Saturday, September 5, 2015

حينما تأتى الرياح بما لا تشتهى السفن

الاقتصاد العالمى أصبح شديد التشابك، إذ أن ما يحدث فى الدول الكبرى يمتد أثره ليشمل باقى دول العالم. بعض الدول تلعب دورا كبيرا فى توجيه الاقتصاد العالمى، بينما البعض الآخر يلعب دور المتلقى للصدمات، كما هو حال مصرنا العزيزة.
لم تكن الأعوام الأخيرة من أفضل فترات الاقتصاد العالمى، حيث شهد أزمة مالية فى ٢٠٠٨ زلزلت العديد من الاقتصادات الكبرى ودفعتها للدخول فى الركود. استطاعت أمريكا الخروج من تلك الأزمة عبر سياسة تحفيزية غير تقليدية، بينما قبعت أوروبا فى غياهب الركود حتى الآن. أما الصين فحرصت على دفع النمو بكل السبل الممكنة، لكن ذلك لم يكن مستداما حتى جاءت اللحظة الفارقة، وبدأت عوارض الركود الاقتصادى، فخسرت الأسهم الصينية قرابة ثلث قيمتها فى عدة أسابيع.
هذا الهبوط المفاجئ امتد ليضرب بورصات أوروبا وأمريكا والتى اجتاحها الذعر، لكن السوق الأمريكية عاودت الصعود سريعا على خلفية بيانات اقتصادية قوية، تؤكد على صلابة الاقتصاد الأمريكى. على الرغم من تحذير البعض من أزمة عالمية جديدة مثل ٢٠٠٨، لكنه من الصعب الجزم بذلك الآن. على كل حال الكثير من الشواهد، تؤكد أن الاقتصاد الصينى سيواجه أزمة عنيفة قد تطول. وعلى خلفية تلك التقلبات الاقتصادية العالمية يمكن تحديد ثلاثة محاور مختلفة للتأثير على الاقتصاد المصرى.
المحور الأول يتعلق بأزمة الاقتصاد الصينى، التى دفعت البنك المركزى الصينى لخفض سعر صرف اليوان، فى محاولة لتنشيط الاقتصاد بتشجيع الصادرات الصينية، مما يزيد من عجز الميزان التجارى بين مصر والصين، حيث تستورد مصر من الصين أضعاف ما تصدره لها، وانخفاض اليوان سيزيد من الطلب على المنتجات الصينية فى السوق المصرى. كما أن تخفيض اليوان قد دفع العديد من الدول الناشئة لتخفيض عملاتها، للحفاظ على تنافسية صادراتها، وهو ما يضغط على الجنيه المصرى، لمواكبة هذا النهج بالمزيد من التخفيض، للحفاظ على تنافسية الصادرات المصرية.
الانخفاض المتوقع فى الجنيه قد لا يؤدى لزيادة كبيرة فى التضخم هذه المرة، حيث سيقابله انخفاض فى أسعار المنتجات الصينية المستوردة، ومن ثم تكون المحصلة النهائية هى ارتفاع طفيف فى الأسعار. من ناحية أخرى، الأزمة الصينية تضع علامات استفهام كبيرة على جاذبية الاستثمار فى الأسواق الناشئة، فانخفاض عملات تلك الأسواق، سيؤدى لخسائر محققة وهروب رؤوس الأموال الأجنبية منها. وسيكون لتلك الظاهرة أثر على تأخر تدفق الاستثمارت الأجنبية على مصر، مما يضعف قدرة الاقتصاد على النمو والحفاظ على سعر صرف الجنيه.
أما المحور الثانى يتعلق بتزامن الأزمة الصينية مع تباطؤ النمو فى أوروبا، التى تعانى من الركود منذ ٢٠٠٨. ذلك التزامن سيؤثر على حجم التجارة العالمية، والتى على الأرجح ستشهد تراجعا فى السنوات القادمة، على غرار ما حدث بعد الأزمة المالية العالمية، حيث انخفضت إيرادات قناة السويس منذ ذلك الحين، ولم تعد بعد لمستوياتها السابقة. من ناحية أخرى، فإن مشروع قناة السويس الجديدة والذى تم الانتهاء منه فى سنة واحدة، هو إنجاز من الناحية الهندسية، بعد أن شكك الكثيرون فى إمكانية ذلك، وبالتأكيد سيصب فى الرصيد السياسى للنظام الحالى، ويكسبه شرعية الإنجاز.
أما على الصعيد الاقتصادى، فإن هذا المشروع الذى شمل تعميق وتوسيع المجرى الحالى وحفر مجرى موازٍ، كان من المتوقع أن يؤدى لزيادة الإيرادات فى البداية، نتيجة زيادة قدرة القناة على استقبال عدد كبير من السفن العملاقة فى نفس الوقت، وكذلك زيادة سرعة عبور القناة، مما يزيد من تنافسية القناة كمجرى ملاحى، ويساعد على زيادة رسوم المرور. وبعد الزيادة الأولى سترتبط زيادة الإيرادات ارتباطا وثيقا بنمو التجارة العالمية. لكن بعد أن ضرب الركود الصين وأوروبا فى وقت واحد، فإن زيادة إيرادات القناة قد لا تبدو منطقية الآن، حيث إنه سيكون من الصعب زيادة رسوم المرور، كما أن حجم التجارة العالمية على الأرجح سيتراجع على المدى القصير.
من الصعب بناء حكم نهائى على إيرادات القناة على المدى القصير، وقد تظل على وضعها الحالى لفترة ثم ترتفع مع انتعاش الاقتصاد العالمى. لكن أثر ذلك على شهادات الاستثمار سيكون محدودا، حيث إن إيرادات القناة بالدولار، بينما فوائد الشهادات بالجنيه. ومع تخفيض الجنيه، تزيد إيرادات القناة بالجنيه، بينما تظل قيمة الفوائد ثابتة. كما أن نصف ما تم جمعه من شهادات مخصص لحفر الأنفاق والتى لم تتم بعد، وبالتأكيد يتم استثمارها بشكل ما لتدر دخلا للقناة، يساعد على سداد فوائد الشهادات على المدى القصير، مع إمكانية إعادة تمويل الشهادات فى نهاية المدة بإصدار شهادات جديدة أو الاقتراض من البنوك.
بينما يتعلق المحور الثالث بأزمة أسعار البترول، التى انخفضت بما يزيد عن النصف خلال العام الماضى، مما أثر سلبا على دول الخليج المصدرة للبترول وتركت موازناتها فى عجز شديد. وعليه فإن الركود فى الصين وأوروبا سيؤدى لانخفاض الطلب المستقبلى على البترول، مما يؤثر سلبا على قدرة أسعار البترول على التعافى، والتى من المتوقع أن تقارب ٥٠ــ٦٠ دولارا للبرميل فى ٢٠١٥ــ٢٠١٦. ذلك الانخفاض يساهم فى خفض فاتورة دعم الطاقة، وبالتالى عجز الموازنة المصرية وهو أمر جيد، لكن على الناحية الأخرى، يضعف من قدرة دول الخليج على الاستثمار فى مصر، مما يؤثر على معدلات النمو المتوقعة وسعر صرف الجنيه.
قد يتساءل القارئ: «ما هذا الكم من الأزمات؟» الواقع أن الاقتصاد العالمى أصبح شديد التقلب، مما يضفى بظلاله على الاقتصاد المصرى الذى سيواجه تحديات بالغة فى الفترة القادمة لم تكن فى الحسبان. لكن من ناحية أخرى، هناك أخبار إيجابية لم تكن فى الحسبان أيضا، كاكتشاف حقل غاز كبير فى البحر المتوسط، الذى سيساعد على سد حاجة مصر من الغاز الطبيعى، وإن كان ذلك سيتطلب بعض الوقت لبداية الإنتاج. وأخيرا ليست كل الأخبار سلبية وحتى الأخبار السلبية قد تكون سيئة للاقتصاد الكلى، لكنها فرصة جيدة للحكومة، لمراجعة توقعاتها وبناء تصور أكثر واقعية عن آفاق الاقتصاد على المدى القصير.
عمر الشنيطى
05 - سبتمبر - 2015
نُشر هذا المقال فى "جريدة الشروق"

