Saturday, May 31, 2014

التوازن بين النمو وتوزيع الدخل

سبق أن تناولت فى المقال السابق أن المساواة فى توزيع الدخل لم تعد مطلبا لليسار وحده حيث إنها أصبحت مطلبا عاما وذلك بعد الأزمة المالية العالمية وما أعقبها من تشكيك فى النظام الاقتصادى الحالى، الأمر الذى دفع مؤسسات مثل صندوق النقد الدولى للحديث عن الحاجة لإعادة النظر فى توزيع الدخل بشكل عادل بعد أن أدركت أن عدم المساواة المبالغ فيها لا يمثل فقط تحديا اجتماعيا وسياسيا بل أيضا تحديا اقتصاديا يعيق جهود التنمية المستديمة. كما أوضحت العديد من الدراسات أن إعادة توزيع الدخل ليس لها بالضرورة أثرا سلبيا كليا على الاقتصاد حيث إن الأثر السلبى على الأغنياء يعوضه التحسن فى وضع محدودى الدخل.

وبعد مرور ثلاث سنوات على الثورة المصرية، ازداد الغنى غنى والفقير فقرا. ومع تقشف الحكومة الحالى، فإن الركود التضخمى أصبح لا مفر منه مما سيكون له بالغ الأثر على الفئات الأكثر فقرا فى ظل غياب شبكة أمان اجتماعى متكاملة. ويأتى هذا المقال كتلخيص للدروس المستفادة من الدراسات العالمية فى مجال إعادة توزيع الدخل والإشارة للسياسات التى يمكن انتهاجها فى المرحلة القادمة من أجل تبنّى أجندة اقتصادية متوازنة تتمحور حول نمو اقتصادى موجه يصاحبه توزيع فعال للدخل. فالتركيز على النمو وحده سيؤدى إلى زيادة الفجوة فى توزيع الدخل وتعميق الفقر فى المجتمع، بينما التركيز على توزيع الدخل وحده سيكبل قدرة الاقتصاد على النمو.

فعلى صعيد النمو، دائما ما يتم تسليط الضوء على إجمالى النمو بدون النظر إلى مكونات ذلك النمو ومدى استدامته وأثره على مستويات التوظيف. لذلك فإن تنبى نمو موجه سيؤدى إلى نمو مستديم ومتوائم مع السياسة التقشفية وقد يشمل عدة سياسات رئيسية:
أولا: تبنى سياسة تحفيزية للقطاعات ذات القيمة المضافة وشديدة الاعتماد على الأيدى العاملة فى صورة دعم مالى للصادرات أو حوافز ضريبية أو حوافز تمويلية. فالسياسة التقشفية لا يجب أن تشمل كل القطاعات الاقتصادية.
ثانيا: الحد من مزاحمة الحكومة والمؤسسة العسكرية للقطاع الخاص وإتاحة المجال للقطاع الخاص لتحريك عجلة الاقتصاد حتى لا يصاب بركود مزمن.
ثالثا: توجيه الاستثمار الأجنبى للقطاعات ذات القيمة المضافة والبعد عن الاستثمار العقارى والتجارة فى الأراضى التى لا تضيف قيمة كبيرة للاقتصاد.
رابعا: إعادة هيكلة شركات قطاع الأعمال من أجل الحفاظ على فرص العمل وتوفير المزيد منها وكذلك ضبط الأسعار فى الأسواق.
خامسا: ربط الدعم المقدم للأسر باستكمال أولادهم للتعليم أو المتابعة الصحية لضمان حصولهم على الفرص المناسبة للنمو والترقى فى المجتمع.
وتهدف هذه السياسات المقترحة لضمان التركيز على تنمية القطاعات ذات الأثر الإيجابى والمستدام اقتصاديا وإجتماعيا فى ظل الوضع الاقتصادى الحرج .

أما على صعيد توزيع الدخل، فإن توسيع القاعدة الضريبية واستخدام الضرائب كأداة لتوجيه النشاط الاقتصادى ــ من استهلاك واستثمار- وليس فقط كمصدر للإيرادات الحكومية تعد من الأهداف الرئيسية التى يجب تبنيها فى هذا الصدد وقد يشمل ذلك عدة سياسات رئيسية:
أولا: رفع الحد الأدنى للأجور إلى مستوى ٧٠ ـ ٨٠٪ من متوسط الدخل الحقيقى مما سيؤدى إلى مساعدة الطبقات محدودة الدخل على تحمل تبعات المرحلة القادمة. ويجب تطبيق ذلك على القطاع العام والخاص بالتنسيق مع النقابات المختلفة.
ثانيا: تبنى ضريبة تصاعدية على الدخل تشمل ضريبة منخفضة على مستويات الدخل المنخفضة بينما ضريبة أكثر ارتفاعا من المستوى الحالى على مستويات الدخل المرتفعة.
ثالثا: تطبيق الضريبة العقارية وتوسيع نطاقها لتشمل الأراضى المجمدة وغير المستغلة مما يؤدى إلى محاربة ظاهرة تجميد الأراضى ويعمل على تحريك سوق العقارات والإنشاءات.
رابعا: إعادة هيكلة الضريبة على أرباح الشركات ليتفاوت مستواها بناء على نوعية القطاع مما يؤدى إلى تحفيز القطاعات ذات القيمة المضافة والأولوية الكبيرة للاقتصاد.
خامسا: توسيع تطبيق الضريبة على الأرباح الرأسمالية لتشمل الاستثمارات المالية وقد يتفاوت مستوى الضريبة بناء على طبيعة القطاع ومساهمته فى الاقتصاد.
سادسا: تطبيق ضريبة على الميراث تشمل حدا مرتفعا للإعفاء حيث يتم تطبيق الضريبة على مستويات المواريث شديدة الارتفاع وعلى أن تكون الضريبة المطبقة فى البداية منخفضة.
سابعا: توجيه ضريبة الاستهلاك ــ سواء كانت فى صورة ضريبة مبيعات أو ضريبة قيمة مضافة ــ لتتفاوت طبقا لطبيعة المنتج ومستوى الاستهلاك لتوجيه نمط الاستهلاك.
ثامنا: توسيع القاعدة الضريبية بالعمل على ضم القطاع غير الرسمى فى الحصيلة الضريبية وعلى أن يبدأ ذلك بضرائب منخفضة للقطاعات حديثة الضم.
تاسعا: محاربة التهرب الضريبى بالتنسيق مع البنوك وفرض غرامات مرتفعة على المتهربين ضريبيا.
عاشرا: العمل على إيجاد نظام لرصد وتحليل ونشر بيانات الحصيلة الضريبية وطريقة صرفها على الخدمات المختلفة بشفافية لبث الثقة فى نفوس المواطنين وربط الضريبة المحصلة بالخدمات المقدمة.

