Monday, February 22, 2016

جنون الدولار .. (س) و (ج)

الكل مشغول بقضية الدولار حتى أن سعر صرف الجنيه أصبح موضوعا عاما تتم إثارته في الجلسات الاجتماعية، ويتحدث عنه الجميع بصرف النظر عن مستوى تعليمهم، أو القطاع الذي يعملون به. ولعل السبب في ذلك هو إدراك الناس أن سعر الصرف له تأثيرات على أداء الاقتصاد، أبرزها ارتفاع أسعار السلع المختلفة مع كل موجة انخفاض للجنيه. ويطرح الناس عدة أسئلة عن قضية الدولار تسعى "أصوات مصرية" للإجابة عليها بشكل مبسط.
كيف يتم تحديد السعر الرسمي للجنيه؟
من المفترض أن سعر صرف الدولار مقابل الجنيه يتم تحديده في السوق بناء على عوامل العرض والطلب، مثل أي من السلع الأخرى، لكن بسبب حساسيته وأثر تغيره على أسعار السلع والخدمات يتدخل البنك المركزي في السوق لضمان عدم تحرك السعر بشكل كبير. فإذا زاد الطلب على الدولار، يستخدم البنك المركزي احتياطي النقد الأجنبي المتراكم لديه لسد الطلب وضمان عدم انخفاض قيمة الجنيه بشكل كبير، لتجنب موجة تضخمية كبيرة.
أما إذا انخفض الطلب على الدولار، فإن البنك المركزي يتدخل لشراء العملة الأجنبية من السوق وزيادة الاحتياطي منها، بما يضمن عدم ارتفاع الجنيه بشكل كبير، يترتب عليه ارتفاع أسعار الصادرات المصرية. وتسمى تلك السياسية "التعويم المدار"، وتهدف لوجود مساحة لارتفاع وانخفاض سعر الصرف بناء على عوامل العرض والطلب، لكن في إطار متوازن يمنع الاضطرابات الكبيرة.
ماذا يعني التعويم الكامل للجنيه؟ ما المقصود بالقيمة العادلة للعملة؟
التعويم الكامل للجنيه يقضي بأن يرفع البنك المركزي يده عن سعر الصرف ويترك تحديده للسوق، بناء على عوامل العرض والطلب، وهذا يعني أن سعر صرف الجنيه أمام الدولار قد يتذبذب ارتفاعا وانخفاضا بشكل كبير.
وسينتج عن ذلك تداول الجنيه بالقيمة العادلة له، وهي القيمة التي تحددها عوامل العرض والطلب في السوق، وليس بناء على ما يراه المركزي سعرا عادلا. وبناء على العديد من التحليلات، فإن السعر العادل للجنيه إذا ما ترك للعرض والطلب سيتخطى ٩ جنيهات للدولار.
لماذا خفض البنك المركزي الجنيه أكثر من مرة خلال العام الماضي؟
قبل ٢٠١١ كان هناك توازن بين ما يدخل الاقتصاد من عملة صعبة وما يخرج منه. فالفجوة المستدامة بين الواردات والصادرات تعوضها الاستثمارات الأجنبية وعائدات السياحة وتحويلات المصريين بالخارج.
وعندما اتسعت الفجوة بين الواردات والصادرات، في الفترة بين ٢٠١١ و٢٠١٥، وتراجعت الاستثمارات الأجنبية المباشرة والسياحة بعض الشيء، فإن المساعدات الخارجية، خاصة الدعم الخليجي السخي منذ منتصف ٢٠١٣ وحتى بداية ٢٠١٥، كانت كفيلة بسد تلك الفجوة. ولعل هذا ما ساعد البنك المركزي على الدفاع عن الجنيه خلال تلك الفترة.
 لكن ٢٠١٥ شهد تراجعا كبيرا في الدعم الخليجي بسبب انخفاض أسعار البترول العالمية، والذي أثر أيضا على تحويلات المصريين بالخارج، بينما لم تتدفق الاستثمارات الأجنبية كما كان متوقعا بعد مؤتمر شرم الشيخ الاقتصادي، بسبب الأوضاع السياسية والأمنية المضطربة.
وكذلك أثر تباطؤ نمو الاقتصاد العالمي سلبا على حركة التجارة العالمية وإيرادات قناة السويس. وبالإضافة لذلك، ضُربت السياحة في مقتل بعد سقوط الطائرة الروسية مما زاد من المخاوف بخصوص الأعمال الإرهابية.
كل هذه الأسباب أثرت على موارد الاقتصاد من الدولار، بينما ظلت الواردات في ازدياد مما عمّق من الفجوة بين ما يدخل الاقتصاد من عملة صعبة وما يخرج منه. ولم يستطع البنك المركزي معادلة تلك الفجوة بسبب انخفاض حجم الاحتياطي لديه، لذلك لجأ لتخفيض قيمة الجنيه أكثر من مرة خلال ٢٠١٥.
لماذا تعدى الدولار ٩ جنيهات في السوق السوداء؟
تخفيض الجنيه أكثر من مرة خلال ٢٠١٥ لم ينعكس بشكل إيجابي على زيادة موارد الاقتصاد من الدولار والعملات الصعبة، مما جعل الضغط على العملة المحلية يستمر ويتزايد.
فلم يشجع تخفيض الجنيه على زيادة الاستثمارات الأجنبية، لأن تراجعها لا يرتبط بقيمة العملة، وإنما يعود لأسباب سياسية وأمنية بالإضافة لتباطؤ النمو العالمي. 
كما أن تراجع السياحة ليس سببه أنها مرتفعة التكلفة ولكن نتيجة لمخاطر الإرهاب. أما الصادرات فتواجه أزمة تراجع الطلب العالمي نتيجة انخفاض النمو.
بينما تأثرت تحويلات المصريين بتراجع أسعار البترول والأزمة الاقتصادية في دول الخليج، التي يعمل بها الجزء الأكبر من المصريين بالخارج.
بالإضافة لتلك العوامل الخارجية، ساهمت بعض العوامل الداخلية في زيادة الضغط على الجنيه حيث أن سياسات البنك المركزي التي فرضت حدا أقصى لإيداع الدولار بالبنوك قد حولت مسئولية تدبير العملة من التجار إلى البنك المركزي، وأوصلت رسالة واضحة أن المركزي غير قادر على الدفاع عن الجنيه، مما زاد من المضاربة على الدولار وأثر على توافر العملة الصعبة المطلوبة لاستيراد السلع المختلفة، ومنها الكثير من السلع الأساسية.
وساهمت المضاربات في رفع سعر الدولار أمام الجنيه مؤخرا في السوق الموازية، خاصة بعد الأنباء التي تم تداولها عن تقدير الحكومة أن يكون السعر الرسمي للدولار ٨٫٢٥ جنيه في موازنة السنة المالية الجديدة، مقابل 7.73 جنيه حاليا.
 - هل لابد فعلا من تخفيض الجنيه.. وهل يستفيد الاقتصاد المصري؟
وجود فجوة تزيد على ١٥٪ بين السعر الرسمي والسعر الموازي للجنيه أمام الدولار وضع يصعب استمراره، وفي الأغلب سيلجأ البنك المركزي للتخفيض في الأشهر القليلة القادمة، وقبل بداية العام المالي الجديد.
لكن من غير المتوقع أن يقوم المركزي بتعويم الجنيه أو بتخفيضه بنسبة كبيرة مرة واحدة. انخفاض الفجوة بين السعر الرسمي والسعر الموازي أمر ضروري لكن من الصعب توقع أن ينعكس ذلك إيجابيا على أداء الاقتصاد، لأن انخفاض الاستثمارات الأجنبية والسياحة بقوة وغيرهما من مصادر النقد الأجنبي يرجع لأسباب سياسية أو أمنية أو عوامل مرتبطة بالاقتصاد العالمي، وبالتالي خارجة عن سيطرة الاقتصاد المصري ومن يديره.
ما هي التأثيرات السلبية لخفض الجنيه ومن يتحملها؟
ارتفاع سعر صرف الدولار دائما ما تصاحبه موجة زيادة في الأسعار، حيث أن الكثير من المنتجات التي نستهلكها يوميا مستوردة، وحتى المنتجات المحلية يدخل في تصنيعها الكثير من المواد الخام المستوردة.
ولذلك هناك تكلفة اجتماعية كبيرة لانخفاض قيمة الجنيه، تتحملها الشرائح المختلفة في المجتمع، لكن الفئات الميسورة لديها فائض في دخلها يمكنها من امتصاص أثر ارتفاع الأسعار، أما الفقراء ومحدودي الدخل فليست لديهم المساحة لذلك، وسيكون عليهم التخلي عن بعض احتياجاتهم الأساسية.
ما هي التوقعات للفترة القادمة؟
من المتوقع أن يقوم البنك المركزي بتخفيض قيمة الجنيه قبل بداية العام المالي الجديد، في يوليو، لتصل إلى ما يتراوح بين ٨٫٢٥ و٨٫٥٠ جنيه للدولار في البنوك. ومن المنتظر أيضا أن يسرع المركزي من اتفاقات التمويل مع المؤسسات المالية العالمية، مثل البنك الدولي وبنك التنمية الأفريقي وغيرها، لتوفير العملة الصعبة.
كما يُتوقع أن تبدأ الحكومة في خصخصة بعض الشركات الحكومية، من بنوك وشركات تأمين، لتوفير العملة الصعبة. إضافة لذلك ستلجأ الحكومة للحلفاء الخليجين في أوقات الشدة لضخ الدولار سواء في صورة قروض أو استثمارات مباشرة.
تلك الإجراءات والمبادرات ستتيح للبنك المركزي عملات أجنبية تساعده على الدفاع عن الجنيه. كما يتوقع أن يحافظ المركزي على أسعار الفائدة البنكية مرتفعة، ويوجه البنوك الحكومية لإصدار مزيد من الشهادات مرتفعة الفائدة لتشجيع الأفراد على تحويل مدخراتهم من الدولار للجنيه.
من المتوقع أيضا أن يعمل البنك المركزي على تقليص فاتورة الاستيراد، كما سيستمر في الهجوم على شركات الصرافة وتحميلها مسئولية المضاربة على الدولار. تلك الإجراءات المتعددة قد تساعده على السيطرة على سعر الصرف دون الحاجة لتخفيض كبير، أو للجوء للتعويم والذي يعتبر خطا أحمر، نظرا لردة فعله الاجتماعية والسياسية.
لكن تلك الإجراءات لن تقضي على السوق الموازية التي ستستمر بل وستشتعل من فترة لأخرى.
كما أن الفترة القادمة ستشهد ليس فقط غلاء في الأسعار بل أيضا نقصا في توافر العديد من السلع والمنتجات، ولن يقتصر ذلك على السلع الرفاهية بل سيطال العديد من السلع الأساسية، نتيجة توجه ترشيد الاستيراد.
في النهاية، سيظل الضغط على الجنيه في ازدياد حتى تستقر الأوضاع السياسية والأمنية، ويتم وضع سياسة اقتصادية متكاملة، وتتحسن أوضاع الاقتصاد العالمي وتستقر أسعار البترول.

