Saturday, April 5, 2014

هل ستتم خصخصة الأصول العقارية العامة؟

إن تعريف مصطلح الخصخصة ــ الذى يعتبر شديد الجدل فى مجتمعنا ــ هو تحويل بعض المؤسسات العامة التى تعمل على تقديم خدمات اقتصادية واجتماعية لا ترتبط بالسياسة العليا للدولة من القطاع العام إلى القطاع الخاص. ويذكر أن أول تجربة للخصخصة كانت فى مدينة نيويورك فى القرن السابع عشر لكن الخصخصة لم تظهرعالميا بقوة إلا فى سبعينيات القرن الماضى. ولعل ما دفع بعض حكومات الدول الغربية إلى تبنى هذا النهج هو الرغبة فى خلق منافسة حقيقية فى السوق وتحسين الخدمات العامة المقدمة وخفض تكلفتها وفى نفس الوقت إعفاء الحكومة من تحمل مسئولية إدارة وخسائر هذه المؤسسات وكذلك توفير دخل سريع من بيع الأصول.

تبنت أمريكا توجها منفتحا لخصخصة العديد من الخدمات العامة قد تصل لخصخصة إدارة السجون وهو ما أدى إلى خلق منافسة حقيقية فى مجال تقديم الخدمات العامة ورفع جودتها وخفض تكلفتها. أما التجربة البريطانية فقد كانت أكثر اتساعا حيث شهد حكم مارجريت تاتشر موجة عارمة من الخصخصة شملت المطارات والمنازل والخدمات العامة فتم بيع ما يعادل ٤٠ مليار دولار من المنشآت الحكومية وتم إشراك المستثمرين الأفراد فى ذلك فزاد عدد مالكى الأسهم من ٢ مليون إلى ١٢ مليون فرد. ويرى البعض أنها كانت تجربة ناجحة أعادت بريطانيا للمنافسة العالمية، بينما يراها البعض كارثة سياسية وإجتماعية. وتأتى التجربة الروسية مخبية للآمال بسبب سوء الطرح والإدارة وعدم توفير المناخ الجيد لنقل آلاف المؤسسات للقطاع الخاص.

بدأ الكلام فى مصر عن الخصخصة فى منتصف السبعينيات لكنها كانت بطيئة حتى صدور قانون شركات قطاع الأعمال العام فى ١٩٩١. كان من المفترض أن تشمل الخصخصة المؤسسات الخاسرة فقط لكنها امتدت لما دون ذلك فتم بيع ٤٠٧ شركة فى الفترة بين ١٩٩١ وحتى ٢٠٠٩. ويرى البعض أن هذه الموجة من الخصخصة لم تكن عادلة حيث تم بيع العديد من الشركات بقيمة أقل من قيمة الأصول الثابتة المملوكة لها، كما أن هذه الموجة كان لها أثرا إجتماعيا سلبيا بسبب تسريح العمال من الشركات المباعة فى كثير من الأحوال.

لكن هناك موجة عالمية جديدة فى الخصخصة تتمحور حول بيع الأصول العقارية العامة من أراضى ومبانى حكومية غير مستغلة للقطاع الخاص. فالحكومة فى أغلب الدول تعتبر أكبر مالك عقارى وقد يكون بعض هذه الأصول لا يحسن استخدامها أو غير مستغلة على الإطلاق. ويقدر تقرير نشرته مجلة الإيكونومست فى ١١ يناير ٢٠١٤ أن الحكومة الفيدرالية فى الولايات المتحدة تمتلك قرابة مليون مبنى عقارى لا يتم إستغلال حوالى ٥٪ من هذه المبانى. ويشير التقرير أن هذه الظاهرة تمتد للعديد من دول منظمة التعاون الاقتصادى والتنمية حيث يقدر التقرير وجود أصول حكومية عقارية فيها بما يعادل ٩ تريليون دولار، أى ما يقارب خمس الناتج المحلى لهذه الدول.

وسيؤدى بيع الجزء غير المستغل من الأصول العقارية العامة أو تأجيرها لإيجاد مصدر سريع للدخل وتوفير نفقات الإدارة والصيانة على الحكومات. وتتميز هذه الموجة الجديدة من الخصخصة بسهولة تقييم المنشآت المباعة بناء على القيمة السوقية للعقارات. كما أن بيع الأصول العقارية لا تشوبه مشاكل إجتماعية بسبب عدم وجود عمال أو موظفين مرتبطين بهذه الأصول. بالإضافة لذلك يوفر بيع الأصول العقارية موارد مالية سريعة ستساهم بلا شك فى تمويل عجز الموازنة المتصاعد فى العديد من دول العالم.

بالنظر إلى مصر، نجد أن عجز الموازنة وصل إلى ١٣٫٨٪ من الناتج المحلى فى العام الماضى، بينما تعمل الحكومة فى العام الحالى على إحتواء عجز الموازنة فى محيط ١٠٪ من الناتج المحلى اعتمادا على المساعدة الخليجية. لكن القطاع الخاص لا يظهر مؤشرات كبيرة للتعافى ولذلك فإن حصيلة الضرائب لا يتوقع أن ترتفع، بينما تظل المصروفات الحكومية الأساسية من رواتب ودعم وخدمة دين فى ازدياد. ولذلك فإن عجز الموازنة من المتوقع أن يزداد فى السنوات القادمة. لكن على الناحية الأخرى، فإن خزائن الخليج المفتوحة لها نهاية والاقتراض المحلى له نهاية وكذلك خلق النقود عن طريق التيسير الكمى له نهاية، بينما عجز الموازنة لا نهاية له بدون إجراءات اقتصادية حاسمة لا يبدو أن هناك من يريد تبنيها.

ولذلك تحتاج الحكومة لحلول غير تقليدية تستطيع من خلالها توفير موارد مالية سريعة وبدون تكلفة سياسية وإجتماعية باهظة وهو ما يجعل فكرة خصخصة الأصول العقارية العامة بمثابة الحل السحرى لذلك خاصة مع إمتلاك الحكومة والمؤسسة العسكرية لكمية كبيرة من الأصول العقارية يمكن بيعها بشكل مباشر أو تأجيرها أو استخدامها للمشاركة مع القطاع الخاص فى مشروعات متنوعة. وبالتالى من المتوقع أن يكون ذلك النوع من الخصخصة فكرة براقة للحكومات القادمة لكن سيظل الأهم هو كيفية إدارة هذه العملية.

الخلاصة أن ظاهرة الخصخصة بدأت عالميا فى السبعينيات بنقل ملكية بعض المؤسسات العامة للقطاع الخاص وانتشرت فى مصر منذ التسعينيات بداعى تحسين الخدمات العامة المقدمة وتقليل تكلفتها وكذلك رفع العبء الإدارى والمالى عن كاهل الحكومات لكنها دائما ما تأتى على حساب التكلفة الإجتماعية. لكن ظهر مؤخرا موجة عالمية جديدة من الخصخصة تتمحور حول بيع الأصول العقارية العامة غير المستغلة للقطاع الخاص وهو ما قد يوفر تمويلًا سريعًا بدون حرج فى تقييم سعر البيع وبدون تكلفة إجتماعية كبيرة مما قد يجعل خصخصة الأصول العقارية أحد الحلول الجيدة التى قد تتبناها الحكومات القادمة فى مصر فى ضوء تصاعد عجز الموازنة ومحدودية مصادر التمويل، لكن سيظل من الضرورى إيجاد آلية فعالة وشفافة لذلك.


عمر الشنيطى
5 - أبريل - 2014
نُشر هذا المقال فى "جريدة الشروق"

No comments:

Post a Comment