وتعتبر النقاط السابقة تلخيصا للدروس المستفادة من الدراسات العالمية فى صدد إعادة توزيع الدخل يمكن تبنيها كأجندة من السياسة المالية فى المرحلة القادمة وتطبيقها على سنوات عديدة للعمل على توزيع الدخل بشكل فعال بالتوازى مع نمو موجه ومستدام.
الخلاصة أن الأجندة الاقتصادية المثلى فى الفترة القادمة يجب أن تتمحور حول تبنى سياسة نمو اقتصادى موجه يصاحبها سياسة توزيع فعال للدخل لتحقيق نمو اقتصادى عادل ومستدام.

عمر الشنيطى
31 - مايو - 2014
نُشر هذا المقال فى "جريدة الشروق"

Saturday, May 17, 2014

المساواة فى توزيع الدخل لم تعد فقط مطلبًا لليسار

لعقود طويلة ظلت المساواة فى توزيع الدخل مطلب التيار اليسارى، بينما كان التيار اليمينى يسخر من مثل هذه المطالب. لكن برز مؤخرا اتجاه عالمى يعترض على التفاوت فى توزيع الدخل، ويعتبر عدم المساواة المبالغ فيها ليست فقط تحديا اجتماعيا وسياسيا بل أيضا تحديا اقتصاديا. واللافت للنظر أن هذا الاتجاه يعتبر ظاهرة عالمية تدعمها مؤسسات كبيرة أبعد ما تكون عن اليسار مما جعل المساواة فى توزيع الدخل مطلبا عاما لا يقتصر على تيار بعينه.

وهذا التغير يمكن إرجاعه لعدة أسباب: السبب الأول يعود للأزمة المالية العالمية والتى شككت فى النظام الاقتصادى السائد وعدم عدالته حيث تدخلت الحكومات باستخدام أموال دافعى الضرائب لإنقاذ القطاع المالى مما أدى إلى ظهور حركة «احتلال وال ستريت» المعترضة على القطاع المالى وحوافز مديرى البنوك.

أما السبب الثانى فيرجع إلى العديد من تقارير صندوق النقد الدولى والتى أكدت أن الفجوة الكبيرة فى توزيع الدخل تعتبر عائقا حقيقيا لجهود التنمية المستدامة عالميا. وعلى الرغم من كون المساواة المبالغ فيها غير محبذة حيث إنها تزيل الحافز على العمل والإبداع، فإن عدم المساواة المبالغ فيها غير مقبولة أيضا حيث أنها تعيق التنمية وتمنع الفقراء من الحصول على الموارد المطلوبة لتحسين أحوالهم. وكما أوضحت التقارير أن إعادة توزيع الدخل بتوسيع القاعدة الضريبية ورفع الضرائب ليس لها بالضرورة أثرا سليبا كليا حيث إن الأثر السلبى على الأغنياء يعوضه التحسن فى وضع محدودى الدخل.

أما السبب الثالث فيتعلق بتقارير نشرتها مؤسسات دولية حيث أصدرت مؤسسة «أوكسفام» البريطانية تقريرا يوضح غياب ثقة الأفراد فى عدالة النظام الاقتصادى حيث يسيطر ١٪ من السكان على نصف الثروة عالميا، كما أن النصف الأقل دخلا من السكان يملكون ثروة تساوى ما يملكه أغنى ٨٥ شخصا فقط فى العالم. كما أشار عدد من المقالات فى مجلات مثل الإيكونومست إلى نفس الأمر وطالبت الحكومات باتخاذ إجراءات حاسمة لإعادة توزيع الدخل. بينما يأتى السبب الرابع متعلقا بكتاب «رأس المال فى القرن الواحد والعشرين» والذى يوضح أن نسبة العائد على رأس المال أعلى من نسبة نمو الاقتصاد مما يجعل الثروة الموروثة تتراكم بشكل أكبر من الثروة التى يحصلها الفرد من عمله. ولذلك يتطلب التغلب على عدم المساواة فى توزيع الدخل إجراءات راديكالية مثل الضريبة على الثروة والميراث.

وقد أطاحت التطورات الأخيرة بعدة ثوابت اقتصادية، فالنظرية تقول إن اقتصاد السوق قادر على خلق فرص العمل وتحسين دخل الأفراد، لكن الواقع أثبت أن الاقتصاد العالمى قد مر بتقلبات شديدة ومتتالية كان لها أثر سيئا على مستويات التوظيف وأدت إلى انخفاض مرتبات الموظفين والعمال كنسبة من الناتج المحلى العالمى فى العقود الأخيرة. كما تقول النظرية أن مرحلة التصنيع يصاحبها زيادة فى عدم المساواة فى البداية لكن سريعا ما تتقلص الفجوة ويجنى محدودى الدخل ثمار التنمية، لكن الواقع أثبت أن الفجوة فى توزيع الدخل قد اتسعت حيث إن أغنى ١٪ من السكان فى أمريكا تضاعف دخلهم فى العقود الثلاثة الأخيرة كنسبة من إجمالى الدخل ولا يقتصر ذلك على أمريكا وحدها. بالإضافة لذلك تقول النظرية أن الأغنياء هم من يتحملون العبء الأكبر للركود الاقتصادى، لكن الواقع أثبت أنه بعد الأزمة المالية العالمية حصل أغنى ١٪ من السكان فى أمريكا على ٩٥٪ من مكاسب تعافى الاقتصاد، كما أن أفقر ١٠٪ من السكان فى اليونان كانوا أكثر الفئات تأثرا بالإجراءات التقشفية التى انتهجتها الحكومة للتعافى. وهذا التباين الشديد بين النظرية والتطبيق دفع الكثيرون من داخل النظام الاقتصادى الحالى للمطالبة بتدخل الحكومات بشكل أكبر لتقليص الفجوة فى توزيع الدخل بعد أن عجز النظام الاقتصادى عن فعل ذلك بشكل تلقائى.