Thursday, August 27, 2015

Changes in Iran

Iran has been in trouble with the West since the Islamic Revolution in 1979. Following the American hostage crisis, the first sanctions were levied at an early stage of the then newly formed Islamic Republic of Iran, and then more sanctions were levied in 1984 when the Lebanon-based Hizbullah group, tied to Iran, was implicated in the bombing of the US military base in Beirut.

Such historical tensions remained in place over the following decades, even getting worse after the International Atomic Energy Agency (IAEA) discovered in 2005 that Iran was not compliant with its international obligations and highlighted the fact that the country was moving ahead with its nuclear programme. This led to more sanctions in 2012, isolating the Iranian economy from the rest of the world and slowing down its growth potential.

With the election of Hassan Rouhani as the new Iranian president in June 2013, a deal with the West was looming on the horizon. Negotiations were intensified, and an initial deal was reached by the end of 2013 leading to a final deal in spring 2015. This was a historic moment, not just for Iran or even for the Middle East region, but also for the world as a whole.

Iran today is the sixth-largest oil producer in the world and has the second-largest gas reserves. Accordingly, the deal will have implications for the oil market, which has already been turbulent over the last year. Standing at $110 per barrel l in early 2014, a combination of low European demand post the global financial crisis, an increased supply from Iraq and Libya together with a surge in shale gas production in the US has pushed the prices to below $50 a barrel by the end of 2014.

As is typical in such circumstances, the Organisation of Petroleum Exporting Countries (OPEC) cut back on supply in order to balance the market. But what then happened was the opposite of the usual strategy, since OPEC decided to keep its level of production steady to avoid losing market share, pushing prices downwards even faster, reaching below $50 per barrel.

A short pause for breath was seen in early 2015 when prices started to edge up on higher demand  due to slower production rates of shale gas and  the shelving of global oil and gas projects worth $200 billion due to low prices.

The prices resumed its downward trend in May again going below $50 per barrel and causing huge frustration for oil producers, especially the oil-dependent Gulf countries. The recent news about the slowdown in economic activity in China definitely played a role, but the deal with Iran and its near return to the global oil market has undoubtedly helped to push prices downwards.

Looking at Iran, it supposedly has around 40 million barrels of oil stored in floating tanks and currently produces 2.8 million barrels per day (bpd) and could return to its pre-sanctions level in 6-12 months to reach 3.8 million bpd. Some analysts believe the return of Iran to the oil market will increase supply, pushing prices downwards, while others believe that since Iran is a member of OPEC, which has a production ceiling of 30 million bpd, total production will stay the same with no effect on the market. However, for this to happen other OPEC members would have to reduce their output.

As the decrease in Iran’s production that took place some years ago due to the sanctions was covered by increased production from Kuwait, Saudi Arabia, the UAE and Iraq, questions naturally arise about how these Gulf countries may be affected by the pumping of Iranian oil to the market.

Despite the claims by the US that the Iran deal will not affect the Gulf countries, the deal will probably have four major impacts on the region. The first relates to oil prices and Gulf country deficits. Iran is a member of OPEC, and its return to the international oil market would ordinarily force other members to cut their production, thus affecting their revenues. It is worth noting that the Gulf countries have budget break-even levels at an oil price of around 0$80-90 per barrel. At the currently prevailing prices, they are mostly in deficit, especially Saudi Arabia which is expected to run a double-digit budget deficit this year of over $100 billion.

The Gulf countries have accumulated huge foreign reserves over several decades, but these are being eroded very quickly due to the low oil prices, and Saudi official reserves decreased from $900 billion in September 2014 to $650 billion in August 2015. The case is same in the other Gulf countries, slowing their investments in Egypt after their direct aid stopped a while ago.

The second impact relates to trade and exploration. Iran shares a major gas well with Qatar, which has the right to two-thirds of the well’s production. Qatar has been thought to have used advanced technologies to extract more than its fair share from this well, but with the new deal Iran will be at par with it technologically. Moreover, while Dubai in the UAE was Tehran’s main trade gateway during the years of sanctions, Iran now plans to construct free-trade zones which will affect Dubai.

