرا فى المجتمع. رابعا: العدالة الاجتماعية: على الرغم من إقرار قانون الحدين الأدنى والأقصى للأجور إلا أن توزيع الدخل فى مصر لم يتغير بشكل حقيقى، حيث إن القانون لم يشمل الكثير من الفئات والمؤسسات وكذلك تأثيره على الفئات محدودة الدخل من العمال ضعيف. كما أن الجزء الأكبر من هذه الزيادة سيأكلها التضخم المتصاعد، بينما العدالة الاجتماعية وحقوق العمال بمفهومها الأوسع من تأمين وخدمات صحية وغيرها لم تتحسن. كما أن العمال والمشتغلين بالقطاع غير الرسمى لم تتحسن أحوالهم بل زادت فى الصعوبة بسبب تدهور الوضع الاقتصادى وعدم استدامة الدخل.

بناء على ما سبق، لم يحصل عوام الناس على طموحاتهم الاقتصادية من الثورة. ولكن هل من المنطقى التصور بأن ثورة قامت لإسقاط نظام دام لعقود تمكن أن يصاحبها تحسن اقتصادى على المدى القصير؟ على الأرجح الإجابة: لا، وقد أثبتت الثلاث سنوات الأخيرة أن الحصول على الحقوق السياسية هو عمل شاق ومكلف على أصعدة مختلفة منها الوضع الاقتصادى سواء على مستوى البلد أو الأفراد. وتصور حدوث عكس ذلك يمكن اعتباره شكلا من أشكال الرومانسية الثورية. ويمكن الاستنتاج أن نسبة ليست بالقليلة من عوام الناس الذين تفاعلوا مع الثورة فى البداية كانوا يحلمون بالحصول على حقوقهم السياسية والاقتصادية فى نفس الوقت، لكنهم لم يتوقعوا ولم يكونوا على استعداد حقيقى لتقديم التضحيات المطلوبة. ولذلك بعد ثلاث سنوات من التدهور الاقتصادى، فقد الكثير منهم الاهتمام بالثورة وعادوا للمطالبة بالاستقرار والحد الأدنى من الدخل الدائم.

الخلاصة أن توقع الحصول على المطالب السياسية والاقتصادية للثورة فى وقت واحد وعلى المدى القصير يعتبر من عوارض الرومانسية الثورية. وكثير من عوام الناس الذين تعاطفوا مع الثورة وحلموا بالحصول على مطالبهم، ثم ما لبثوا أن سخطوا على الثورة بعد ذلك، كانوا على الأرجح غير مستعدين أو حتى مدركين لحجم التضحيات المطلوبة. وقد فوجئ هؤلاء بتراجع جوانب الاقتصاد المختلفة، من حيث مستوى الدخل وفرص العمل ومستوى الأسعار والعدالة الاجتماعية، ففضلوا الاستقرار على الثورة. للتغيير الحقيقى ثمن باهظ يجب أن يكون المجتمع فى عمومه، وليس فقط مجموعة محدودة من الشباب الحالم، على استعداد لتحمل الحد الأدنى من هذه التكلفة.

عمر الشنيطي
21 يناير 2014
نُشر هذا المقال فى "جريدة الشروق"

Saturday, January 11, 2014

هل كانت المشكلة في العدالة الإجتماعية؟

بعد مرور ثلاث سنوات على ثورة ٢٥ يناير، ربما من المفيد النظر في حقيقة مطالب هذه الثورة. فقد خرج الناس في الشوارع مطالبين بالعيش والحرية والعدالة الإجتماعية مما يدل على تدهور الوضع الاقتصادي قبيل هذه الثورة خاصة للفئات الأكثر فقرا في المجتمع والتي كانت تشعر بالظلم الإجتماعي. ولذلك علت الأصوات المطالبة بالعدالة الإجتماعية حتى أصبح لا يخلو برنامج لحزب أو مرشح من قضايا مثل رفع الحد الأدني وفرض حد أقصى للأجور وكذلك فرض ضرائب تصاعدية وغيرها. لكن هل حقا كانت المشكلة في العدالة الإجتماعية؟
 
ويتم قياس مستوى العدالة الإجتماعية بناء على توزيع الدخل على الشرائح المخلتلفة في المجتمع. ويستخدم مقياس جيني الإحصائي (Gini Coefficient) في ذلك حيث يوضح مستوى توزيع الدخل على الشرائح المختلفة والحد الأدنى لهذا المقياس صفر(٠) حينما يحصل الجميع على نفس مستوى الدخل ويصل المجتمع للمساواة القصوى. بينما الحد الأقصى واحد (1) وهي حالة غياب التوزيع تماما وحصول  شخص واحد في المتجمع على كامل الدخل. من الصعب أن يسجل المقياس في الواقع الحد الأدنى أو الأقصى ولذلك يكون دائما أكثر من (0) وأقل من (1). وكلما ارتفعت قيمة هذا المقياس في المجتمع، كلما دل ذلك على غياب العدالة الإجتماعية في توزيع الدخل.
 