عمر الشنيطى
22 - فبراير - 2016
نُشر هذا المقال على موقع "أصوات مصرية"

Friday, February 19, 2016

القروض تأتى بشروط.. لا عيب فى ذلك



تم الإعلان أخيرا عن حصول مصر على قرض من البنك الدولى بقرابة ٣ مليارات دولار، والذى حصلت مصر على ثلثه بالفعل، كما تم الإعلان عن قرض آخر من بنك التنمية الأفريقى. بدت تلك الاتفاقات على أنها شهادة ثقة على صلابة الاقتصاد المصرى ومصداقية برنامج الإصلاح الاقتصادى، لكن على صعيد آخر، تعالت الأصوات المتسائلة عن شروط تلك القروض وعن الأثر الاجتماعى لها ومساس تلك الشروط بسيادة الدولة.

أكدت الحكومة على عدم وجود شروط من قبل البنك الدولى، لكن سريعا ما كشف البنك الدولى بنفسه عن الشروط الأساسية لهذا القرض. المؤسسات العالمية ونصائحها وقروضها ستكون ركنا أساسيا من أركان الاقتصاد فى الفترة القادمة، ومن المهم التعرف على طبيعة تلك القروض. فالهدف من المقال ليس الإشادة ببرنامج الإصلاح الاقتصادى أو مهاجمته وليس الاعتراض على قرض البنك الدولى أو تشجيعه، إنما الهدف هو توضيح آلية عمل مثل هذه القروض.

إذا أرادت دولة الحصول على تمويل من المؤسسات العالمية، فإنها تقوم بالاستعانة بفريق استشارى لرسم برنامج إصلاح اقتصادى وعادة ما يُستعان بالفريق الاستشارى للبنك الدولى لتقديم الدعم الفنى لسببين. أولا: خبرة ذلك الفريق والتى تشكلت عبر الكثير من تجارب الإصلاح الاقتصادى التى أشرف عليها البنك حول العالم، والتى استقى منها الكثير من الدروس، سواء من تجارب النجاح أو الفشل. ثانيا: اشتراك الفريق الاستشارى للبنك فى وضع برنامج الإصلاح الاقتصادى يجعل من البديهى حصول الدولة على القرض من البنك الدولى فى النهاية. بناء على الخطة النهائية المقدمة يقوم الفريق المسئول عن التمويل بفحص الخطة المالية. كما يقوم بوضع بعض الشروط لضمان التزام الدولة الطالبة للتمويل بالخطة المالية المقدمة. بالإضافة لذلك اشتراك البنك الدولى فى وضع خطة الاصلاح الاقتصادى، يعطى الكثير من المصداقية لدى المؤسسات العالمية الأخرى، ويسهل عملية الحصول على التمويل.

ولعل الآلية السابق ذكرها، تعكس تجربة مصر إلى حد كبير، حيث قدم البنك الدولى فى السنوات الثلاث الأخيرة، الكثير من الدعم الفنى لبرنامج الإصلاح. مع بداية المرحلة الانتقالية الثانية فى منتصف ٢٠١٣، كان من الواضح حاجة الاقتصاد لبرنامج إصلاح متكامل، وهو ما وضعته الحكومة بالاستعانة بخبرات البنك الدولى والعديد من المؤسسات العالمية الأخرى، لتحقيق ثلاثة أهداف رئيسية. الأول: خفض عجز الموازنة المتصاعد. الثانى: توفير مصادر مستدامة للطاقة. والثالث: تحسين بيئة الاستثمار. وقد عملت الحكومة خلال العامين الماضيين على تنفيذ ذلك البرنامج عن طريق تخفيض دعم الطاقة وتخفيض بند الأجور المستقبلى من خلال إصدار قانون الخدمة المدنية الذى اعترض عليه البرلمان، وكذلك إصدار قانون الاستثمار وعقد مؤتمر اقتصادى كبير العام الماضى.