The third impact relates to oil and infrastructure investment. Around $100-150 billion of frozen Iranian assets will be released as a result of the deal, giving Tehran the opportunity to upgrade its public infrastructure. In addition, Iran’s oil industry needs a massive upgrade, which it plans to do by partnering with the major oil companies in 50 projects worth $185 billion by 2020.

An aggressive investment plan of this sort will turn Iran into a centre for global oil and infrastructure companies, making the rest of the region unattractive for the time being. This shift will also hit countries like Egypt that are looking for investment, especially in oil and gas. At low oil prices, the oil majors will have to prioritise their investments, and logically Iran will come at the top of their list.

The fourth and last main impact of the deal relates to regional political stability. It is very hard to miss the huge regional influence of Iran and its involvement in Syria, Iraq, Yemen and Lebanon which has helped to exacerbate the Sunni-Shia conflict in these countries. With the new deal, Iran’s political power will get stronger, translating into increased military spending by the Gulf countries and affecting their growth potential and capability to invest in other countries such as Egypt.

The bottom line is that the Iran nuclear deal looks like great news to many, but not for the Gulf countries and their allies, where the return of Iran to the global oil market will most likely result in more deficits. In addition, Iran will probably become the centre of western investments, limiting the potential to attract investments of other regional countries, including Egypt. More importantly, the deal will also strengthen the regional influence of Iran, pushing the Sunni-Shia conflict in the region to the edge.

Omar El-Shenety
27 August 2015 
This article was published in "Al Ahram Weekly"

Saturday, August 22, 2015

الوضع الاقتصادى لحليف مصر الأكبر

لعبت الإمارات دورا كبيرا فى المشهد المصرى فى العامين الماضيين حيث تعتبر الحليف الأكبر للدولة المصرية وداعمها الاقتصادى الأكبر فى تلك المرحلة الحرجة. فمع دخول مصر مرحلة انتقالية جديدة بعد ٣ يوليو ٢٠١٣، كان الاقتصاد المصرى فى وضع حرج لكن المساعدات الخليجية السخية التى قاربت ٢٠ مليار دولار منعت الاقتصاد المتعثر من الانهيار. وكانت السعودية والكويت والإمارات هى الدول الداعمة لمصر فى تلك الفترة إلا أن الدور الإماراتى كان الأكبر حيث إن حجم مساعداتها قارب نصف ما تلقته مصر، كما أن تلك المساعدات لم تقتصر فقط على المنح بل شملت أيضا العديد من المشروعات الاجتماعية.
مع تنصيب الرئيس بدا واضحا أن الدعم الخليجى فى سبيله للتراجع متأثرا بانخفاض أسعار البترول وكذلك إيمان دول الخليج بأهمية اعتماد مصر على نفسها للخروج من أزمتها الاقتصادية. وعلى الرغم من تراجع الدعم الخليجى المباشر إلا أن الإمارات ظلت تلعب دورا محوريا فى مساندة الاقتصاد المصرى بإمداد مصر بشحنات ميسرة من المواد البترولية ساعدت على احتواء أزمة الطاقة وكذلك التعاون فى تطوير بعض المشروعات القومية التى تبنتها الحكومة أخيرا لتكون قاطرة لتنشيط وتنمية الاقتصاد.
على صعيد آخر، شهد سوق النفط العالمى اضطرابا شديدا حيث انخفض سعر برميل خام برنت من قرابة ١١٠ دولارات فى مطلع ٢٠١٤ ليصل لما دون ٥٠ دولارا بنهاية العام. وعلى الرغم من معاودة الأسعار للارتفاع لما يزيد على ٦٠ دولارا إلا أن الاتفاق الإيرانى وكذلك تباطؤ النمو فى الصين دفع الأسعار مرة أخرى للهبوط لما دون ٥٠ دولارا أخيرا. وكان لذلك أثر كبير على دول الخليج حيث يمثل البترول الجزء الأكبر من صادراتها ومصدر الدخل الأساسى لموازناتها والتى شهدت عجزا شديدا. ومن المتوقع أن يتخطى عجز موازنة السعودية هذا العام ١٠٪ من الناتج المحلى بما يتخطى ١٠٠ مليار دولار وتلك أرقام كبيرة لا تستطيع دول الخليج تحملها طويلا رغم تراكم المليارات من عوائد البترول فى صناديقها السيادية.
