Sunday, January 13, 2013

شكرأً قطر .. وماذا بعد؟

فى ظل الوضع الاقتصادى الصعب الذى تمر به مصر، تتطلع مصر الى المؤسسات المالية العالمية والحلفاء الاستراتيجيين من دول المنطقة لمد يد العون لها للخروج من أزمتها الاقتصادية. وبالرغم من تقاعص الكثيرين عن المساعدة، نجد قطر تمنح مصر نصف مليار دولار الى جانب قرض بقيمة 2 مليار دولار كدفعة مساعدات أخرى فى وقت حرج تتردد فيه أنباء عن إفلاس الدولة وتوقع بإنهيار الجنية امام الدولار. لذلك قبل أن نبدأ فى التحليل لابد من ان نشكر قطر على هذه المساعدات فكما يقولون "الشكر واجب". وبعد تأدية الواجب، لزم علينا تحليل دوافع ونتائج هذه المساعدات.

هل هذه مساعدات اقتصادية عادية؟!
فى ظل هذا الجو الضبابى الذى يسود الاقتصاد المصرى والتوقعات السلبية للفترة المقبلة، فإذا حللنا الجدوى الاقتصادية التى تعود على قطر من وراء هذه القروض سنجد ان هذه القروض عالية المخاطرة ولا يجب تقديمها او على الاقل يجب تأجيلها حتى ينتهى صندوق النقد الدولى من مفاوضاته مع الحكومة المصرية. لذلك فالتعجيل بهذه القروض وكذلك إعطاء منح معها يشير الى ان هذه المساعدات سياسية بلاشك.

لكن لماذا تقدم قطر هذه المساعدات؟!
من يتابع اخبار قطر واستثماراتها ودورها السياسى مؤخراً يدرك ان قطر، الدولة الصغيرة قليلة السكان كثيرة الموارد، تطمح للعب دور سياسى كبير ليس فقط على المستوى الإقليمى بل وعلى المستوى الدولى. لكن دولة كقطر تحتاج الى شريك استراتيجى ذو ثقل حتى يساعدها على القيام بذلك، ولن تجد قطر خياراً افضل من مصر لعقد هذه الشراكة، لذلك فمثل هذه المساعدات فى هذا الوقت الحرج إنما يدل على رغبة حثيثة من الجانب القطرى لتوطيد هذه الشراكة.

هل لهذه المساعدات آثار إيجابية على الاقتصاد المصرى؟!
بالطبع نعم، فعلى الرغم من الطبيعة السياسية لهذه المساعدات، الا انها تخدم الاقتصاد فى ثلاثة أوجه رئيسية:
١- ضخ مبلغ اثنين ونصف مليار دولار فى البنك المركزى الآن يشكل دعماً استراتيجياً لاحتياطى النقد الاجنبى ويعطى البنك المركزى قدرة اكبر للسيطرة على سعر صرف الدولار.
٢- فى عام شديد الصعوبة على الحكومة، متوقع ان يتخطى عجز الميزانية فيه 200 مليار جنية، فإن هذه المساعدات ستساعد الحكومة على تغطية جزء من هذا العجز بطريقة اخرى غير الاقتراض من البنوك المحلية التى اصبحت مثقلة بتمويل عجز الحكومة.
٣- هذه المساعدات ستمنح الحكومة فرصة زمنية أطول بعض الشيئ للبدء بالاصلاحات الاقتصادية المطلوبة والتى ستثير الرأى العام وقد يصعب تطبيقها بسهولة كما حدث فى قرار رفع الضرائب.

لكن هل هناك سلبيات لهذه المساعدات؟!
للأسف نعم، ويمكن الاشارة الى ثلاثة سلبيات رئيسية:
١- هذه المساعدات بمثابة مسكن للألم يعطى للاقتصاد ليصمد لفترة من الوقت دون الحاجة للتعجيل بالإصلاحات. فمع اقتراب انتخابات مجلس النواب يكون من الصعب على الرئيس والحزب الحاكم التعجيل بمثل هذه النوعية من الاصلاحات الاقتصادية غير الشعبية.
٢- مسكن الألم يخفف الآلام حين تناوله ولكن يزول أثره وبعدها سيفاجأ الجميع بوضع أكثر صعوبة يحتاج الى إصلاحات أكثر قسوة.
٣- الدول الخليجية هى دول قبلية بطبيعتها، ولعل نظام الكفالة الخليجى يعكس فكر هذه الدول بشكل كبير. واستمرار الاعتماد على قطر يبنى جسوراً قوية معها ولكن على صعيد آخر يبنى حواجز مع باقى دول الخليج وعلى رأسهم السعودية والامارات تمنعهم من تقديم المساعدات لمصرففى عرف الخليج لا يجوز ان يكون لك اكثر من "كفيل".

ولذلك  إذا  نظرنا لهذه المساعدات، لا يسعنا الا ان نشكر قطر على الوقوف بجانب مصر فى هذه الأزمة ولكن لابد ان ندرك أن تسكين الألم سيكلف مصر الكثير عند بدء الاصلاحات الحقيقية.

عمر الشنيطي

١٣-يناير- ٢٠١٣
نُشر هذا المقال فى "جريدة الوطن"



No comments:

Post a Comment