على الرغم من اشتراك البنك الدولى فى وضع برنامج الإصلاح الاقتصادى، الذى يراه البعض برنامجا إصلاحيا بينما يراه البعض الآخر تقشفيا، وشروع الحكومة فى تطبيقه إلا أن الحكومة لم تلجأ للاقتراض من البنك الدولى إلا أخيرا، حيث إن الدعم الخليجى السخى الذى تدفق على مصر منذ منتصف ٢٠١٣ وحتى بداية ٢٠١٥ كان قادرا على سد الفجوة التمويلية واحتياجات مصر من الدولار. لكن خلال ٢٠١٥ تغير الوضع حيث تراجعت أسعار البترول، مما خفض من قدرة الخليج على دعم الاقتصاد المصرى وكذلك تراجعت إيرادات السياحة بعد سقوط الطائرة الروسية. كما أن الفجوة بين الواردات والصادرات قد اتسعت فى وقت أصبح الجنيه المصرى مرتفعا مقارنة بالعديد من العملات الأجنبية، بينما لم تتدفق الاستثمارات الأجنبية كما كان متوقعا نتيجة الاضطراب السياسى والأمنى من ناحية إلى جانب وجود بوادر لأزمة اقتصادية عالمية جديدة، مما أدى لوجود فجوة تمويلية كبيرة لدى الحكومة وضغط هائل على الجنيه المصرى، ولذلك توجهت الحكومة للمؤسسات العالمية طلبا للتمويل.

برنامج الإصلاح الاقتصادى الذى قدمته الحكومة للبنك الدولى ليس وليد اللحظة والحكومة بالفعل تعمل على تنفيذه منذ ٢٠١٤. لكن فى المرحلة السابقة اعتمدت الحكومة بشدة على الدعم الخليجى الذى لم يكن مشروطا بإصلاحات اقتصادية مباشرة إلا أنه بلا شك يأتى بتكلفة سياسية سنحتاج تسديدها فى مرحلة ما. الآن وقد تراجع الدعم الخليجى وبدأت مرحلة التمويل من المؤسسات العالمية، فإن تلك المؤسسات لديها من الحكمة ما يكفى لتضع شروطا تلزم مصر، كما هو الحال مع أى دولة مقترضة، بتنفيذ الإصلاحات الاقتصادية التى قدمتها فى خطتها لضمان استدامة الوضع المالى وقدرة الاقتصاد على سداد الديون المستحقة لاحقا.

برنامج الإصلاح الاقتصادى ليس جديدا واشتراطات البنك الدولى على الحكومة المصرية وإلزامها بتنفيذ الإجراءات التى عرضتها فى خطتها ليس غريبا، هكذا تسير الأمور إذا أرادت الدولة الحصول على قروض. لا يعنى ذلك بطبيعة الحال أن برنامج الإصلاح الاقتصادى الذى وضعته الحكومة هو الأفضل، على العكس من ذلك، فهناك الكثير من علامات الاستفهام خاصة على الأثر الاجتماعى لمثل هذه الإجراءات والتى تؤدى لارتفاع الأسعار بشكل كبير وهو ما رصدته بالفعل الإحصاءات الرسمية. ولعل تحرك الدولة منذ عدة شهور لإطلاق مبادرات لتخفيض الأسعار بالاشتراك مع وزارة التموين والمؤسسات السيادية خير دليل على الأثر التضخمى الكبير لتلك السياسات التى تؤثر سلبا على المجتمع حتى مع برامج الضمان الاجتماعى التى تم إطلاقها بشكل احترازى، لكن الواقع أن الأثر السلبى لتلك السياسات أكبر بكثير.

المؤسسات المالية العالمية تلعب الآن دورا كبيرا فى المشهد الاقتصادى المصرى بعد تراجع الدعم الخليجى. نحصل على قروض كبيرة الآن قد تعطى شهادة اقتصادية وتساهم فى حل أزمة الدولار، لكن سيتحمل المجتمع تكلفة اجتماعية كبيرة نتيجة الإصلاحات الاقتصادية المشروطة، كما ستحتاج الأجيال القادمة سداد تلك القروض ولذلك يجب أن تؤخذ تلك الأمور على محمل الجد. العلاقة لا يجب أن ينظر لها على أنها علاقة خضوع، فالمصلحة مشتركة بين البنك الدولى ومصر. لكن أيضا ليس من المنطق إنكار وجود شروط للقرض بل يجب الإفصاح عن تلك الشروط وعرضها على المجتمع، لمناقشتها ثم اعتمادها من مجلس النواب، مع الأخذ فى الاعتبار الأثر الاجتماعى والسياسى لتلك الإصلاحات الحرجة.

عمر الشنيطى
 19- فبراير - 2016
نُشر هذا المقال فى "جريدة الشروق"

Friday, February 5, 2016

معضلة ترشيد الاستيراد وتشجيع التصنيع المحلى

فى ظل تأزم الوضع الاقتصادى، تتعالى الأصوات التى تنادى بضرورة تقليص الواردات وزيادة الصادرات وتشجيع التصنيع المحلى. من الصعب وجود خلاف على هذا التوجه، حيث إنها أهداف سينتج عن تحقيقها زيادة معدلات الإنتاج المحلى وانخفاض البطالة، كما سينتج عنها زيادة فى صافى العملة الصعبة المتوفرة فى الاقتصاد، مما يقلل الضغط على الجنيه. لكن تحقيق تلك الأهداف ليس سهلا، وقد يؤدى التعجل فى الوصول لها إلى آثار سلبية على الاقتصاد.

تواجه مصر عجزا مستداما فى الميزان التجارى للسلع، حيث إن ما تستورده من منتجات دائما ما يفوق ما تصدره. وقد شهدت الفجوة بين الواردات والصادرات زيادة كبيرة، فبعد أن كان العجز قرابة ١٠ مليارات دولار فى منتصف العقد الماضى، ارتفع العجز ليصل لقرابة ٤٠ مليار دولار فى العام الماضى، وأصبحت الواردات تمثل ثلاثة أضعاف الصادرات السلعية. فى الوقت نفسه، تراجعت المنح والقروض والاستثمارات الأجنبية وكذلك إيرادات السياحة وقناة السويس وتحويلات المصريين بالخارج، والتى كانت دائما ما تغطى هذا العجز، مما زاد من حدة الضغط على الجنيه، وأدى لوجود سوق موازية للعملة.

العلاج التقليدى فى تلك الأحوال هو تخفيض الجنيه لتشجيع الصادرات والسياحة وخفض الواردات، لكن التصور المعتمد الآن أن المزيد من التخفيض سيزيد من التضخم، الذى يفاقم الوضع الاجتماعى بينما الاستثمارات الأجنبية ليس من المتوقع أن ترتفع مع التخفيض، نتيجة الأوضاع السياسية وكذلك تباطؤ الاقتصاد العالمى، وينطبق ذلك أيضا على السياحة التى تراجعت نتيجة الأعمال الإرهابية. لذلك أصبح التوجه يتمحور حول تخفيض فاتورة الاستيراد، مما يزيد الطلب على المنتج المحلى ويقلل الضغط على الجنيه.

بناء على ذلك، قامت الحكومة بتطبيق قواعد جديدة تشترط تسجيل المصانع التى تقوم بتصدير منتجاتها لمصر لدى هيئة الرقابة على الصادرات والواردات المصرية، وقبول المصنع الأجنبى بالتفتيش من فريق فنى، للتأكد من استيفاء معايير البيئة وسلامة العمل. كما تم رفع الجمارك على عدد كبير من المنتجات بنسب متفاوتة. فى الوقت نفسه، قام البنك المركزى خلال العام الماضى، بوضع سقف لإيداع الدولار فى البنوك، والذى تم زيادته أخيرا على بعض السلع الأساسية، لتخفيض المضاربة على العملة وتقليص استيراد المنتجات غير الأساسية، طبقا لمعايير البنك المركزى الذى تولى مسئولية تدبير العملة واشترط أيضا أن تمر عمليات الاستيراد بالكامل من خلال البنوك المحلية وبالتنسيق مع بنك الشركة المصدرة، وأن يتم دفع كامل سعر المنتج المستورد قبل استيراده، مما يلغى الحد الائتمانى الذى يمنحه المصدر الأجنبى للمستورد المصرى.