الوضع فى الكويت لا يختلف كثيرا عن السعودية، لكن ما هو مدى تأثر الإمارات بذلك؟ الحديث عن الخليج وأزمة البترول دائما ما ينصب على السعودية حيث إنها الأكبر حجما وكذلك إنتاجا للبترول وقد يتصور القارئ أن الوضع فى الإمارات مماثل، لكن الواقع مغاير لتلك الصورة الذهنية. فقد جاء عام ٢٠١٤ ليشهد الاقتصاد الإماراتى نموا بلغ ٤٫٦٪، هو الأعلى منذ تأسيس دولة الإمارات، ووصل حجم الاقتصاد لقرابة ١٫٥ تريليون درهم، ما يعادل ٣ تريليونات جنيه مصرى، مما يجعل الاقتصاد الإماراتى أكبر حجما من الاقتصاد المصرى على الرغم من الفارق الكبير فى عدد السكان.
لكن كيف تمكنت الإمارات من تحقيق ذلك؟ السر يكمن فى تنوع الاقتصاد الإماراتى. فالقطاع النفطى فى الإمارات بطبيعة الحال شهد تراجعا مثله مثل باقى الخليج مع التراجع الحاد فى أسعار البترول. لكن ما أنقذ الاقتصاد الإماراتى هو نمو القطاع غير النفطى والذى يمثل قرابة ٦٩٪ من حجم الاقتصاد حيث شهد نموا ملحوظا بلغ ٨٫١٪ مما ساعد الإمارات على تحقيق معدل نمو كبير حتى مع تراجع القطاع النفطى. ويشمل القطاع غير النفطى الخدمات المالية التى نمت بقرابة ١٥٪ وكذلك قطاع السياحة حيث استقبلت الإمارات ما يزيد على ٢٠ مليون سائح، قرابة ضعف عدد السائحين الذين زاروا مصر فى ٢٠١٤.
هذا التنوع سمح للاقتصاد الاماراتى أن يصبح الأول إقليميا من حيث حجم التبادل التجارى مع أكبر عشرة اقتصاديات فى العالم. كما سمح للإمارات أن تتحول لمركز عالمى جاذب للمهارات تستطيع الشركات متعددة الجنسيات أن تستخدمه كمقر لإدارة أعمالها الإقليمية كما تشير العديد من استطلاعات الرأى العالمية. وتسعى الإمارات لتوسيع حجم التنوع الاقتصادى حتى يصل إسهام القطاع غير النفطى لقرابة ٨٠٪ من حجم الاقتصاد بحلول ٢٠٢١ عن طريق الاستثمار فى البنية التحتية وقطاع النقل، بينما تظل الموازنة الفيدرالية للإمارات متوازنة وبدون عجز خلال العام المالى الجديد حيث يبلغ حجم الإنفاق قرابة ٥٠ مليار درهم، ما يوازى ١٠٠ مليار جنيه، قرابة ١٢٪ من الموازنة المصرية.
هل يعنى ذلك أن الإمارات فى معزل تام عن الأزمة؟ بالتأكيد هناك أثر لانخفاض أسعار البترول لكن ذلك الأثر ليس كبيرا على موازنة الدولة ومستويات النمو ومعدلات التوظيف المحلى، بينما الأثر السلبى الكبير يأتى على تراكم الاحتياطيات المالية. لسنوات طويلة تراكمت مئات المليارات من الدولارات من مبيعات البترول فى صناديق سيادية متعددة مملوكة لإمارة أبوظبى، يتم استثمارها فى أنشطة متعددة، نفطية وغير نفطية، سواء داخل الإمارات أو خارجها. تلك الصناديق السيادية التى أصبحت لاعبا أساسيا فى أسواق المال العالمية هى ما تعول عليها أبوظبى فى دعمها لحلفائها كمصر. تلك الصناديق منيت بخسائر كبيرة فى أعقاب الأزمة المالية العالمية فى ٢٠٠٨ لكن أسعار البترول المرتفعة ساعدت على امتصاص الصدمة وهو ما لم يصبح متاحا الآن وسيؤثر على قدرة أبوظبى على دعم مصر بشكل كبير سواء فى صورة منح أو استثمارات سيادية.
نجاح الإمارات فى تنويع اقتصادها يقدم درسا مهما وهو أهمية إيجاد نمو حقيقى ومستدام فى دول الخليج الأخرى بعيدا عن الاعتماد على عائدات النفط التى من الواضح أنها ستبقى منخفضة لفترة، وعاجلا أم آجلا سينضب النفط وسيكون على دول الخليج الاعتماد على مصادر أخرى وعليها أن تبدأ فى ذلك سريعا قبل فوات الأوان. ومن جهة أخرى فإن النمو المستدام يجب أن يكون درسا مهما لمصر أيضا والتى عليها العمل على إيجاد قاعدة إنتاجية حقيقية سواء كانت صناعية أو زراعية أو خدمية بدلا من الاعتماد على تضخيم فقاعات عقارية غير مستدامة أو دفع الاقتصاد بمشروعات قومية عملاقة باهظة التكلفة وغير قادرة على إيجاد فرص عمل مستدامة. النمو الحقيقى قد يأخذ فترة أطول ليتحقق لكنه ينتج فرص عمل حقيقية ومستمرة تشعر الناس بتحسن حقيقى فى دخولهم لا تأكله ارتفعات الأسعار.
عمر الشنيطى
22 - أغسطس - 2015
نُشر هذا المقال فى "جريدة الشروق"