ما أن يبدأ الحديث عن العدالة الإجتماعية إلا ويتم الإستشهاد بتجارب دول أمريكا اللاتينية مثل البرازيل والأرجنتين. لكن إذا قمنا بمقارنة مصر بهذه الدول، نجد أن مقياس جيني في مصر في ٢٠٠٨ كان أقل من مستواه في البرزيل والأرجنتين (رسم بياني ١). والجدير بالذكر أيضا أنه في نفس العام قد حصلت الشريحة الأعلى من الدخل في مصر على حصة من الدخل أقل مما حصلت عليه نفس الشريحة في البرازيل والأرجنتين، بينما حصلت الشريحة الأقل من الدخل في مصر على حصة من الدخل أعلى مما حصلت عليه نفس الشريحة في البرازيل والأرجنتين (رسم بياني ٢). ولذلك نستطيع أن نخلص أن مستوى العدالة الإجتماعية في مصر أفضل من بعض دول أمريكا اللاتينية صاحبة التجارب الرائدة في العدالة الإجتماعية.
 
لكن إذا نظرنا من زاوية أخرى، نجد أن متوسط دخل الفرد في مصر يبلغ ربع متوسط دخل الفرد في البرازيل والأرجنتين (رسم بياني ٣). ومتوسط دخل الفرد هو مؤشر هام على القدرة الشرائية وانخفاضه  في مصر يعني أن الشريحة الأقل دخلا قد تحصل على نسبة من إجمالي الدخل أعلى من مثيلتها في البرازيل والأرجنتين، لكن ما تحصل عليه في المجمل يكون منخفضا بحيث أنه قد لا يكفي لتغطية الحاجات الرئيسية ولذلك قد لا تجد لقمة العيش فخرجت للمطالبة بالعيش قبل أية مطالب سياسية.
 
وللتبسيط يمكن تخيل عشرة أفراد معهم سلة بها عشرة أرغفة من العيش والحد الأدنى لسد الجوع هو رغيف واحد للفرد. في حال توزيع العيش على الأفراد، فإن متوسط نصيب الفرد سيكون رغيفا واحدا. لكن في حالة عدم تساوي التوزيع حتى ولو بنسبة بسيطة، فإن البعض سيحصل على ما دون الرغيف الواحد، ولذلك لا يستطيع سد جوعه. بينما إذا كانت السلة بها أربعين رغيفا وتم توزيعهم على العشرة أفراد وحتى بإفتراض التباين الكبير في التوزيع، فإن متوسط نصيب الفرد سيكون أربعة أرغفة ونصيب أقل فرد على الأرجح لن يقل عن رغيف واحد.
 
ولذلك فإن انخفاض مستوى الدخل هو المشكلة الحقيقية مقارنة بالعدالة الإجتماعية والتي انتشرت المطالبة بها منذ الثورة على الأرجح لسببين: الأول هو إنعدام الثقة في البيانات الرسمية بما فيها بيانات توزيع الدخل وزاد على ذلك ما تنشره تقارير أجنبية عن الثروت الطائلة لرموز نظام مبارك خارج البلد. كما أن ما رآه عوام الناس من البزخ من تلك الرموز قبيل إندلاع الثورة يؤكد وجود فجوة إجتماعية حقيقية حتى لو عجزت عن إدراكها البيانات الرسمية. أما السبب الثاني فهو مرتبط بالدور المحوري الذي لعبه التيار اليساري في الثورة والأهم من ذلك الإحتجاجات العمالية التي سبقت الثورة وكانت بمثابة تمهيدا لها، وهو ما فرض قضية العدالة الإجتماعية على الساحة حتى أصبح الجميع من بعدها يتبنى هذا التوجه.
 