وترى الدولة، أن تلك الإجراءات تهدف لتنظيم عملية الاستيراد والحد من استيراد البضائع رديئة المستوى والمنتجات الاستفزازية وكذلك الحد من التهرب الجمركى بمطابقة فواتير الواردات بين تحويلات البنوك ومصلحة الجمارك، مما يؤدى إلى الارتقاء بجودة المنتجات المعروضة فى السوق، وتشجيع المنتج المحلى ليحل محل المنتجات المستوردة. لكن المستوردين يرون فى تلك الإجراءات قتلا صريحا لقطاع الاستيراد ومن يعمل به، حيث إن تسجيل المصانع يصب فى مصلحة الشركات العالمية، التى ستستطيع الوفاء بذلك الشرط، أما الكثير من المصانع الصغيرة خاصة فى الصين فستخرج من السوق، وهو ما سيؤثر سلبا على توافر منتجات مستوردة منخفضة السعر كانت تخدم شريحة كبيرة.

ويرى المستوردون أيضا، أن قرارات البنك المركزى ستؤدى إلى تقليص حجم الواردات، بسبب عدم توافر العملة الصعبة، مما يؤدى إلى انخفاض المعروض فى السوق. كما أن اشتراط دفع كامل التكلفة يزيد من العبء التمويلى على المستوردين والذين بدورهم سيقومون برفع أسعار المنتجات المستوردة. عدم توافر المنتجات وارتفاع تكلفة الاستيراد وارتفاع الجمارك، ينعكس بطبيعة الحال على ارتفاع أسعار المنتجات المستوردة، والتى يعتبر الكثير منها أساسية. فعلى الرغم من تسليط الضوء دائما على أن مصر تستورد الكثير من السلع الاستفزازية، إلا أن الإحصاءات الرسمية تشير إلى أن أغلب ما تستورده مصر تعتبر منتجات أساسية من مواد بترولية ومواد خام ومنتجات غذائية ومعدات وأجهزة يصعب الاستغناء عنها، وأن السلع غير الأساسية نسبة محدودة من إجمالى فاتورة الاستيراد البالغة ٦٠ مليار دولار.

لا أحد يختلف على أهمية التصنيع المحلى وضرورة تشجيعه، لكن من الصعب أن يستطيع التصنيع المحلى ملء الفجوة الناتجة عن تقليص التصدير بين عشية وضحاها، حيث إن زيادة التصنيع المحلى يتطلب فتح مصانع جديدة، وهو ما يتطلب فترة زمنية قد تصل لسنة وربما أكثر فى بعض الصناعات. التصنيع المحلى أيضا ليس منعزلا عن العالم الخارجى، حيث يعتمد على الكثير من المواد الخام ومستلزمات الإنتاج المستوردة، ومما لا شك فيه أن عوائق الاستيراد المتعددة تؤثر على استيراد الكثير من تلك الخامات والمستلزمات مما يؤثر سلبا على الطاقة الحقيقة للإنتاج المحلى. من ناحية أخرى، فإن التصنيع المحلى يواجه مشكلة كبيرة تتلخص فى تباطؤ نمو الاقتصاد العالمى خاصة فى أوروبا، التى تعتبر الشريك الاقتصادى الأهم لمصر. بالإضافة إلى ذلك، فإن موجة انخفاض العملات عالميا خاصة اليورو تجعل الجنيه أعلى من قيمته الحقيقية، وتقلل من الطلب على الصادرات المصرية.

بناء على ذلك، النهوض بالتصنيع المحلى لإحلال الواردات، يتطلب استراتيجية متوازنة ترتكز على عدة مسارات. الأول: وجود خريطة تنمية صناعية تركز على الصناعات التى تتمتع مصر فيها بميزة تنافسية عالمية والتى لا تعتمد على حماية من المنافسة عن طريق رفع الجمارك. الثانى: عوائق الاستيراد يجب أن تفرض على المنتجات التى لها بدائل واضحة فى السوق المحلى وبجودة مماثلة وبكميات كافية لسد الطلب. الثالث: يجب استثناء المواد الخام من عمليات ترشيد الاستيراد ليس فقط على الورق ولكن على أرض الواقع. وأخيرا: لابد من إتاحة فترة زمنية منطقية للتصنيع المحلى حتى يستطيع إحلال بعض الواردات.

فى وقت تندر فيه موارد الدولة من العملة الصعبة تصبح الخيارات أمام صانع القرار محدودة. التوجه العام لترشيد الاستيراد وتشجيع التصنيع المحلى قد لا يكون عليه خلاف، لكن المعضلة الحقيقة تكمن فى آلية تنفيذه بما لا يؤثر سلبا على توافر المنتجات فى السوق وارتفاع أسعارها.

عمر الشنيطى
5 - فبراير - 2016
نُشر هذا المقال فى "جريدة الشروق"

Friday, January 22, 2016

وعكة اقتصادية عالمية وتحول إقليمى

عادة ما تكون بداية العام هادئة فى أسواق المال العالمية، غير أن بداية هذا العام كانت عاصفة، حيث خسرت البورصات العالمية قرابة ٦ تريليون دولار فى غضون أيام. على صعيد آخر، تشهد منطقة الشرق الأوسط، أزمة عاصفة نتيجة الانخفاض الكبير فى أسعار البترول، وهو ما دفع دول الخليج لإجراءات اقتصادية غير معتادة، ستضفى بظلالها على الاقتصاد المصرى. 

عالميا، مر الاقتصاد الصينى بأزمة حرجة الصيف الماضى بعد فترة طويلة من النمو، وعلى الرغم من مخاوف التباطؤ، إلا أن البنك المركزى الصينى عمل على ضخ السيولة فى السوق، لضمان استمرار الطلب على الأسهم. التمادى فى ضخ السيولة لم يمنع الفقاعة التى تكونت من الانفجار بطبيعة الحال، مما زاد النزيف فى الأسهم الصينية بشكل كبير، وبدأ الحديث عن تباطؤ فى الاقتصاد الحقيقى. من ناحية أخرى، ما زالت أوروبا تقبع فى الركود منذ ٢٠٠٨، وبدلا من أن تتعافى كانت تواجه أزمة ديون اليونان والتى كادت تعصف بمنطقة اليورو بأسرها، ولذلك كانت بوادر تباطؤ عالمى كفيلة بدفع الأسهم الأوروبية للخسارة.

أما أمريكا والتى سجلت معدلات نمو كبيرة العام الماضى، بدأت تصيبها عوارض التباطؤ الاقتصادى أيضا بعد قرار الفيدرالى الأمريكى برفع سعر الفائدة، لينهى فترة ممتدة من النمو وارتفاع أسعار الأسهم. وبعد رفع سعر الفائدة، بدأ الحديث عن انتهاء دورة الصعود ولم يقتصر ذلك على البورصة، حيث إن سلاسل المتاجر الكبرى بدأت فى الإعلان عن إغلاق بعض فروعها وتسريح الموظفين، فى إشارة أن التباطؤ وصل للاقتصاد الحقيقى. وكان لتلك التطورات أثرا على انخفاض الأسهم الأمريكية بالتبعية. يحذر البعض من أزمة مالية عالمية جديدة مثلما حدث فى ٢٠٠٨، لكن من المبكر الوصول لذلك الاستنتاج، إلا أن العام من المتوقع أن يشهد معدلات نمو عالمية أقل من العام الماضى.