Saturday, August 8, 2015

عن سوق السيارات الفارهه

السيارات الفارهة لها أهميتها لدى الأثرياء الذين يعتبرونها من ضروريات الحياة، فى حين يتطلع أغلب من لا يمتلكها للانضمام لنادى سائقى السيارات الفارهة. ويشمل ذلك القطاع العديد من الشركات العالمية لكن تتصدره بجدارة الشركات الألمانية وعلى وجه الخصوص شركتان، أقدمهما تأسست منذ أكثر من ١٢٠ سنة والثانية منذ أكثر من ٨٠ سنة. ويعتبر اقتناء سيارة من إنتاج تلك الشركتين علامة على ثراء صاحبها، حتى إن بعض الملاك الجدد لتلك السيارات يتباهون بحمل مفتاح السيارة التى لا يصعب على أحد أن يلاحظه، سواء محليا أو عالميا.
وقد يتعجب البعيد عن هذا المجتمع حينما يعرف بوجود قوائم انتظار لشراء بعض هذه السيارات، قد تصل لعدة أشهر، بينما لا توجد قوائم مماثلة للعديد من السيارات اليابانية أو الكورية. يبدو هذا أمرا غريبا، كيف توجد قوائم انتظار طويلة لسيارات باهظة الثمن؟ هل الأغنياء فى مصر أكثر من متوسطى الدخل؟ ألسنا فى وضع اقتصادى حرج ومازلنا نحاول الخروج منه؟ تلك الأسئلة المنطقية يتداولها بعض الناس فيما بينهم وعلى شبكات التواصل الإجتماعى متعجبين من تلك الظاهرة بينما يؤكدون على زيادة عدد السيارات الفارهة فى الشوارع أخيرا بشكل كبير، خاصة فى القاهرة الكبرى بشكل لافت للأنظار.
بالنظر لإحصائيات سوق السيارات يتضح أن إجمالى عدد السيارات الملاكى المرخصة قد بلغ ٣٫٦ مليون سيارة حيث تستحوذ القاهرة على قرابة ٢٨٪ من ذلك العدد، تليها الجيزة ١٢٪ ثم الإسكندرية ٩٪. وشهد عام ٢٠١٤ طفرة كبيرة فى سوق السيارات الملاكى حيث حققت السوق إجمالى مبيعات ٢٠٨ ألف سيارة بقيمة ٣٠ مليار جنيه مقارنة بإجمالى ١٣٣ ألف سيارة فى ٢٠١٣ بزيادة ٥٥٪، فى حين أن معدل الزيادة فى ٢٠١٥ من المتوقع أن يقف عند ٢٠٪. ولعل السبب الرئيسى وراء الزيادة الكبيرة فى مبيعات العام الماضى هو بدء تعافى الاقتصاد بعد أربعة أعوام من الركود حيث حقق الاقتصاد أخيرا معدلات نمو تتخطى ٤٪ مقارنة بمتوسط ٢٪ فى الأعوام السابقة. كما أن التوسع فى تمويل السيارات من قبل البنوك كان له أثر كبير على دفع المبيعات حيث زادت إجمالى قروض السيارات من البنوك بنسبة ٣٠٪ خلال ٢٠١٤ ويصل نسبة ما يتم تمويله بقروض بنكية لقرابة ٥٠٪ من إجمالى السيارات الملاكى المباعة.
أما إذا نظرنا لأداء شركتى السيارات الألمانية الفارهة، فنجد أن سوق السيارات الفارهة قد تأثرت بشدة بعد ٢٥ يناير حيث تراجعت مبيعات الشركة الألمانية الأقدم والأعرق من ٤٧٠٠ سيارة فى عام ٢٠١٠ لما دون ٣٠٠٠ سيارة فى عام ٢٠١٣. ومع ذلك فإن انتعاش السوق العام الماضى ساعد تلك الشركة لبيع ٣٥٠٠ سيارة بزيادة ١٧٪ بينما تستهدف تلك الشركة زيادة مبيعاتها بنحو ٢٠٪ خلال ٢٠١٥ــ٢٠١٦. وعلى صعيدٍ آخر قررت تلك الشركة غلق مصنعها فى مصر والاعتماد على الاستيراد من مصنع الشركة فى الجزائر بسبب تطبيق اتفاقية الجات على مصر وكذلك المزايا الضريبية للتصنيع فى الجزائر. قد لا يؤثر ذلك على مبيعات الشركة فى مصر بشكل كبير لكن بطبيعة الحال سيؤثر على سوق تصنيع السيارات المحلى بالسلب.
أما الشركة الأخرى فعلى الأغلب مرت بفترة عصيبة بعد ٢٥ يناير غير أن لتلك الشركة نشاطا تصنيعيا بارزا فى مصر واحتفلت أخيرا بإنتاج السيارة رقم ٢٠ ألفا فى مصنعها بمصر والذى بدأ فى ٢٠٠٤ بطاقة إنتاجية ١٠٠٠ سيارة والتى تضاعفت لتصل أخيرا لقرابة ٥٠٠٠ سيارة إذ لا تنوى تلك الشركة نقل مصنعها خارج مصر، حيث إن أحد موديلاتها للدفع الرباعى يتم تصنيعه فى أمريكا وسيتأثر ضريبيا بشكل سلبى إذا تم نقل المصنع للخارج ولذلك فيتوقع أن تستمر فى نشاطها التصنيعى فى مصر.
توضح أرقام الشركتين أن مبيعات السيارات الألمانية الفارهة تقارب ٨٠٠٠ سيارة سنويا وهو ما يمثل قرابة ٤٪ فقط من إجمالى سوق السيارات الملاكى، وهى نسبة منطقية لتلك الفئة. وتشير الأرقام أن تلك الفئة من السيارات تعد الأكثر تضررا فى سوق السيارات بسبب الاضطرابات السياسية. كما أن تعافى تلك الفئة فى ٢٠١٤ جاء بشكل أقل من تعافى إجمالى القطاع والتى ارتفعت مبيعاته بقرابة ٥٥٪ بينما مبيعات فئة السيارة الفارهة كان ارتفاعها أقل من ٢٠٪، بناء على المتاح من الأرقام. ولذلك فإن الصورة الذهنية المنتشرة عن زيادة مبيعات تلك السيارات ليست صحيحة.
لكن ما هو سبب انتشار تلك الصورة الذهنية؟ لعل التفسير الأوقع لذلك هو انتقال عدد ليس بالقليل من الاثرياء وميسورى الحال للإقامة فى المجمعات السكنية الفاخرة فى المدن الجديدة مثل التجمع الخامس أو السادس من أكتوبر وهو ما زاد فى الفترة الأخيرة وأدى إلى تركز وجود تلك الطبقة الثرية فى مساحة صغيرة نسبيا مقارنة بتوزيع نفس الفئة فى أحياء أكبر سابقا. وهذا التركز فى المجمعات السكنية وما يتبعها من المراكز التجارية الفاخرة كفيل بإعطاء الانطباع أن عددا كبيرا من المصريين أصبحوا من سائقى تلك السيارات الفاخرة، خاصة حينما تتفقد مواقف الانتظار فى تلك الأماكن فتجد أن تلك السيارات الفارهة هى النسبة الأكبر، بينما الحقيقة أن عددا كبيرا من قاطنى تلك المجمعات السكنية فقط، وليس المجتمع على عمومه، هم من يمتلكون تلك السيارات وأن الانطباع جاء نتيجة تعميم غير منطقى.
كما أن وجود قوائم انتظار يقتصر على بعض الموديلات التى يزيد عليها الطلب مقارنة بحجم الإنتاج المحدود لتلك السيارات وهو ما قد يوحى بوجود طفرة كبيرة فى مبيعاتها، بينما الحقيقة أن سوق السيارات الفارهة قد تأثر سلبا بالاضطرابات السياسية وهو ما انعكس على انخفاض المبيعات بشكل كبير فى حين عاودت النمو مع تعافى السوق العام الماضى وإن كان بمعدلات أقل من إجمالى نمو السوق. وأخيرا يتضح أن الصورة الذهنية المنتشرة عن زيادة السيارات الفارهة ليست حقيقية حيث إنها نتاج انتقال الطبقة الثرية لمجمعات سكنية تتركز فيها وجود تلك السيارات الفارهة مما يوحى بزيادة الطلب.
عمر الشنيطى
8 - أغسطس - 2015
نُشر هذا المقال فى "جريدة الشروق"