إن هذه التغيرات تعنى الكثير لمصر التى قامت فيها ثورة يأتى على رأس مطالبها العيش والعدالة الاجتماعية حيث لم ينعم محدودو الدخل بثمار النمو الاقتصادى فى السنوات التى سبقت الثورة، بل إن محدودى الدخل هم أكثر الفئات التى دفعت ثمن الركود الذى أعقب الثورة فزادت معدلات البطالة والفقر بشكل كبير بينما لم تتأثر ثروات رجال الأعمال الكبار فى مصر. والآن نستشرف حقبة من الركود التضخمى نتيجة إجراءات الحكومة التقشفية لتقليص عجز الموازنة مما سيكون له بالغ الأثر على الفئات الأكثر فقرا فى ظل غياب شبكة ضمان اجتماعى تحمى الفقراء من العاصفة القادمة. وإذا كان التوجه عالميا هو إعادة توزيع الدخل، فإنه من الأحرى أن يكون ذلك هو التوجه فى مصر فى ظل الوضع الصعب للفئات الأكثر فقرا والتى ستزداد فقرا مع إجراءات الحكومة التقشفية.

الخلاصة أن المساواة فى توزيع الدخل لم تعد مطلبا للتيار اليسارى فقط بل أصبحت مطلبا عاما حتى من داخل التيار اليمينى بعد الأزمة المالية العالمية وما فعلته من تشكيك فى النظام الاقتصادى الحالى وهو ما دفع مؤسسات مثل صندوق النقد الدولى للحديث عن الحاجة لانتهاج سياسات لإعادة توزيع الدخل بشكل عادل بعد أن أدركت أن عدم المساواة المبالغ فيها فى توزيع الدخل لا تمثل فقط تحديا اجتماعيا وسياسيا بل أيضا تحديا اقتصاديا يعيق جهود التنمية المستدامة عالميا. ولهذا التوجه مردود كبير على مصر والتى قامت بها ثورة تطالب بالعدالة الاجتماعية لتحسين أحوال محدودى الدخل، لكن للأسف ساءت أحوالهم منذ الثورة ومن المتوقع أن تزداد سوءا فى الفترة المقبلة مع إجراءات الحكومة التقشفية مما يجعل من الضرورى تبنى قضية المساواة فى توزيع الدخل كمطلب عام لا يقتصر على تيار بعينه.


عمر الشنيطى
17 - مايو - 2014
نُشر هذا المقال فى "جريدة الشروق"

Saturday, May 3, 2014

التصدير هو الحل

الوضع الاقتصادى فى مصر معقد وحرج، لا يعنى ذلك أن الاقتصاد يترنح لكن لا يعنى أيضا أنه سيشهد أزهى عصوره فى المستقبل القريب. من الناحية الكلية، بات تخفيض الجنيه مسألة وقت بسبب عدم التوازن بين مصادر ومصارف الدولار بعد أن تراجعت الاستثمارات الأجنبية وعائدات السياحة وكذلك عدم استدامة المساعدات الخليجية. على صعيد آخر، ستؤدى إجراءات الحكومة التقشفية لخفض عجز الموازنة إلى الدخول فى ركود سيصاحبه تضخما لا مفر منه بسبب رفع جزء من الدعم وانخفاض قيمة الجنيه المصرى. لذلك من المتوقع أن يشهد المستقبل القريب حالة من الركود التضخمى، يتراجع فيه النشاط الاقتصادى بصورة أكبر من الوضع الحالى فترتفع البطالة بينما تزيد الأسعار بشكل مضطرب. على الرغم من ذلك، هناك جانب مشرق حيث إن ذلك الوضع سيوفر حافزا للتصدير بسبب انخفاض الجنيه وبالتالى انخفاض سعر المنتجات المصرية بالدولار فى السوق العالمية وزيادة الطلب عليها مما يجعل التصدير فى الفترة القادمة هو المخرج.

على المستوى الجزئى، ستواجه الشركات تراجعا فى مستوى الطلب المحلى على السلع والخدمات بسبب الركود المتوقع وكذلك التضخم الكبير الذى سيقلل من قيمة الدخل الحقيقى للأفراد ومن ثم يقلل من قوتهم الشرائية. لذلك على الشركات التوجه للأسواق الخارجية التى تتمتع بمستوى طلب أقوى إلى جانب العمل على زيادة الصادرات قبل الشروع فى تأسيس شركات فى الخارج. وسيساعد انخفاض الجنيه إلى انخفاض سعر المنتج النهائى بالدولار ومن ثم زيادة الطلب عليه فى الأسواق العالمية. كما أن الركود المحلى وارتفاع البطالة سيؤدى إلى توافر الموارد البشرية المدربة وذات الكفائة الجيدة بتكلفة مقبولة مما يدعم التصدير بشدة وعلى وجه الخصوص تصدير الخدمات التى تأتى على رأسها خدمات التعهيد (Outsourcing). لذلك على الشركات المحلية أن تعى الواقع الجديد وتعمل بسرعة على فتح أسواق خارجية لمنتجاتها من أجل الحفاظ على مستوى أرباحها.

وإذا نظرنا الى المؤشرات الكلية، نجد أن الصادرات المصرية قد بلغت حوالى ٢٠ مليار دولار فى العام المالى الماضى طبقا لبيانات البنك المركزى، موزعة بين مواد بترولية (٥٨٪) وكيماويات (١٣٪) وقطن ومنسوجات (١٠٪) ومنتجات معدنية (٨٪) وأغذية (٦٪) وغيرها (٥٪). وتعتبر أوروبا السوق الرئيسية للصادرات المصرية (٤٤٪( ثم الدول العربية (٢٠٪) وأمريكا (١٤٪). بجانب تصدير السلع، يأتى تصدير الخدمات والذى قطعت مصر فيه شوطا كبيرة قبل ثورة ٢٥ يناير بفضل توافر الموارد البشرية المدربة وقليلة التكلفة مقارنة بالعديد من دول العالم. من ناحية أخرى تستورد مصر ضعف ما تصدره حيث بلغت الواردات حوالى ٤٥ مليار دولار فى العام المالى الماضى، مما أدى إلى وجود عجز كبير فى الميزان التجارى) الفارق بين الصادرات والواردات) وهو ما يضغط على الجنيه.