أما منطقة الشرق الأوسط، فقد ضربها إعصار انخفاض أسعار البترول. فبعد عام شهدت فيه أسعار البترول انخفاضا حادا، كان الأمل يراود الكثيرين أن الأسعار ستتعافى أو على الأقل ستثبت، إلا أن أسعار البترول استشرفت العام الجديد بتراجع لما دون ٣٠ دولارا للبرميل، فى صدمة كبيرة خيبت آمال الدول الخليجية، شديدة الاعتماد على تصدير البترول. ولعل الأخبار المتتالية عن التباطؤ الاقتصادى العالمى والحديث عن احتمالية حدوث أزمة مالية جديدة كانت وراء انخفاض الطلب المتسقبلى على البترول. بالإضافة لذلك جاء الإعلان عن رفع العقوبات الاقتصادية عن إيران، بعد أن استوفت الشروط المتفق عليها، ليزيد من العرض المستقبلى للبترول، حيث إن رجوع إيران للسوق العالمية من المتوقع أن يؤدى لزيادة المعروض بقرابة مليون برميل يوميا فى وقت قصير. 

ومع التراجع الكبير فى أسعار البترول، أصبحت جميع دول الخليج تعانى من عجز كبير فى موازناتها، مما دفع تلك الدول لاتخاذ إجراءات اقتصادية استثنائية كانت تعتبر سابقا دربا من دروب الخيال؛ حيث قامت عدد من دول الخليج برفع أسعار البنزين المدعمة وهو ما حدث فى السعودية والبحرين وقطر، فى محاولة لخفض النفقات الحكومية وسد عجز الموازنة. كما أن دول الخليج، التى كانت دائما تتجنب فرض الضرائب على مواطنيها، من أجل دعم مستوى معيشتهم وتوزيع ثروات البترول على الشعب، بدأت التفكير فى إيجاد نظام ضريبى لزيادة إيراداتها وسد عجز موازناتها، حتى إن هناك خطة لتطبيق ضريبة قيمة مضافة على الاستهلاك فى دول الخليج على المدى القصير.

العمل على تقليص النفقات برفع الدعم وإيقاف الكثير من مشروعات البنية التحتية، وكذلك زيادة الايرادات الحكومية، يعبر عن عمق الأزمة التى يمر بها الخليج وعن إدراك الخليج أن هذا الوضع الحرج لن ينتهى سريعا. وعلى الرغم من حرج الوضع فى الخليج بشكل عام، إلا أن الوضع فى السعودية أكثر حرجا. فعجز الموازنة السعودية بلغ رقما قياسيا العام الماضى، كما أن حرب اليمن التى لا يتضح لها نهاية أثقلت كاهل المملكة. والآن مع رجوع إيران للساحة العالمية، فإن على السعودية الاستعداد لصراع أصعب وأكثر كلفة مما دفعها للإعلان عن حزمة من المبادرات، مثل خصخصة بعض المرافق العامة وطرح جزء من شركة أرامكو، والتى تسيطر على إنتاج وتصدير البترول السعودى، فى البورصة فى خطوة تاريخية، حيث يصل قيمتها لعدة تريليونات من الدولارات.

ما يحدث عالميا وإقليميا سيضفى بظلاله على الوضع فى مصر، حيث إن تراجع الأسواق العالمية سيرفع من خطورة الاستثمار فى الأسواق الناشئة، مما يخفض من تدفق الاستثمارات الأجنبية على المدى القصير. كما أن تراجع أسعار البترول والغاز عالميا سيحد من تدفق الاستثمارات على قطاع الطاقة المصرى، الذى كان من المفترض أن يشهد نموا كبيرا بعد الاكتشافات الأخيرة. ومما يزيد الأمر تعقيدا هو رفع العقوبات عن إيران وانفتاح السوق الإيرانية أمام شركات البترول الأجنبية، والتى مما لا شك فيه ستفضل استثمار موازناتها الاستثمارية المحدودة فى إيران، الغنية بالبترول والفقيرة بالتكنولوجيا نتيجة الحصار.

من ناحية أخرى، انخفاض أسعار البترول وأثرها السلبى على موازنات الخليج، سيحد من المساعدات والاستثمارات الخليجية أكثر مما سبق وهذا أمر بديهى. لكن من الصعب توقف تلك المساعدات تماما فى وقت يحتاج فيه الخليج خاصة السعودية، لدعم مصر العسكرى حال تصاعد الصراع مع إيران. الجديد فى الأمر، أن الإجراءات الاستثنائية الاقتصادية التى اتخذتها السعودية أخيرا لا تترك لمصر مساحة لتأجيل العديد من القرارات الاقتصادية التقشفية، كرفع الدعم وخفض الرواتب الحكومية تدريجيا، كما أن التوجه للخصخصة سيعود مرة أخرى بطبيعة الحال أسوة بالمملكة. على الرغم من ذلك، ستسفيد مصر من خفض بند الدعم فى الموازنة، مما سيساعد على احتواء عجز الموازنة بعض الشىء.

الاقتصاد العالمى يمر بوعكة كبيرة، ليس من الضرورى أن ينتج عنها أزمة مالية عالمية مثلما حدث فى ٢٠٠٨، لكن الأكثر خطورة هى أزمة أسعار البترول التى تعصف بدول الخليج وتضغط على مصر، للإسراع فى تطبيق إجراءات تقشفية عديدة مصحوبة ببرنامج خصخصة على نهج الإصلاحات السعودية.


عمر الشنيطى
22 - يناير - 2016
نُشر هذا المقال فى "جريدة الشروق"

Saturday, January 9, 2016

حصاد 2015 وتوقعات 2016

لم يكن ٢٠١٥ عاما تقليديا على المستوى الاقتصادى، حيث شهد العديد من التطورات تجعله عاما قاسيا على جميع الأصعدة. فعلى الصعيد العالمى، شهدت أوروبا أوقاتا صعبة مع تصاعد أزمة ديون اليونان ومخاطر إفلاسها وخروجها من الاتحاد الأوروبى لولا الاتفاق الذى تم فى اللحظات الأخيرة بين حكومة اليونان ومجموعة الدائنين. ولم يكن حظ الصين أفضل، حيث شهد اقتصادها تباطؤا بعد فترة طويلة من تحقيق معدلات نمو قياسية، وهو ما انعكس على انخفاض كبير فى البورصة الصينية التى شهدت صيفا قاسيا، مما دفع الصين لتخفيض عملتها لتشجيع الصادرات وتحفيز النمو، وكذلك التوسع فى ضخ السيولة فى الأسواق للحفاظ على جاذبية البورصة الصينية.

تزامُن الركود فى أوروبا مع التباطؤ فى الصين، كان له تبعاته على معدلات التجارة العالمية، وكذلك معدلات نمو الاقتصاد العالمى الذى عانى فى أغلب دول العالم باستثناء دولا قليلة على رأسها أمريكا، التى شهدت عاما جيدا حقق فيه الاقتصاد معدلات نمو مرتفعة، دفع الفيدرالى الأمريكى لرفع سعر الفائدة لأول مرة منذ ٩ أعوام مخافة ارتفاع معدلات التضخم. بينما تشهد أغلب دول العالم انخفاضا فى أسعار صرف عملاتها، يرتفع سعر صرف الدولار الذى يقبل عليه المستثمرون ثقة منهم فى قوة الاقتصاد الأمريكى ورغبة فى الحصول على عائد آمن.