Monday, July 27, 2015

The Outlook for EGP/USD Exchange Rate

The Egyptian economy has suffered since 25th of January revolution which resulted into the retreat of FDIs (Foreign Direct Investments) and tourism. As a result, the pound got devalued several times in the period of 2011-2013 from 5.5 EGP to around 7 pounds per dollar, even after using close to 30 BN USD of currency reserves by the Central Bank to defend the pound.  After 30th of June 2013, the situation got relieved with Egypt receiving tens of billions of dollars in the form of Gulf aid which stabilized the currency for more than 1.5 years. Yet starting 2015, the pound has witnessed two devaluation rounds to reach around 7.8 pounds per dollar in the official market and bit more in the black market, with huge concerns about the availability of the dollar in the market.
The main sources of foreign currency (mainly USD) to the Egyptian economy are facing key risks. Tourism has witnessed an improvement in the last fiscal year yet stays to be very sensitive to the security situation, which is questionable especially in Sinai. FDIs have picked up yet much slower than previously expected as a result of the regional turbulences. Suez Canal revenues are projected to increase as a result of the new lane to be launched yet such increase in revenues will probably take few years to materialize. Exports have not shown big leaps despite the devaluation of the pound where lack of competitiveness stays to be the big challenge. Gulf aid which kept the Egyptian economy afloat since 2013 has significantly retreated lately due to several political and economic issues. At the same time, the Egyptian imports didn’t retreat even with the devaluation of the pound and the different restrictions put on importing.
With these factors in mind, the pound is expected to see further devaluation by early next year, which will probably be followed by other rounds of devaluation. Few reasons confirm this.
  1. The structural deficit in the current account (difference between exports and imports), the retreat of Gulf aid and the slow pick of FDIs, which makes the Egyptian economy short of US dollars.
  2. Central Bank is determined to fight the black market which would require further devaluation rounds to bridge the gap between real value of the pound and its official rate.
  3. Foreign investors won’t invest while the pound is overvalued pushing the Central Bank to devalue the pound more.
  4. Europe is Egypt’s main trading partner and with the weakening of the Euro, the pound will need to be devalued more to avoid hurting Egyptian exports.
  5. Finally, the Central Bank has expanded in printing money to finance the budget deficit where its holdings of T-bills and bonds have doubled in this year’s budget, thus pushing inflation higher and increasing demand on the dollar as a safe heaven.
So most likely, more devaluation is yet to come before we see stability again in the Egyptian pound.
Sources:

Saturday, July 25, 2015

عن اقتصاديات الكنافة بالمانجة

شهد رمضان الماضى تعليقات كثيرة على الكنافة بالمانجة، التى أصبحت من أهم حلويات رمضان فى الطبقات المتوسطة وفوق المتوسطة بعد أن وصلت الإبداعات لمجال الحلويات الشرقية التقليدية، وصارت ضجة على مواقع التواصل الاجتماعى على أسعار الكنافة بالمانجة والتى ارتفعت بما يزيد على ٣٠٪ فى العديد من محال الحلويات مقارنة بالعام الماضى، حتى إن البعض علق ساخرا أن الاستثمار فى الكنافة بالمانجة أصبح أكثر ربحا من ودائع البنوك.
قد يبدو الموضوع ثانويا لكنه يشير إلى الكثير من التطورات الاقتصادية. فالأسرة التى تعتاد شراء سلة منتجات بشكل دورى، شهريا على سبيل المثال، تتابع أسعار تلك المنتجات لكنها تستقبل ارتفاع الأسعار تدريجيا وبزيادة طفيفة شهرا بعد شهر مما يجعلها تعتاد على الارتفاع المتكرر وتقارن السعر الجديد بسعر الشهر الماضى وليس سعر العام السابق. فلو على سبيل المثال ارتفع سعر سلة المنتجات بنسبة ٣٠٪ من سنة لأخرى، فإن هذا يعنى معدل ارتفاع شهرى يقارب ٢ــ٢.٥٪. ولذلك فإذا كان سعرها فى بداية العام ١٠٠ جنيه وكان الارتفاع تدريجيا خلال العام، سيصبح سعرها فى الشهر التالى ١٠٢ــ١٠٣ جنيه، وهى زيادة بسيطة قد لا تنتبه لها الأسرة.