إذا كانت المشكلة هي مستوى الدخل، فإن الأولى تبني سياسات تدفع النمو وترفع مستوى الدخل قبل الدفع في إعادة توزيع الدخل حيث أن الدفع بشراسة في إتجاه العدالة الإجتماعية خاصة في اقتصاد راكد يؤثر سلبا على مستوى النشاط الاقتصادي وفرص التوظيف والتي يتحكم فيها القطاع الخاص مما قد يؤدي إلى إضعاف وضع العمال والفئات الأكثر فقرا في المجتمع ويؤثر سلبا عليهم في النهاية، وإن كان ذلك لا ينفي أهمية الجهود المبذولة لتحسين وضع العمال والفئات التي تعاني في المجتمع .لكن يجب أن لا يتم ذلك بشكل يؤدي إلى هدم المعبد على من فيه، بما فيهم العمال.
 
الخلاصة أن مقارنة مصر ببعض دول أمريكا اللاتينية صاحبة التجارب الرائدة في العدالة الإجتماعية يوضح أن المشكلة في مصر ليست في العدالة الإجتماعية وتوزيع الدخل، لكنها تكمن في انخفاض مستوى الدخل. ولذلك من الضروري على التيارات السياسية ومتخذي القرار تبني سياسات اقتصادية تعمل على تحفيز النمو ورفع مستوى الدخل قبل الدفع بقوانين العدالة الإجتماعية والتي قد يكون لها أثرا سلبيا على المدى القصيرعلى من كانت هذه الإجراءات تهدف لتحسين وضعهم في الأساس





عمر الشنيطي
11 يناير 2014
نُشر هذا المقال على موقع "مصر العربية"

Saturday, January 4, 2014

٢٠١٤.. والرهان الاقتصادى الأكبر

إن الحكومة الحالية فى موقف لا تحسد عليه، فقد ورثت اقتصادا يعانى من مشكلات هيكلية زادت حدتها فى السنوات الثلاث الأخيرة. كما تعانى من وضع انتقالى غير مستقر بعد عزل أول رئيس مدنى منتخب مما خلق معارضة شرسة تشتعل جذوتها فى الجامعات وتعيق الحكومة فى إقرار وضع سياسى مستقر. وتواجه هذه الحكومة اتهامات بالعمالة والأيادى المرتعشة من حلفائها داخليا واتهامات بجرائم حرب خارجيا. كما تغيرت الخريطة الإقليمية أمامها فبعد ما كانت قطر وتركيا هما الملجأ والملاذ، أصبحت السعودية والإمارات يقومان بهذا الدور، خصوصا مع تعذر الاعتماد على صندوق النقد الدولى.

ويتضح أن الحكومة تتعامل مع الوضع على مرحلتين: تبدأ بمرحلة توسعية ثم يعقبها مرحلة انكماشية. وقد بدأت الحكومة منذ توليها السلطة بعد أحداث ٣٠ يونيو انتهاج سياسة اقتصادية توسعية تهدف لزيادة معدلات النمو وخلق فرص عمل جديدة من خلال التوسع فى السياسة المالية بزيادة الإنفاق والاستثمار الحكومى. كما عمل البنك المركزى على تطبيق سياسة نقدية توسعية بخفض سعر الفائدة. تبنى هذه السياسة هو توجه سياسى بالأساس لإنعاش السوق وإحتواء غضب الناس من ضيق الوضع الاقتصادى، لكن هذا التوجه له مخاطر كبيرة من حيث ارتفاع عجز الموازنة وزيادة التضخم.

وللتعامل مع هذه المخاطر، تتبنى الحكومة مجموعة من الإجراءات كالاعتماد على المساعدات الخليجية الكبيرة والتى تتكون من منح وقروض ميسرة ومواد بترولية تعمل بدورها على سد جزء من عجز الموازنة مباشرة، وكذلك تخفيض فاتورة الدعم وتوفير مصادر تمويل بفائدة منخفضة لتقليل بند خدمة الدين. كما أن السياسية النقدية التوسعية واعتماد الحكومة على إصدار أذون خزانة قصير الأجل لتمويل عجز الموازنة يعمل بدوره على خفض سعر الفائدة على الدين الحكومى وبالتالى خفض بند خدمة الدين. بالإضافة لذلك قامت الحكومة بفك وديعة حرب الخليج، والتى تعتبر من خطوط الدفاع الأخيرة للاقتصاد، لسد جزء من عجز الموازنة مباشرة.

وبذلك قد تستطيع الحكومة خفض عجز الموازنة لما دون ٢٠٠ مليار جنيه، أقل من ١٠٪ من إجمالى الناتج المحلى وهو مستوى أقل من عجز العام المالى الماضى والذى وصل إلى ٢٤٠ مليار جنيه، ١٣٫٨٪ من إجمالى الناتج المحلى وكان من المتوقع أن يتفاقم العجز بشكل كبير فى العام المالى الحالى لولا المساعدات الخليجية وفك الوديعة فى الأساس. كما يعمل البنك المركزى على خفض طباعة النقود نسبيا لإحتواء التضخم. وهذه السياسة من المفترض أن تؤدى إلى انتعاش نسبى فى الاقتصاد بدون تأثير سلبى على عجز الموازنة والتضخم.