على صعيد آخر، كان حظ منطقتنا أسوأ إلى حد كبير. فمع الانخفاض الكبير فى أسعار البترول تراجعت بشدة إيرادات الدول الخليجية وشهدت أغلب هذه الدول عجزا فى ميزانياتها لأول مرة منذ أكثر من عقد. بالنسبة لدول الخليج شديدة الاعتماد على البترول كانت ٢٠١٥ بمثابة الصدمة. فعلى الرغم من أن انخفاض أسعار البترول قد بدأ فى ٢٠١٤، إلا أنه كان هناك أمل فى أن تتعافى الأسعار لمستويات مُرضية تستطيع دول الخليج معها تحمل السنوات القادمة، لكن ما حدث أن أسعار البترول أنهت ٢٠١٥ دون حاجز ٤٠ دولارا للبرميل، مع توقعات بالمزيد من الانخفاض على المدى القصير. 

صدمة أسعار البترول لا يقتصر أثرها على دول الخليج، بل يمتد لباقى المنطقة التى تعتمد على تصدير العمالة لدول الخليج وكذلك تعتمد على الاستثمارات والمساعدات الاقتصادية الخليجية. كما أن العام الماضى شهد تطورا غير مسبوق فى تصاعد حدة الصراع فى المنطقة مع اشتعال حرب اليمن والتى كان من المفترض أن تنتهى سريعا غير أن مجريات الأمور تنبئ بغير ذلك. كما تحولت سوريا لملعب مفتوح للصراعات الإقليمية والعالمية، بينما زادت حدة الصراعات فى العراق مع تعالى نجم «داعش» كتنظيم مسلح عابر للحدود حتى تصدرت أخبار الشرق الأوسط المحبطة وسائل الإعلام العالمية.

لم يكن الاقتصاد المحلى فى معزل عن ذلك، فقد بدأ العام بتوقعات كبيرة جاءت مدفوعة بالدعم الخليجى السخى والمؤتمر الاقتصادى المبهج وكذلك المشروعات القومية العملاقة، وبدا أن الاقتصاد تجاوز عنق الزجاجة وجاءت معدلات النمو المرتفعة لتؤكد ذلك لكن سرعان ما تغيرت هذه الصورة الوردية. فمع منتصف العام بدأت عوارض الأزمة فى الظهور مع تراجع الدعم الخليجى وتبدد الآمال فى تدفق الاستثمارات الأجنبية بشكل سريع وزاد الضغط على سعر صرف الجنيه، وارتفع سعره فى السوق الموازية. كما ارتفعت أسعار السلع الأساسية بشكل كبير، مما دفع الدولة لمحاولة السيطرة على الأسعار من خلال افتتاح مجمعات استهلاكية جديدة والدفاع عن الجنيه ورفع سعر الفائدة. 

التباين الكبير بين رؤية الاقتصاد فى النصف الأول والثانى من العام، كانت من أكبر عوامل الإحباط. فبطبيعة الحال، الاقتصاد لم يتدهور بين عشية وضحاها لكن ما تغير هى التوقعات التى انحدرت من عنان السماء إلى أرض الواقع، بعدما تراجعت المساعدات الخليجية وظهر أن المشروعات القومية العملاقة ليست فقط باهظة التكلفة لكنها أيضا طويلة الأمد ومن الصعب جنى ثمارها سريعا، كما أن نجاحها يعتمد على عوامل خارجية ليس لنا يد فيها كما هو الحال فى مشروع قناة السويس الجديدة والذى تأثر سلبا بتراجع معدلات التجارة العالمية.

بعد عام مضطرب، قد يكون من الصعب بناء تصور واضح عن الاقتصاد فى ٢٠١٦، حيث إن حجم المتغيرات أكبر من الثوابت. ويمكن فى هذا الإطار الإشارة لخمسة عوامل رئيسية ستحدد ما سيؤول له الوضع الاقتصادى فى العام الجديد.
الأول: أسعار البترول وأثرها على إيرادات دول الخليج وموازاناتها التى أصبحت تعانى عجزا كبيرا، أثر على قدرة حلفاء مصر على دعم مصر اقتصاديا.

الثانى: أداء الاقتصاد الصينى وأثر تباطؤه على تراجع معدلات نمو الاقتصاد العالمى، وكذلك معدلات التجارة العالمية، مما ينعكس بشكل مباشر على إيرادات قناة السويس.
الثالث: تطورات الأسواق العالمية وما لها من آثار مباشرة على حركة الاستثمارات. فقد أدى تخفيض العملة الصينية الصيف الماضى لموجة من تخفيض عملات الأسواق الناشئة، للمحافظة على تنافسية صادراتهم أمام المنتجات الصينية، مما زاد من الضغط على الجنيه المصرى الذى بات مبالغا فى سعره أمام العديد من العملات. كما أن ارتفاع سعر الفائدة على السندات الأمريكية أخيرا ينهى عهد الأموال الرخيصة التى كانت تعتمد عليها صناديق الاستثمار الأجنبية بالاقتراض فى بلادها ثم الاستثمار فى الدول الناشئة، وهو ما يتوقع تراجعه فى الفترة القادمة.
الرابع: الوضع السياسى الإقليمى الملتهب نتيجة الحروب فى سوريا والعراق واليمن وتصاعد التهديدات الإرهابية مما دفع لتأسيس تحالف إسلامى لمحاربة الإرهاب. والأهم فى ذلك الصدد تصاعد الخلاف بين السعودية وإيران، والذى تطور من حروب بالوكالة لخلاف مباشر نتج عنه قطع العلاقات بين البلدين، وما قد ينتج عنه من تأزم للصراع السنى الشيعى فى المنطقة.
الخامس: السياسة النقدية للبنك المركزى المصرى سواء فيما يتعلق بسعر صرف الجنيه وسعر الفائدة وكذلك قواعد الاستيراد وما ينتج عنها من توافر المنتجات الأساسية فى السوق ومستويات الأسعار بشكل عام.

ليس سهلا بناء تصور متكامل عن أداء الاقتصاد فى العام الجديد فى ظل عوامل كثيرة متغيرة أغلبها خارجية. على الأرجح سيكون عاما صعبا والنصف الأول منه أفضل من الثانى، بسبب تدفق الدعم السعودى الذى تم الإعلان عنه أخيرا.



عمر الشنيطى
9 - يناير - 2016
نُشر هذا المقال فى "جريدة الشروق"

Friday, December 25, 2015

التحالف الإسلامى والدعم الاقتصادى

عد عامين من الآمال الاقتصادية العريضة، سادت حالة من الرؤية السلبية على الاقتصاد الذى بدا فى وضع حرج فى الأشهر القليلة الماضية مع الحديث الدائم عن أزمة الدولار وما صاحب ذلك من تخفيض فعلى للجنيه ثم رفعه سريعا بعد ذلك. هذا الاضطراب فى سوق العملة كان له أثره على الواردات والصادرات على حد سواء مما انعكس على معدلات الإنتاج والتصنيع المحلى. كما شهدت الفترة الأخيرة موجة من ارتفاع الأسعار أصبح من الصعب إنكارها مما دفع الدولة بمؤسساتها المختلفة للتحرك وإنقاذ الوضع. 