كما أنه من المتوقع ان تواجة الحكومة ارتفاعا فى معدلات البطالة بسبب الركود وسيكون عليها خلق فرص عمل جديدة خارج نطاق الاقتصاد المحلى. وهذان السببان، عجز الميزان التجارى والبطالة، سيجعلان التوجه للتصدير من أولويات الحكومة. ودور الحكومة أكبر من القطاع الخاص فى تنشيط التصدير حيث أنها تمتلك العديد من الأدوات التى تستطيع من خلالها دعم الصادرات بشكل فعال. ومن الأولويات فى هذا الصدد تحديد قطاعات يتم التركيز عليها من خلال برامج الدعم ويفضل أن تكون قطاعات بها ميزة تنافسية للمنتج المصرى وكذلك تكون قطاعات كثيفة الاعتماد على العنصر البشرى مثل المنسوجات والتجميع وتعهيد الخدمات. بينما يجب البعد عن تحفيز القطاعات كثيفة الاستهلاك للطاقة التى تعانى مصر من نقصها مثل الأسمدة وغيرها.

وعلى الحكومة العمل على تحفيز التصدير من خلال برنامج يشمل خمسة مسارات رئيسية:
الأول: توفير الدعم المالى لتشجيع الشركات على التوسع فى النشاط التصديرى بناء على الأثر الإيجابى لدعم هذه القطاعات على الاقتصاد.
الثاني: توفير التسويق الدولى من أجل مساعدة هذه الشركات على اقتحام السوق العالمية والتواصل مع العملاء الأجانب وعادة ما يكون هذا الدعم فنيا وماليا.
الثالث: تفعيل وتعميق الاتفاقات التجارية التى تربط مصر بدول العالم المختلفة والتى تتيح للشركات تصدير منتجاتها وخدماتها بدون المعاناة التجارية والجمركية.
الرابع: تنشيط المناطق التجارية الحرة داخل مصر والتى تساعد على دفع الأنشطة التجميعية والتصنيعية بدون تحمل أعباء ضريبية وبيروقراطية كبيرة.
الخامس: عقد صفقات اقتصادية كبيرة بين الحكومة والدول الشقيقة مثل السعودية والإمارات تحصل بمقتضاها الشركات المصرية على عقود إستراتيجية يتم توظيف أعداد كبيرة من العمالة المصرية فيها. هذه المسارات وغيرها ستساهم فى زيادة الصادرات وخفض عجز الميزان التجارى وبالتالى تخفيض الضغط عن الجنيه. كما أنها ستساعد على خلق فرص عمل وإحداث رواج فى السوق المحلية.

الخلاصة أن الاقتصاد المصرى من المرجح أن يدخل فى حالة طويلة من الركود التضخمى مدفوعة بالإجراءات الحكومية التقشفية وتخفيض الجنيه. ومن المتوقع أن يؤدى ذلك إلى بطء فى النمو الاقتصادى وزيادة فى البطالة وارتفاع فى مستوى الأسعار وكذلك انخفاض فى مستوى ربحية الشركات المحلية مما يجعل المخرج من هذا الوضع الحرج هو التوجه للتصدير للاستفادة من الطلب الخارجى القوى على السلع والخدمات وكذلك انخفاض سعر المنتجات المصرية بالدولار وزيادة الطلب عليها عالميا نتيجة انخفاض الجنيه وأيضا توافر الموارد البشرية المدربة محليا بتكلفة منخفضة نسبيا وهو ما سيكون له أثر إيجابى على الشركات من حيث مستوى ربحيتها وكذلك على المستوى الكلى للاقتصاد من حيث زيادة الصادرات وخفض الضغط عن الجنيه وخفض معدلات البطالة. ولذلك على الشركات التوجه بقوة للتصدير وعلى الحكومة دعم ذلك التوجه من خلال برنامج متكامل وفعال تحت شعار «التصدير هو الحل».

عمر الشنيطى
3 - مايو - 2014
نُشر هذا المقال فى "جريدة الشروق"

Saturday, April 19, 2014

القطاع الخاص والقشة التى قصمت ظهر البعير

يتحمل القطاع الخاص فى النظم الرأسمالية مسئولية تحريك عجلة الاقتصاد بينما ينحصر دور الحكومة على توجيه النشاط الاقتصادى والرقابة عليه. ويشمل القطاع الخاص الشركات والمجموعات الاستثمارية العملاقة، كما يشمل الشركات المتوسطة والصغيرة بالإضافة إلى المستثمرين الأفراد.
وبشكل عام، كان القطاع الخاص على اختلاف مستوياته فى حالة من التناغم مع النظام قبل اندلاع ثورة ٢٥ يناير، حيث كان الوضع يتسم بالوضوح فيما يخص الأوزان النسبية للاعبين المختلفين، وما هو متاح لكل لاعب وما يستتبعه من أثر على ثروات القطاع الخاص.

جاءت ثورة ٢٥ يناير كصاعقة ليس فقط للنظام ولكن للقطاع الخاص أيضا. فالعديد، إن لم يكن أغلب، المجموعات الاستثمارية كانت على صلة وثيقة بالنظام الأسبق ولذلك بادر رموزها بالخروج من البلاد مخافة المسائلة القانونية ولم تتوقف الشائعات، التى يصعب إثبات صحتها، عن الثروات الطائلة التى تم تهريبها خارج البلد عقب اندلاع الثورة. على صعيد آخر، واجهت الشركات المتوسطة والصغيرة وضعا معقدا دفع بعضهم للدخول فى بيات شتوى حتى تتضح الصورة. ولم يختلف الحال كثيرا بالنسبة للمستثمرين الأفراد الذين فضلوا التراجع للحفاظ على ثرواتهم حتى تستقر الأوضاع. وقد أدى هذا التراجع إلى انخفاض معدلات النمو من مستوى ٥-٦٪ قبل الثورة إلى حوالى ٢٪ بالإضافة إلى زيادة تحويل المدخرات من الجنيه إلى الدولار. لذلك لم يساهم القطاع الخاص حقيقة فى دفع النمو فى هذه المرحلة.

مع وصول أول رئيس مدنى منتخب لسدة الحكم، كان الأمل كبيرا فى إرساء نظاما ديمقراطيا تصاحبه سوقا مفتوحة. لكن المجموعات العملاقة كانت لا تزال فى مرحلة استكشاف الواقع الجديد وبناء تحالفات مع النظام الجديد، بينما كانت الشركات المتوسطة والصغيرة على استعداد للحركة لكنها لا تستطيع أخذ زمام المبادرة. ومن ناحية أخرى كان المستثمرون الأفراد فى حالة من النشوة وهم يحلمون بالنهضة المرتقبة وهو ما عكسه صعود البورصة الكبير فى بداية حكم الرئيس السابق. لكن سرعان ما تبدلت الأوضاع وطغت الخلافات السياسية وسوء إدارتها على المشهد وبات واضحا أن الكثير من الوعود الانتخابية لا تعدو كونها أحلاما فعاد القطاع الخاص على اختلاف مستوياته للبيات الشتوى، ولذلك لم يساهم حقيقة فى دفع النمو فى هذه المرحلة أيضا.