لكن لا تستطيع الحكومة انتهاج هذه السياسة طويلا بسبب قلة الموارد المحلية واستحالة استمرارية المساعدات الخليجية على هذا النحو. ولذلك من المتوقع أن تغير الحكومة توجهها فى منتصف ٢٠١٤، بعد تمرير الدستور وانتخاب مجلس شعب ورئيس للجمهورية، ليكون التوجه انكماشيا بعض الشىء من أجل السيطرة على عجز الموازنة بشكل مستدام. لذلك من المتوقع انخفاض الاستثمار الحكومى وإعادة هيكلة الدعم. ويفترض أن يبقى البنك المركزى على مستوى سعر الفائدة بدون المزيد من التخفيض وهو ما سيساعد على احتواء التضخم. كما تأمل الحكومة الوصول لاستقرار سياسى وأمنى بحلول منتصف العام يؤدى إلى تحفيز الاستثمار الخاص المحلى والأجنبى ليكون بديلا عن الاستثمار الحكومى فى دفع عجلة النمو والذى سيتأثر إيجابا بانتعاش حركة السياحة التى بدأت فى التعافى.

على الرغم من ذلك، ستظل الحكومة فى حاجة لتمويل على الأرجح من خلال صندوق النقد والذى سيكون الاتفاق معه متاحا بعد وجود مؤسسات منتخبة. كما أن المؤشرات الكلية التى تهدف الحكومة لتحقيقها فى العام المالى الحالى وكذلك الإجراءات التمهيدية لإعادة هيكلة الدعم ستساعد فى التفاوض مع الصندوق. وسيساهم قرض الصندوق فى تمويل احتياجات الحكومة فى العام المالى القادم، والأهم من ذلك سيمنح الاقتصاد شهادة ثقة ستساعد على جذب الاستثمارات الأجنبية. وهذه السياسة فى المجمل من المفترض أن تعيد الاقتصاد إلى سابق عهده من حيث مستوى النمو والاعتماد على الاستثمارات الخاصة فى دفع عجلة الاقتصاد.

هذه الرؤية تبدو وكأنها الحل السحرى للأزمة الاقتصادية التى كانت ستنفجر لولا المساعدات الخليجية الكبيرة وفك الوديعة، لكنها لا تخلو من المخاطر. فعلى الصعيد الاقتصادى، قد يخرج عجز الموازنة فى العام المالى الحالى عن السيطرة كما حدث فى العام المالى الماضى. كما أن المستثمرين قد يحجمون عن الاستثمار فى مصر لعدة سنوات حتى تستقر الأوضاع سياسيا وأمنيا بشكل تام. وعلى الصعيد السياسى، قد لا تنجح محاولات السيطرة الأمنية خصوصا مع تصاعد حدة المظاهرات فى الجامعات وتزايد مستويات العنف. أما على الصعيد الاجتماعى، فإن قرض الصندوق وما يستتبعه من إجراءات قد تكون لها آثار سلبية على الفئات الأكثر فقرا فى المجتمع والتى تفاقمت مشكلاتها مؤخرا بعد قرار التحفظ على أموال بعض الجمعيات ذات الدور الكبير فى المجتمع.

الخلاصة أن الحكومة فى وضع لا تحسد عليه سياسيا واقتصاديا ومن المتوقع أن تدير الاقتصاد فى ٢٠١٤ من خلال مرحلتين. المرحلة الأولى تعتبر استمرارا للسياسة التوسعية المتبعة منذ ٣٠ يونيو لدفع النمو وإيجاد فرص عمل جديدة بالاعتماد على المساعدات الخليجية الكبيرة ووديعة حرب الخليج. ثم تأتى المرحلة الثانية بعد استكمال المؤسسات الدستورية فى منتصف العام بسياسة انكماشية بعض الشىء والاعتماد على قرض صندوق النقد لكسب شهادة ثقة للاقتصاد تشجع الاستثمار الخاص المحلى والأجنبى لدفع عجلة الاقتصاد. هذا التصور قد يبدو سحريا، لكن تواجهه العديد من التحديات على المستوى السياسى والاقتصادى والاجتماعى، مما يجعل ٢٠١٤ عام الرهان الاقتصادى الأكبر.

عمر الشنيطي
4 يناير 2014
نُشر هذا المقال فى "جريدة الشروق"