كان للدعم الخليجى بعد ٣٠ يونيو دور كبير فى تحسين الاقتصاد لكنه تراجع خلال ٢٠١٥ بسبب انخفاض أسعار البترول ووجود خلافات واضحة بين السياسة السعودية والمصرية مما عقد الوضع الاقتصادى الداخلى حتى تعالت أصوات الشكوى من ضيق الحال. وفى ظل تلك المعطيات، أصبح جليا أن على الحكومة أن تنمى مواردها من استثمارات أجنبية وسياحية لكن وضع المنطقة الملتهب وحادثة الطائرة الروسية أنهيا ذلك التصور مما دفع الحكومة للجوء للمؤسسات المالية العالمية مثل البنك الدولى والبنوك التنموية، وهو ما يتطلب تطبيق إصلاحات اقتصادية صارمة قد يكون لها تكلفة اجتماعية وربما سياسية كبيرة.

لم تكن هناك خيارات أخرى فى ظل التوقعات بأن تشهد ٢٠١٦ وضعا اقتصاديا حرجا. لكن المفاجئ أن الحكومة أخذت بعين الاعتبار الوضع الاجتماعى الملتهب فجاء الإعلان عن العديد من المبادرات للسيطرة على الأسعار، كما انتهج البنك المركزى سياسة واضحة للدفاع عن الجنيه. بدا ٢٠١٦ عام المقاربات والخيارات الصعبة لتحقيق معدلات نمو متواضعة مع الحفاظ على مستويات الأسعار مما يحد من التدهور السريع فى الاقتصاد.

وبينما يتأهب الجميع لعام اقتصادى صعب، تم الإعلان عن التحالف الإسلامى الذى تقوده السعودية، ويشمل ٣٤ دولة أخرى لمحاربة الإرهاب. وأعلنت السعودية انضمام مصر للتحالف مع التنويه عن دور استراتيجى لمصر فى التحالف. فبدا واضحا وجود تقارب مرة أخرى بين الموقف المصرى والسعودى إزاء قضايا المنطقة بما فيها سوريا. ومع انضمام مصر، تم الإعلان عن دعم اقتصادى سعودى كبير لمصر يشمل شحنات مواد بترولية لمدة ٥ سنوات وزيادة الاستثمارات السعودية لتصل إلى ٨ مليارات دولار، وكذلك شراء سندات حكومية لتمويل عجز الموازنة المصرية.

وعلى الرغم من عدم وضوح حجم الدعم هذه المرة وجدوله الزمنى وشكل الاستثمارات المرصودة فإن ذلك الدعم يظل كبيرا بما يكفى لتحسين الوضع الاقتصادى على المدى القصير وسيوفر عملة صعبة تحد من الضغط على الجنيه. تلك الآثار الإيجابية كفيلة بتغيير الرؤية السلبية الحادة التى سادت أخيرا تجاه الاقتصاد. ومما لا شك فيه أن ذلك الدعم سيعطى فرصة لتأخير بعض القرارات الحرجة مثل رفع دعم الطاقة أو تخفيض الجنيه وغيرها من القرارات، التى قد تكون ضرورية اقتصاديا لكن حرجة اجتماعيا وسياسيا.

على الرغم من إيجابيات الدعم السعودى فإنه يفتح الباب لعدة تساؤلات مهمة:
الأول: تزامن الإعلان عن انضمام مصر للتحالف مع الإعلان عن الدعم السعودى لمصر يجعل من الصعب فصل الحدثين عن بعضهما البعض لكن ليس واضحا حتى الآن دور مصر فى ذلك التحالف وتكلفة ذلك الاقتصادية والسياسية، وكذلك انعكاس ذلك على الوضع الأمنى والأعمال الإرهابية، التى قد تنتج عن ذلك انتقاما من الدور المصرى فى التحالف. 
الثانى: على الرغم من ضبابية بعض بنود الدعم السعودى فإن حجم ذلك الدعم ليس قليلاً، وهو ما يضع علامات استفهام حول قدرة السعودية على الوفاء به فى ظل عجز موازنة السعودية التى تخطت ١٠٠ مليار دولار فى العام الحالى، وهو ما سيزداد مع انخفاض أسعار البترول دون ٤٠ دولارا للبرميل أخيرا. كما أن تأزم الوضع الاقتصادى فى السعودية يجعل استدامة تلك النوعية من الدعم فرضية غير واقعية على المدى المتوسط.
الثالث: التحالف الإسلامى يشمل دولاً عدة منها دول الخليج مما يجعل من المنطقى التساؤل عما إذا كان الدعم، الذى ستتلقاه مصر سيأتى فقط من السعودية أم أنه ستكون هناك موجات لاحقة من دول خليجية أخرى. 
الرابع: مصر ليست حديثة عهد بالدعم الخارجى. فقد كان للدعم الخليجى بعد ٣٠ يونيو مفعول السحر فى انتشال الاقتصاد من أزمة طاحنة لكن ذلك الدعم السخى لم يقم بحل أمراض الاقتصاد المزمنة لكن كان كالمسكن الذى ذهب أثره بعد فترة لنعود للشكوى مرة أخرى. الدعم السعودى هذه المرة على الأرجح سيكون أقل من الدعم الخليجى السابق مما يقلل من قدرة ذلك الدعم على إحداث طفرة نوعية فى الاقتصاد. 
الخامس: ذهبت عشرات المليارات من الدولارات من الدعم الذى تلقته مصر المرة الماضية لسد عجز الموازنة، وليس للاستثمار فى مشروعات مستدامة تحرك عجلة الاقتصاد بشكل مستمر. ولذلك لا يظهر أثرا كبيرا لها الآن. والدعم السعودى فى صورة شراء سندات خزانة وتوفير مواد بترولية مهم جدا لكن يصب فى نفس الطريق بينما يظل الأمل أن تساهم الاستثمارات المرصودة فى تغيير ذلك النهج. 
السادس: تؤجل الدولة العديد من القرارات الحرجة مثل رفع الدعم وتخفيض الجنيه لأسباب اجتماعية وكذلك تعتمد على الحكومة والمؤسسة العسكرية فى إطلاق وتنفيذ مشروعات قومية عملاقة لدفع عجلة الاقتصاد لكن العام الماضى أثبت أن تلك السياسة لا تستطيع وحدها دفع الاقتصاد بشكل مستدام. وهنا يكمن السؤال المنطقى عما إذا كانت الحكومة ستعى الدرس وتشرع فى استخدام الاستثمارات لتشجيع القطاع الخاص أم أن الاستثمارات السعودية الجديدة ستكون بالشراكة مع الدولة ومؤسساتها السيادية على حساب خفوت نجم القطاع الخاص المحلى.
الدعم الاقتصادى السعودى، والذى تزامن مع إطلاق التحالف الإسلامى، لم يكن متوقعا لكنه طوق النجاة للاقتصاد المصرى على المدى القصير مما يجعل النظرة للوضع الاقتصادى فى ٢٠١٦ أفضل بعض الشىء من الصورة السلبية، التى سادت قبل الإعلان عن هذا الدعم لكن ستظل هناك تساؤلات حول استدامة ذلك الدعم وطريقة الحكومة فى التعامل معه.


عمر الشنيطى
25 - ديسمبر- 2015
نُشر هذا المقال فى "جريدة الشروق"

Sunday, December 13, 2015

اليوان الصينى يتقدم للأمام

لحديث عن الطفرة الاقتصادية التى شهدتها الصين، كان السمة الأبرز على الصعيد الاقتصادى العالمى فى السنوات الأخيرة. وعلى الرغم من معدلات النمو المرتفعة وحجم الصادرات الكبير الذى حول الصين لمصنع العالم إلا أن العملة الصينية «اليوان»، لم يكن لها نفس حظ الدولار أو اليورو فى المعاملات العالمية. لكن هذا الوضع فى طريقه للتغير بعد أن أقر صندوق النقد الدولى أخيرا ضم «اليوان» لسلة العملات العالمية التى تحدد قيمة حقوق السحب الخاصة وتلك خطوة كبيرة لليوان والصين بشكل عام.