ومع هذا التوتر، أنتظر القطاع الخاص التغيير الذى لم يتأخر كثيرا فجاء عزل الرئيس السابق فى ٣ يوليو ومعه خارطة طريق جديدة تعد بوضع اقتصادى أفضل وشرعت الحكومة الجديدة بتبنى سياسة اقتصادية توسعية ممولة من المساعدات الخليجية لتحفيز القطاع الخاص. لكن المجموعات العملاقة، والتى رحبت بالتغيير، لم تتحرك سريعا انتظارا منها لاتضاح الرؤية، وكذلك تأثرا بمزاحمة الحكومة والمؤسسة العسكرية للقطاع الخاص. وكما هو معتاد تظل الشركات المتوسطة والصغيرة فى انتظار من يأخد زمام المبادرة. أما المستثمرون الأفراد، فإن الأمل لديهم كبير لكن محفوف بالخوف من توقف المساعدات الخليجية وتدهور الجنيه. انعكس ذلك الوضع الضبابى على معدلات النمو، التى ظلت عند مستوى ٢٪ على الرغم من مليارات الدولارات التى تم ضخها فى الاقتصاد فى الأشهر الماضية.

وعلى الرغم من جهد الحكومات المتعاقبة وخاصة الأخيرة على تحفيز القطاع الخاص وتحريك الاقتصاد فإنها قد فشلت فى إزالة سبب القلق الأساسى وهو ضبابية الوضع السياسى وأثره المجتمعى والاقتصادى السيئ. لكن هذه المرحلة تبدو مختلفة عن المراحل الأخرى والتوجه المتحفظ للقطاع الخاص فى هذه المرحلة قد يكون نقطة فارقة فى دور القطاع الخاص والمساحة المتاحة له مستقبلا. فالنظام الجديد الذى سيكتمل بانتخاب الرئيس الجديد لا بد وأنه سيفكر فى ما قدمه القطاع الخاص للبلد فى المرحلة السابقة شديدة الحرج، ولن يكون مستغربا أن يصل هذا النظام لنتيجة أن القطاع الخاص لم يقدم كثيرا للبلد فى هذه الظروف الاستثنائية بل ظل يفكر فى مصلحته أولا.

سيزيد من حدة تلك الصورة الذهنية السياسة التحفيزية الكبيرة التى تبنتها الحكومة بعد ٣٠ يونيو ثم ما لبث النظام أن أفاق على صدمة هبوط البورصة بشكل غير متوقع بعد إعلان ترشح وزير الدفاع، والذى كان له أثر سيئ اضطر العديد من خبراء البورصة لاختلاق نظريات اقتصادية لتفسير ذلك بشكل دبلوماسى. ومما لا شك فيه أن هذا الحدث سيرسخ فى ذهن النظام الجديد عدم وطنية القطاع الخاص. واللطيف فى الأمر أن هذا النظام الجديد لديه بديل جاهز يستطيع دفع عجلة الاقتصاد بشكل سريع، وهذا البديل هو الجهاز الاقتصادى بالمؤسسة العسكرية والذى من المتوقع أن يلعب دورا أكبر فى الفترة المقبلة على حساب القطاع الخاص الذى سيتم، إن لم يكن تم بالفعل، وصمه بغير الوطنية.

الخلاصة أن الوضع السياسى المضطرب قد دفع القطاع الخاص للدخول فى حالة بيات شتوى منذ ثورة ٢٥ يناير مما أدى إلى عدم مساهمة القطاع الخاص بشكل حقيقى فى دفع النمو فى تلك الفترة العصيبة. وعلى الرغم من السياسية التحفيزية الكبيرة التى تبنتها الحكومة بعد ٣٠ يونيو فإن القطاع الخاص لم يتحرك كما كان متوقعا وأنتهى الأمر بهبوط البورصة بشكل غير متوقع عقب إعلان وزير الدفاع السابق ترشحه فيما يمكن اعتباره القشة التى قصمت ظهر البعير ووصمت القطاع الخاص بأنه غير وطنى وغير مستعد لتنحية مصلحته من أجل مصلحة البلد. وهذه الرؤية ستؤدى فى الأغلب إلى إضعاف دور القطاع الخاص فى الفترة المقلبلة على حساب دور أكبر للجهاز الاقتصادى للمؤسسة العسكرية. لكن يبقى السؤال: هل كان متوقعا من القطاع الخاص ألا يفكر فى مصلحته.. وهل ذلك التفكير ضد الوطنية؟


عمر الشنيطى
19 - أبريل - 2014
نُشر هذا المقال فى "جريدة الشروق"

Saturday, April 5, 2014

هل ستتم خصخصة الأصول العقارية العامة؟

إن تعريف مصطلح الخصخصة ــ الذى يعتبر شديد الجدل فى مجتمعنا ــ هو تحويل بعض المؤسسات العامة التى تعمل على تقديم خدمات اقتصادية واجتماعية لا ترتبط بالسياسة العليا للدولة من القطاع العام إلى القطاع الخاص. ويذكر أن أول تجربة للخصخصة كانت فى مدينة نيويورك فى القرن السابع عشر لكن الخصخصة لم تظهرعالميا بقوة إلا فى سبعينيات القرن الماضى. ولعل ما دفع بعض حكومات الدول الغربية إلى تبنى هذا النهج هو الرغبة فى خلق منافسة حقيقية فى السوق وتحسين الخدمات العامة المقدمة وخفض تكلفتها وفى نفس الوقت إعفاء الحكومة من تحمل مسئولية إدارة وخسائر هذه المؤسسات وكذلك توفير دخل سريع من بيع الأصول.

تبنت أمريكا توجها منفتحا لخصخصة العديد من الخدمات العامة قد تصل لخصخصة إدارة السجون وهو ما أدى إلى خلق منافسة حقيقية فى مجال تقديم الخدمات العامة ورفع جودتها وخفض تكلفتها. أما التجربة البريطانية فقد كانت أكثر اتساعا حيث شهد حكم مارجريت تاتشر موجة عارمة من الخصخصة شملت المطارات والمنازل والخدمات العامة فتم بيع ما يعادل ٤٠ مليار دولار من المنشآت الحكومية وتم إشراك المستثمرين الأفراد فى ذلك فزاد عدد مالكى الأسهم من ٢ مليون إلى ١٢ مليون فرد. ويرى البعض أنها كانت تجربة ناجحة أعادت بريطانيا للمنافسة العالمية، بينما يراها البعض كارثة سياسية وإجتماعية. وتأتى التجربة الروسية مخبية للآمال بسبب سوء الطرح والإدارة وعدم توفير المناخ الجيد لنقل آلاف المؤسسات للقطاع الخاص.