لكن الكنافة بالمانجة من الحلويات الموسمية ولا يتابع الناس أسعارها بشكل دائم ولذلك تستطيع أن تفاجئنا بارتفاع أسعارها من عام لآخر. هذا الارتفاع لم يقتصر على الكنافة بالمانجة فقط ولا حتى الحلويات الشرقية المماثلة التى ارتفعت بمعدلات متقاربة، لكن تلك الارتفاعات شملت العديد من المنتجات الأخرى. بطبيعة الحال، ارتفاع سعر سلعة أو سلعتين بما يفوق ٣٠٪ لا يعنى أن معدلات التضخم وصلت لهذا المستوى الجنونى لأن معدلات التضخم تقيس متوسط الزيادة فى أسعار سلة كبيرة من السلع والخدمات، وإن كانت المعدلات الرسمية تشير لزيادة التضخم أخيرا.
وتشير قصة الكنافة بالمانجة لموضوع هام آخر، وهو التصور السائد بأن سبب ارتفاع الاسعار هو ارتفاع الدولار الذى يؤدى بدوره إلى ارتفاع أسعار المنتجات المستوردة، وهى نسبة كبيرة من المنتجات فى السوق. السبب الآخر، فى اعتقاد الكثيرين، هو ارتفاع أسعار الطاقة بعد أن عمدت الحكومة لترشيد دعم الطاقة مما أدى لارتفاع تكلفة التشغيل والنقل وبالتالى إجمالى أسعار المنتجات. لكن هذين السببين لا يفسران ارتفاع أسعار الكنافة بالمانجة بهذا الشكل، حيث إن أغلب مكوناتها محلية الصنع وبالتالى لا تتأثر كثيرا بارتفاع الدولار، كما أن إنتاجها ليس كثيف الاستهلاك للطاقة ولا يتطلب نقلها تكلفة كبيرة، وبالتالى تأثرها بأسعار الطاقة لا يفترض أن يكون كبيرا.
وهنا يأتى سبب آخر لارتفاع الأسعار قلما يتم الإشارة إليه وهو ما يعرف بخلق النقد، حيث يقوم البنك المركزى بطباعة النقد واستخدامه لشراء السندات الحكومية لتمويل عجز الموازنة وهو ما يزيد المعروض من النقد فى الاقتصاد. ويتبنى البنك المركزى تلك السياسة من أجل تنشيط الاقتصاد بتشجيع الأفراد على الإنفاق والبنوك على الإقراض. كما أن التوسع فى طباعة النقد يساعد على توفير التمويل اللازم لتمويل عجز الموازنة لكن تلك السياسة تأتى على حساب زيادة معدلات التضخم.
قد تبدو علاقة طباعة النقد بارتفاع الأسعار نظرية لكن لنتصور بلدا افتراضيا يسكن فيه بضعة أشخاص ويوجد فيه ١٠٠ منتج فقط والمتاح من النقد فيه ١٠٠٠ جنيه فقط. لو اعتبرنا أن المنتجات المتاحة أساسية وتكاد تكفى احتياجات الأفراد، فإن الأفراد سيستخدمون كل المتاح من النقد لشراء تلك المنتجات مما يجعل متوسط سعر المنتج ١٠ جنيهات. إذا أراد من يدير تلك البلد الافتراضية تحفيز الاقتصاد بمضاعفة المتاح من النقد ليصل إلى ٢٠٠٠ جنيه بينما لم يزد الإنتاج الحقيقى، فإن ذلك سيؤدى لزيادة ما يستطيع دفعه الأفراد للحصول على تلك المنتجات مما يؤدى لارتفاع متوسط أسعار المنتجات تدريجيا ليصل إلى ٢٠ جنيها بدلا من ١٠ جنيهات.
رجوعا للواقع، فقد قام البنك المركزى بالتوسع فى خلق النقد أخيرا حيث تضاعف استثمار البنك المركزى فى السندات الحكومية لتصل مدفوعات الفوائد للبنك المركزى ٦٦ مليار جنيه، ما يعادل ٢٧٪ من إجمالى الفوائد فى موازنة العام المالى الجديد، مقابل ٣٢ مليار جنيه، ما يعادل ١٦٪ من إجمالى الفوائد فى موازنة العام الماضى. وقد انعكس ذلك على زيادة المعروض من النقد فى القطاع المصرفى بقرابة ١٧ــ ١٨٪ سنويا فى الأعوام الأخيرة، مقارنة بمتوسط زيادة سنوى ٨ ــ١٠٪ قبل ٢٠١٢، مما أدى لارتفاع معدلات التضخم لتصل إلى ١٣٪ أخيرا متأثرة بارتفاع الدولار وزيادة أسعار الطاقة والتوسع فى طباعة النقد، على الرغم من أن التضخم المحسوس به فى الواقع قد يكون أكثر من ذلك.
لا يخفى المواطنون استياءهم من ارتفاع الأسعار لكن تجربة الكنافة بالمانجة أوضحت ردود أفعال متفاوتة. فالفئات ميسورة الحال من أصحاب الدخل المرتفع لم يعبأوا بذلك الارتفاع واستمروا فى شرائها من محلات الحلويات الفاخرة بعد أن أصبح ارتفاع سعرها سببا فى جعلها منتجا فاخرا يمكن التباهى به. لكن على الناحية الأخرى، تذمر البعض من ارتفاع الأسعار على مواقع التواصل الإجتماعى، وهم على الأرجح من أصحاب الدخول المتوسطة، بعد أن طالتهم موجات التضخم المتتالية حتى إن بعضهم نشر وصفات تحضير الكنافة بالمانجة فى المنازل، مؤكدين أن تكلفة تحضيرها أقل بكثير من سعرها فى محلات الحلويات الفاخرة.
بشكل استراتيجى، الفترة الأخيرة أظهرت عزم الدولة على تحفيز الاقتصاد بكل السبل الممكنة حتى لو جاء ذلك من خلال طباعة كميات كبيرة من النقد لرفع معدلات النمو وتمويل عجز الموازنة وهو ما يأتى على حساب ارتفاع الأسعار بشكل كبير وما ينتج عنه من آثار اقتصادية واجتماعية حرجة، حيث إن التضخم يقلل من القوة الشرائية الحقيقية للأفراد ويدفعهم لتقليل نفقاتهم تدريجيا وهو ما قد يتطور ليصبح شديد الخطورة لو استمرت السياسة الحالية. النمو هام لكن استقرار الأسعار بلا شك أهم وهو ما يتطلب إعادة النظر فى السياسة الاقتصادية الكلية لإحداث توازن بين دفع النمو وضبط الأسعار.
عمر الشنيطى
26 - يوليو - 2015
نُشر هذا المقال فى "جريدة الشروق وموقع CNN  بالعربية"