وقام صندوق النقد الدولى، باستحداث حقوق السحب الخاصة فى ١٩٦٩ كمكمل للأصول الرسمية الخاصة بالبلدان الأعضاء فى الصندوق. ويتم تحديد قيمة حقوق السحب الخاصة بناء على سلة عملات تشمل الدولار الأمريكى واليورو والين اليابانى والجنيه الإسترلينى، وتم الإعلان عن إضافة اليوان الصينى بداية من أكتوبر ٢٠١٦. حقوق السحب الخاصة لا تعتبر عملة عادية يمكن استخدامها من قبل الشركات والأفراد، لكن يستخدمها صندوق النقد كعملة افتراضية أو وحدة قياس فى معاملاته مع الدول الأعضاء. وبلغ إجمالى حقوق السحب الخاصة المصدرة ٢٠٤ مليارات، وهو ما يعادل ٢٨٠ مليار دولار موزعة على أعضاء الصندوق.
وكان الاقتصاد الصينى قد شهد طفرة كبيرة فى العقود الأخيرة، كانت محط اهتمام العالم، حيث حافظ الاقتصاد الصينى على معدلات نمو غير مسبوقة لفترة طويلة. الملفت للنظر هو قدرة الصين الكبيرة على تصدير مختلف المنتجات، سواء البسيطة أو المتقدمة لشتى دول العالم، حتى أصبح أغلب ما نشتريه من منتجات صنعت فى الصين. وتلك المنتجات تطورت من منتجات مقلدة رديئة لمنتجات متقدمة عالية الجودة، حتى إن الكثير من الشركات الأمريكية والأوروبية نقلت مصانعها للصين.

ولعل الصادرات الصينية هى السبب الرئيسى وراء ضم اليوان، حيث يحدد صندوق النقد شرطين أساسيين لضم العملات لتلك السلة المرموقة. الشرط الأول هو حجم صادرات البلد المصدرة للعملة، حيث من الضرورى أن يكون حجم صادرات البلد كبيرا بما يكفى ليعكس أهمية تلك البلد فى الاقتصاد العالمى. 

وتحتل الصين المركز الثالث عالميا من حيث حجم الصادرات فى السنوات الخمسة الأخيرة. الجدير بالذكر، أن الصين تحتل المركز الثانى عالميا من حيث حجم الاقتصاد، إلا أن ذلك لا يساهم كثيرا فى ضم اليوان لسلة العملات المرموقة، التى تهتم بحجم الاقتصاد والتبادل التجارى مع الاقتصاد العالمى فى المقام الأول.

أما الشرط الثانى فهو أن تكون العملة قابلة للاستخدام الحر، وهو ما يتطلب الاستخدام الواسع للعملة لتسوية المعاملات التجارية الدولية ليس فقط بين تلك الدولة وشركائها التجاريين، ولكن أيضا بين مختلف دول العالم بعضها البعض، وكذلك انتشار استخدام تلك العملة فى البورصات وأسواق المال العالمية المختلفة. الاستخدام الحر للعملة، يعكس ثقة العالم فى تلك العملة وموافقتهم على التعامل بها فى المعاملات المالية المختلفة، مما يسمح للدول الأعضاء فى صندوق النقد التعامل باستخدام حقوق السحب الخاصة أو تحويلها بسلاسة لأى من العملات الرئيسية فى سلة العملات المرموقة.

الجدير بالذكر، أن ٣٨ بنكا مركزيا حول العالم يستخدمون اليوان كأحد أصول احتياطى النقد الأجنبى الخاص بهم، مما يجعلها عملة عالمية. التقدم الكبير الذى أحرزته الصين من حيث حجم الصادرات واتساع استخدام اليوان عالميا جعلا اليوان مؤهلا للانضمام لسلة عملات حقوق السحب الخاصة. وبناء على تشكيل السلة الجديد، سيمثل الدولار ٤٢٪ واليورو ٣١٪، بينما اليوان المنضم حديثا ١١٪، أما الين والإسترلينى فسيمثل كلا منهما ٨٪ من وزن السلة.

لكن هذه الخطوة الكبيرة للصين لم تمر بدون العديد من التحفظات الغربية. فمن ناحية، البنك المركزى الصينى يتحكم فى سعر صرف اليوان ولا يتركه يتغير بمرونة مع قوى العرض والطلب فى السوق. ولعل ذلك كان سر الخلاف مع أمريكا التى دائما ما تتهم الصين بشن حرب عملات بخفض قيمة اليوان مقابل العملات الأجنبية لزيادة الصادرات الصينية مع مطالبة أمريكا الدائمة للصين برفع قيمة اليوان. وهذا التحفظ قد تزايد مع قيام الصين الصيف الماضى بخفض قيمة اليوان أمام العملات الأجنبية على غير المتوقع لتشجيع الصادرات الصينية وتنشيط الاقتصاد، وهو ما دفع لموجة من التخفيض فى عملات الأسواق الناشئة.

على نفس الصعيد، فإن البنك المركزى الصينى يضع العديد من العوائق أمام تحويل العملة الأجنبية خارج الصين، وهو تحفظ دائم للمستثمرين الأجانب فى الصين، وزاد هذا التحفظ بطبيعة الحال بعد أزمة البورصة الصيف الماضى، وما عقبها من عراقيل للتحويلات. بعيدا عن إجراءات البنك المركزى الصينى الجدلية، فإن اليوان يواجه تحديا حقيقيا وهو قلة حجم السندات المصدرة والمتداولة باليوان والتى تبلغ نحو ١٫٤٪ فقط من السندات المتداولة عالميا وتلك نسبة متدنية مقارنة بالدولار الأمريكى. 

لكن تلك التحفظات مردود عليها إلى حد كبير. فالين اليابانى والجنيه الإسترلينى كانتا ضمن سلة عملات حقوق السحب الخاصة فى فترات كانت تلك العملات تدار من قبل بنوكها المركزية ولم يكن سعر صرفها متروكا تماما للسوق. كما أن تلك الدول كانت تضع عوائق لحركة رءوس الأموال الأجنبية، لكن ذلك لم يمنع عملاتها من أن تكون قابلة للاستخدام الحر وتنال ثقة أسواق المال العالمية. كما أن ضآلة حجم السندات المتداولة باليوان، قد تكون نتيجة وليس سببا لعدم اعتماد اليوان كعملة عالمية سابقا وأن ذلك الوضع سيتغير تدريجيا فى الفترة القادمة مع انضمام اليوان لمصاف العملات المرموقة، مما سيساعد الصين على إصدار المزيد من السندات باليوان ويشجع بالتبعية العديد من الدول على إصدار سندات أجنبية باليوان، وكذلك الاستثمار فى سندات باليوان كجزء من احتياطى النقد الأجنبى.

قرار صندوق النقد بضم اليوان لسلة عملات حقوق السحب الخاصة، خطوة كبيرة للصين وتتويج لجهود إصلاح اقتصادها وسيظل أمام الصين طريق طويل لإثبات أن اليوان عملة عالمية يمكن التعامل بها بسلاسة وأمان، مثل الدولار واليورو، لكن مما لا شك فيه أن تلك الخطوة ستفتح بابا للصين والعديد من شركائها التجاريين كمصر للاعتماد على اليوان بشكل أكبر.


عمر الشنيطى


11 - ديسمبر- 2015
نُشر هذا المقال فى "جريدة الشروق"