بدأ الكلام فى مصر عن الخصخصة فى منتصف السبعينيات لكنها كانت بطيئة حتى صدور قانون شركات قطاع الأعمال العام فى ١٩٩١. كان من المفترض أن تشمل الخصخصة المؤسسات الخاسرة فقط لكنها امتدت لما دون ذلك فتم بيع ٤٠٧ شركة فى الفترة بين ١٩٩١ وحتى ٢٠٠٩. ويرى البعض أن هذه الموجة من الخصخصة لم تكن عادلة حيث تم بيع العديد من الشركات بقيمة أقل من قيمة الأصول الثابتة المملوكة لها، كما أن هذه الموجة كان لها أثرا إجتماعيا سلبيا بسبب تسريح العمال من الشركات المباعة فى كثير من الأحوال.

لكن هناك موجة عالمية جديدة فى الخصخصة تتمحور حول بيع الأصول العقارية العامة من أراضى ومبانى حكومية غير مستغلة للقطاع الخاص. فالحكومة فى أغلب الدول تعتبر أكبر مالك عقارى وقد يكون بعض هذه الأصول لا يحسن استخدامها أو غير مستغلة على الإطلاق. ويقدر تقرير نشرته مجلة الإيكونومست فى ١١ يناير ٢٠١٤ أن الحكومة الفيدرالية فى الولايات المتحدة تمتلك قرابة مليون مبنى عقارى لا يتم إستغلال حوالى ٥٪ من هذه المبانى. ويشير التقرير أن هذه الظاهرة تمتد للعديد من دول منظمة التعاون الاقتصادى والتنمية حيث يقدر التقرير وجود أصول حكومية عقارية فيها بما يعادل ٩ تريليون دولار، أى ما يقارب خمس الناتج المحلى لهذه الدول.

وسيؤدى بيع الجزء غير المستغل من الأصول العقارية العامة أو تأجيرها لإيجاد مصدر سريع للدخل وتوفير نفقات الإدارة والصيانة على الحكومات. وتتميز هذه الموجة الجديدة من الخصخصة بسهولة تقييم المنشآت المباعة بناء على القيمة السوقية للعقارات. كما أن بيع الأصول العقارية لا تشوبه مشاكل إجتماعية بسبب عدم وجود عمال أو موظفين مرتبطين بهذه الأصول. بالإضافة لذلك يوفر بيع الأصول العقارية موارد مالية سريعة ستساهم بلا شك فى تمويل عجز الموازنة المتصاعد فى العديد من دول العالم.

بالنظر إلى مصر، نجد أن عجز الموازنة وصل إلى ١٣٫٨٪ من الناتج المحلى فى العام الماضى، بينما تعمل الحكومة فى العام الحالى على إحتواء عجز الموازنة فى محيط ١٠٪ من الناتج المحلى اعتمادا على المساعدة الخليجية. لكن القطاع الخاص لا يظهر مؤشرات كبيرة للتعافى ولذلك فإن حصيلة الضرائب لا يتوقع أن ترتفع، بينما تظل المصروفات الحكومية الأساسية من رواتب ودعم وخدمة دين فى ازدياد. ولذلك فإن عجز الموازنة من المتوقع أن يزداد فى السنوات القادمة. لكن على الناحية الأخرى، فإن خزائن الخليج المفتوحة لها نهاية والاقتراض المحلى له نهاية وكذلك خلق النقود عن طريق التيسير الكمى له نهاية، بينما عجز الموازنة لا نهاية له بدون إجراءات اقتصادية حاسمة لا يبدو أن هناك من يريد تبنيها.

ولذلك تحتاج الحكومة لحلول غير تقليدية تستطيع من خلالها توفير موارد مالية سريعة وبدون تكلفة سياسية وإجتماعية باهظة وهو ما يجعل فكرة خصخصة الأصول العقارية العامة بمثابة الحل السحرى لذلك خاصة مع إمتلاك الحكومة والمؤسسة العسكرية لكمية كبيرة من الأصول العقارية يمكن بيعها بشكل مباشر أو تأجيرها أو استخدامها للمشاركة مع القطاع الخاص فى مشروعات متنوعة. وبالتالى من المتوقع أن يكون ذلك النوع من الخصخصة فكرة براقة للحكومات القادمة لكن سيظل الأهم هو كيفية إدارة هذه العملية.

الخلاصة أن ظاهرة الخصخصة بدأت عالميا فى السبعينيات بنقل ملكية بعض المؤسسات العامة للقطاع الخاص وانتشرت فى مصر منذ التسعينيات بداعى تحسين الخدمات العامة المقدمة وتقليل تكلفتها وكذلك رفع العبء الإدارى والمالى عن كاهل الحكومات لكنها دائما ما تأتى على حساب التكلفة الإجتماعية. لكن ظهر مؤخرا موجة عالمية جديدة من الخصخصة تتمحور حول بيع الأصول العقارية العامة غير المستغلة للقطاع الخاص وهو ما قد يوفر تمويلًا سريعًا بدون حرج فى تقييم سعر البيع وبدون تكلفة إجتماعية كبيرة مما قد يجعل خصخصة الأصول العقارية أحد الحلول الجيدة التى قد تتبناها الحكومات القادمة فى مصر فى ضوء تصاعد عجز الموازنة ومحدودية مصادر التمويل، لكن سيظل من الضرورى إيجاد آلية فعالة وشفافة لذلك.


عمر الشنيطى
5 - أبريل - 2014
نُشر هذا المقال فى "جريدة الشروق"

Saturday, March 29, 2014

التوجه الاقتصادي .. كل حاجة وعكسها

قبل الدخول في تفاصيل الوضع الاقتصادي، يجب النظر للتوجه العام للاقتصاد حتى نستطيع تحليل هذا الوضع الاقتصادي والتنبوء بما هو آت. إن الرغبة في تحديد التوجه الاقتصادي لا تقتصر على الاقتصاديين بل تمتد للقطاع الخاص والمستثمرين وحتى عوام الناس. فقد يكون التوجه الاقتصادي يميني حيث يقوم القطاع الخاص بتحمل المسئولية الأكبر في تحريك الاقتصاد وخلق فرص العمل بينما يكون دور الحكومة هو التوجيه والرقابة. وقد يكون التوجه الاقتصادي يساري فتلعب الحكومة دورا أكبر في دفع عجلة الاقتصاد على حساب تراجع دور القطاع الخاص. لكن محاولة تحديد التوجه العام للاقتصاد في مصر تبدو أمرا بعيد المنال، حيث أن الشواهد المتاحة تعطي تصورا متضاربا.