Saturday, July 11, 2015

فى ظلال أزمة اليونان

اتجهت أنظار العالم الأسبوع الماضى لليونان التى شهدت استفتاء على خطة التقشف الذى يطالب بها الدائنين بعد أن غرقت اليونان فى بحر من الديون وتعثرت المفاوضات بين الحكومة ومجموعة الدائنين. وكالمعتاد انقسم العالم لفريقين: الأول يؤيد وجهة نظر الدائنين بأن اليونان قد تمادت فى الإنفاق فى العقود الأخيرة وعليها أن تستمر فى التقشف الذى بدأته منذ سنوات، بينما ترى المجموعة المعارضة لطلبات الدائنين أن اليونان قد تقشفت بما يكفى وأن المزيد من التقشف سيزيد الوضع سوءا.
هذه المشكلة ليست وليدة اللحظة، ففى مطلع الثمانينيات كان الاقتصاد اليونانى فى وضع جيد من حيث حجم الديون لكن متوسط دخل الفرد كان منخفضا مقارنة بالعديد من الدول الاوروبية مما دفع الحكومات المتعاقبة فى الثمانينيات والتسعينيات إلى زيادة الإنفاق الاجتماعى، وهو ما جاء على حساب ارتفاع عجز الموازنة وزيادة الديون إلى أن انضمت اليونان للاتحاد الأوروبى فى مطلع الألفية. وعلى الرغم من عدم صلابة الوضع الاقتصادى لليونان فى تلك الفترة فإن الاعتقاد الذى ساد وقتها أن الانضمام لليورو سيساعد على تعافى الاقتصاد اليونانى.
كان للانضمام لليورو فوائد واضحه، حيث انخفض سعر الفائدة على الديون اليونانية وأقبل المستثمرون على إقراضها. ودفع ذلك حكومات اليونان للمزيد من الاقتراض الرخيص دون الشروع فى إجراءات اقتصادية تصحيحية. ويرجع ذلك إلى النمو الكبير الذى حققته اليونان خلال الفترة من ٢٠٠١ــ٢٠٠٨ والذى كان محط إعجاب العالم، حيث استشهد به القادة الأوروبيون كدليل على عبقرية فكرة اليورو كمنطقة اقتصادية وعملة موحدة، وبالتالى لم يكن هناك ضغط على اليونان لمعالجة مشاكلها الهيكلية.
ثم هبت عاصفة الأزمة المالية العالمية فى ٢٠٠٨ لتضرب الاقتصاد العالمى، وتجعل العديد من الدول ذات مستويات الديون المرتفعة مثل اليونان فى مهب الريح. وبدأ المستثمرون الذين كانوا يقبلون بشراهة على شراء الديون السيادية فى إعادة النظر فى مخاطر تلك القروض، وهو ما أدى إلى زيادة الفائدة على الديون اليونانية ودفع الاتحاد الأوروبى وصندوق النقد للتدخل سريعا لمساعدة اليونان للخروج من أزمتها منعا لانهيار باقى منطقة اليورو خاصة الاقتصاديات الأصغر فيها.
جاء تدخل الاتحاد الأوروبى وصندوق النقد مشروطا ببرنامج تقشفى قاسى لخفض النفقات والسيطرة على العجز. وانصاعت اليونان لتلك المطالب وحققت خفضا كبيرا فى نفقاتها وهو ما كان فى حقيقة الأمر محط إشادة المؤسسات الدولية. لكن هذا التقشف الصارم كان له أثر جانبيا لم يكن ملاحظا فى البداية، حيث أدى التقشف لانكماش كبير فى حجم الاقتصاد اليونانى، والذى فقد ثلث حجمه فى بضع سنوات وارتفعت فيه معدلات البطالة لمستويات قياسية بالنسبة لبلد أوروبى.
لكن عضوية الاتحاد الأوروبى لم تساعد اليونان هذه المرة، بل كبلتها إذ إن العملة الموحدة وضعت السياسية النقدية فى يد البنك المركزى الأوروبى. ففى الظروف العادية، كان البنك المركزى اليونانى سيخفض قيمة عملته لتشجيع الصادرات والسياحة. لكن مع وجود اليورو، أصبح ذلك غير ممكن مما أضاع على اليونان تلك فرصة. ولذلك أضحت اليونان فى مأزق، فعليها التقشف ماليا، بينما لا يمكنها التحكم فى سياستها النقدية لمعادلة ذلك.
وبعد عدة سنوات من التقشف، طالبت مجموعة الدائنين بالمزيد من التقشف، بينما رفضت الحكومة اليسارية المنتخبة أخيرا مطالب الدائنين معللة ذلك بأن التقشف على مدى الخمس سنوات الماضية لم ينهى المشكلة، فكيف لمزيد من التقشف أن يفعل ذلك. ومع احتدام الخلاف وتخلف اليونان عن سداد دفعة مستحقة لصندوق النقد الشهر الماضى فى سابقة لم يقابلها صندوق النقد مع أى من الدول المتقدمة من قبل، صوت اليونانيون برفض مطالب الدائنين بمزيد من التقشف.
نتيجة الاستفتاء كانت صادمة للدائنين ومؤيديهم بعد أن خوفوا الشعب اليونانى من رفض تلك المطالب وما قد ينتج عنه من ترك اليونان للاتحاد الأوروبى وانهيار الاقتصاد اليونانى. نتيجة الاستفتاء لن تغير المواقف كثيرا وعلى الأرجح لن تقرب من وجهات النظر المختلفة تماما تجاه تلك القضية. لكن بلا شك ما يحدث فى اليونان ليس بالأمر الهين أو المحصور محليا. فاليونان ستواجه فترة حرجة جدا اقتصاديا سيتعرض خلالها اقتصادها لضربات متعددة وأثر ذلك من المتوقع أن يمتد لمنطقة اليورو، وهو ما يمكن أن يكون له آثار متعدية على الدول النامية كمصر، والتى من المتوقع أن تتأثر على عدة أصعدة:
الأول: على الرغم من مزاعم بعض المحللين أن الاتحاد الأوروبى مستعد لأزمة اليونان ويستطيع منع انتشارها إلا أن البعض الآخر يرى أن أزمة اليونان قد تمتد للعديد من الدول الأوروبية الأخرى وستزيد من عمق الركود الذى ضرب أوروبا منذ ٢٠٠٨. ويعتبر هؤلاء أن أزمة اليونان قد تفتح الباب لأزمة اقتصادية جديدة كما حدث بعد انهيار بنك الاستثمار الأمريكى ليمان برازرز.
الثانى: الركود المتوقع استمراره فى أوروبا وتصاعد أزمة اليونان سيدفع البنك المركزى الأوروبى إلى التوسع فى سياسة التيسير الكمى بطباعة كمية أكبر من اليورو لشراء ديون الدول والبنوك الأوروبية، وهو ما سيؤدى إلى ضعف اليورو أمام العملات الأجنبية بما فيها الجنيه، حتى بعد التخفيض الذى يتبناه البنك المركزى المصرى للجنيه. الركود فى أوروبا وانخفاض قيمة اليورو بطبيعة الحال سيخفضان الطلب على الصادرات المصرية للسوق الأوروبية، الذى يعتبر الشريك التجارى الأكبر لمصر.
الثالث: تخلف اليونان عن سداد ديونها وتصاعد الأزمة فيها سيضع محاذير على الديون السيادية للدول النامية، وهو ما سيزيد من صعوبة حصول مصر على تمويل خارجى سواء من المؤسسات الدولية أو من الأسواق المالية ويزيد كذلك من الشروط المفروضة، كما أن أسعار الفائدة على ديون تلك الدول ستشهد ارتفاعا فى الفترة المقبلة.
إن أزمة اليونان بلا شك حدث جلل فى الاقتصاد العالمى قد يصعب التنبؤ بآثارها المتعدية الآن لكن أثرها السلبى على الاقتصاد المصرى قد يلوح فى الأفق مع زيادة علامات الاستفهام حول الديون السيادية للدول النامية والهشة اقتصاديا فى وقت تسعى فيه مصر للتوسع فى الاقتراض الخارجى وزيادة صادراتها.
عمر الشنيطى
11 - يوليو - 2015
نُشر هذا المقال فى "جريدة الشروق"