فلو وضعت نفسك مكان القطاع الخاص ومجتمع الأعمال في مصر، ستجد أنه دائما يطلب منك أن تساهم في تحريك عجلة الاقتصاد وتحمل مخاطرة الاستثمار في مصر في هذه الفترة العصيبة مع الوعود الكبيرة أن الحكومة ستدعم عملك بتنفيذ خطة التحفيز الاقتصادي والتي ستحرك المياه الراكدة في البلد. لكن في نفس الوقت تجد أسعار الطاقة قد تضاعفت على مصنعك عدة مرات في السنوات الثلاثة الأخيرة وتجد أن الحديث لا يتوقف عن رفع مختلف أنواع الدعم عنك - مع العلم أن في رفعه تأثيرا إيجابيا على العدالة الاجتماعية -  إلا أنه يؤثر بشدة على ربحية الاستثمار. كما أنك تفاجأ بكثرة الحديث عن العهد الناصري وعن إستعادة أمجاده والتي كان منها القضاء على أمثالك بالضربة القاضية في هذا العهد السابق.

في خضم ذلك، تجد المؤسسة العسكرية تستحوذ على أغلب المشروعات الحكومية الكبيرة والتي كانت بمثابة طوق النجاة لشركتك وباقي القطاع الخاص وتتبدد أحلامك حينما تجد هذه المشروعات الكبيرة تتم بالشراكة مع شركات خليجية بدلا من شركات محلية. من الطبيعي أن هذه الشواهد المتضاربة تجعلك تشعر بالقلق حتى وإن كنت غير قادر على تحديد سبب قلقك. وبالتالي تجد أن هذا التضارب يثنيك عن الاستثمار في مصر في هذه المرحلة ويدفعك لتجميد أموالك والجلوس لمشاهدة ما سيحدث.
أما لو وضعت نفسك مكان عوام الناس وخاصة الفئات الأكثر فقرا في المجتمع، ستجد أنه يطلب منك عدم التظاهر لرفع أجرك وتحسين وضعك السيء بالأساس.

والذي تدهور بشدة في السنوات الثلاثة الأخيرة. كما ستجد أنه يطلب منك تحمل الفترة القادمة الحرجة لكن من الناحية الأخرى يتم وعدك بإعادة أمجاد عصر عبد الناصر من حيث العدالة الإجتماعية. وبين هذا وذاك، تسمع عن مشروعات بالمليارات تحصل عليها  المؤسسة العسكرية ويتحدث حولك الكثيريون عن علامات إستفهام كبيرة حول هذه الصفقات. بينما يزيد إحباطك عند السماع عن ثروات رجال الأعمال الطائلة والتي ما زادتها السنوات الثلاثة الأخيرة إلا تراكما وبالتالي تجد أن هذا التضارب يحبطك ويجعلك غير مستعد للتنازل عن حقوقك الضائعة.

أما لو وضعت نفسك مكان الجهات السيادية في الدولة، ستجد أن الحكومة مكبلة وتحت ضغط كبير يثني أي وزير عن إتخاذ قرارات حقيقية خوفا من المسائلة والهجوم الإعلامي. بينما تجد أن المؤسسة الوحيدة القادرة على تخطي المسائلة والنقد هي المؤسسة العسكرية. لذلك إذا كنت ممن يريد خدمة البلد من خلال العمل الحكومي ويعرض عليك ذلك، فإنك لو صحت نيتك في خدمة البلد ستجد أنه لا محالة من الإعتذار لأن البلد أصبحت في وضع حرج والحكومة مكبلة في مواجهة ذلك ولذلك لن تتبقى غير المؤسسة العسكرية لدفع عجلة الاقتصاد حتى وإن أدى ذلك الى قتل القطاع الخاص بالتصوير البطيء.

الخلاصة أنه يوجد حجم كبير من التضارب في الشواهد التي يستقبلها اللاعبين الأساسين في الاقتصاد مما يؤدي إلى ضبابية شديدة في التوجه الاقتصادي سواء كان توجها يمينيا أم يساريا، لكنه في الواقع يبدو توجها مشوها وضبابيا تسيطر فيه المؤسسة العسكرية على مقاليد الاقتصاد بعد أن تجمد دور الحكومة وتراجع القطاع الخاص عن لعب دوره تحسبا لما هو آت. بينما لا تجد الفئات الأكثر فقرا في المجتمع سوى الاستمرار في الإحتجاج على تدهور وضعها والمطالبة بالحد الأدنى من حقوقها. وتظل الأولوية هي تحديد التوجه الاقتصادي للفترة القادمة بدلا من تفشي الشواهد المتضاربة.


عمر الشنيطي
29 – مارس - 2014
نُشر هذا المقال على موقع "مصر العربية"

Saturday, March 22, 2014

عن مزاحمة الحكومة والمؤسسة العسكرية للقطاع الخاص

إن الافتراض الرئيسى فى النظم الرأسمالية أن القطاع الخاص هو المسئول عن تحريك عجلة الاقتصاد وخلق فرص العمل، بينما يظل دور الحكومة هو توجيه الاقتصاد استراتيجيا والرقابة على ممارسات هذا القطاع لحفظ الحقوق وحماية الفئات الأكثر فقرا من تغول الشركات الكبيرة. وبناء على هذا التصور، لا تنخرط الحكومة والجهات السيادية فى عملية الإنتاج إلا فى أضيق الحدود حتى تفسح المجال للقطاع الخاص. وقد يكون التطبيق مغايرا للنظرية فتلعب الحكومة فى بعض الأحوال دورا كبيرا فى عملية الإنتاج لأسباب مرحلية. لكن قد يطول هذا النهج ليزاحم القطاع الخاص فيضره بشدة ويؤثر على الاقتصاد الكلى وفرص التوظيف بشكل كبير.

إذا نظرنا لحال القطاع الخاص فى مصر فى السنوات الأخيرة، نجد أنه عانى بشدة من تردى الوضع السياسى والأمنى فى أعقاب ثورة ٢٥ يناير مما انعكس بوضوح على تدهور الوضع الاقتصادى. لكن معاناة القطاع الخاص لم تتوقف عند التدهور السياسى والاقتصادى وضبابية الوضع العام، بل إنها امتدت لتشمل صورة مركبة من المزاحمة يواجهها القطاع الخاص من مؤسسات الدولة السيادية والتى كان من المفترض أن تساعد هذا القطاع على التعافى، لكنها فى الواقع أصبحت أكثر الجهات التى تنافسه وتهدده وهو ما يحدث على مستويين رئيسيين من قبل الحكومة والمؤسسة العسكرية.

المستوى الأول يتعلق بمزاحمة الحكومة للقطاع الخاص فيما يخص الحصول على التمويل من البنوك المحلية. فمنذ ثورة ٢٥ يناير، تفاقمت مصروفات الحكومة فى بنود الرواتب والدعم وخدمة الدين بينما لم تزد إيرادات الحكومة بشكل مناسب مما أدى إلى زيادة عجز الموازنة والتى كان على الحكومة تمويله فى الأساس من خلال الاقتراض المحلى. وهذا الاقتراض المحلى يوجه جزءا كبيرا من سيولة البنوك المحلية لتمويل عجز الموازنة المتصاعد وبالتالى يقلل من السيولة المتاحة لتمويل القطاع الخاص. كما أن ارتفاع سعر الفائدة على السندات الحكومية جعل تمويل الحكومة من خلال شراء السندات الحكومية أكثر إغراء للبنوك المحلية.
أدت هذه المزاحمة من قبل الحكومة إلى ارتفاع تكفلة الإقراض وقلة السيولة المتاحة لتمويل القطاع الخاص مما أثر سلبا على قدرة القطاع الخاص على الاقتراض وبالتالى أثر سلبا على خطط الاستثمار والتوسع فى هذا القطاع وبطبيعة الحال قدرته المستقبلية على خلق فرص العمل. وهذا النوع من المزاحمة ليست جديدة على مصر ويرى البعض أنه كان لا مفر منها فى ضوء زيادة عجز الموازنة وضعف مصادر التمويل الخارجية بعد الثورة، لكن مما لا شك فيه أن استمرار هذا التوجه لعدة سنوات يسبب مزاحمة شديدة تسبب ضررا كبيرا لهذا القطاع قد يأخذ عدة سنوات حتى يتم التغلب عليه.

أما المستوى الثانى فيتعلق بمزاحمة المؤسسة العسكرية للقطاع الخاص فيما يخص الحصول على عقود تنفيذ المشروعات الحكومية الكبرى وهو نوع جديد من المزاحمة لم يكن القطاع الخاص يواجهه بهذه الشراسة. فعلى الرغم من لعب المؤسسة العسكرية دورا بارزا فى النشاط الاقتصادى لعقود فإن هذا الدور كان يتم بشكل سلس قد لا يشعر به أغلب الناس ولا يمثل منافسة حقيقية مع القطاع الخاص، لكن دور المؤسسة العسكرية الاقتصادى قد تزايد بشدة بعد ثورة ٢٥ يناير وبرز بشكل أكبر بعد ٣٠ يونيو ليصبح المحور الأهم والأكثر تأثيرا فى الاقتصاد والذى يشمل قطاعات متنوعة مثل البناء والطرق والنقل وغيرها.

فالقطاع الخاص ظل يعانى من وضع صعب لمدة عامين ونصف وكان يأمل أن التوجه التوسعى بعد ٣٠ يونيو سيكون طوق النجاة بعد أن استنفد أغلب موارده فى صراع البقاء بعد الثورة، لكن الواقع أتى مغايرا فذهب الكثير إن لم يكن أغلب العقود الحكومية الكبيرة إلى المؤسسة العسكرية بالإسناد المباشر. كما أن المشروعات القومية الكبرى مثل بناء مليون وحدة سكنية لمحدودى الدخل تصدرتها المؤسسة العسكرية بدون إشراك القطاع الخاص. كما تبددت أحلام هذا القطاع فى الحصول على عقود مقاولات الباطن وتوريد مواد البناء إلا فى أضيق الحدود بعد الشراكة مع شركة خليجية تنوى استيراد أغلب مواد البناء اللازمة للمشروع من الخارج.

يرى البعض أن هذه المزاحمة لا مفر منها بسبب الحاجة لمؤسسة اقتصادية منضبطة تستطيع تنفيذ المشروعات العملاقة فى وقت قصير وبشكل فعال وكذلك بسبب ظاهرة الأيادى المرتعشة فى حكومات ما بعد الثورة والتى تفضل عدم الخوض فى متاهات المناقصات وما يستتبعها من مساءلة قانونية. بالإضافة لذلك، يتضح جليا رغبة الخليج فى الشراكة المباشرة مع المؤسسة العسكرية لضمان الحفاظ على استثماراتهم وسرعة تنفيذها. قد تكون هذه الأسباب منطقية لظاهرة المزاحمة على المدى القصير، لكنها لا تبرر التوغل فيها والذى سيقتل القطاع الخاص بالتصوير البطىء ويؤثر سلبا على قدرته على خلق فرص العمل وهو ما ينعكس فى النهاية على الفئات الأكثر فقرا فى المجتمع.

الخلاصة أن القطاع الخاص يتحمل مسئولية تحريك عجلة الاقتصاد وخلق فرص العمل فى النظم الرأسمالية بينما يقتصر دور الحكومة على التوجيه والرقابة. لكن يواجه القطاع الخاص فى مصر مؤخرا مزاحمة شديدة من قبل الحكومة فيما يخص الاقتراض المحلى والذى يحد من السيولة المتاحة لتمويل القطاع الخاص ويرفع تكلفة التمويل. كما يواجه القطاع الخاص أيضا مزاحمة متصاعدة من المؤسسة العسكرية فى الحصول على عقود تنفيذ المشروعات الحكومية الكبرى. وتؤدى هذه المزاحمة بنوعيها إلى الضغط بشدة على القطاع الخاص المنهك بالأساس مما يؤثر على استثماراته ونموه وبالتالى قدرته على خلق فرص العمل وهو ما ينعكس بشدة على الفئات الأكثر فقرا فيعم الضرر على أغلب طبقات المجتمع على السواء.


عمر الشنيطى
22 - مارس - 2014
نُشر هذا المقال فى "جريدة الشروق"