Sunday, November 16, 2014

عن علاقة الاقتصاد بحياة الناس ومدى بؤسهم

الوضع الاقتصادى وما يرتبط به من أخبار ومؤشرات كلية ليس محل اهتمام للكثير من الناس. وهذه الظاهرة ليست مقتصرة على مصر، لكنها قد تكون أكثر حدة فى مصر مقارنة بالدول الغربية. ولعل من أسباب ذلك هو الصورة الذهنية التى تكونت فى أذهان العوام عن الاقتصاديين وعن استخدام الكثير منهم للغة معقدة فى شرح الاقتصاد وكذلك استدلالهم بكمية هائلة من المؤشرات الاقتصادية المحيرة، والتى قد تكون متضاربة فى بعض الأحوال. بالإضافة لذلك، يختلف الاقتصاديون بين بعضهم البعض فى الكثير من القضايا الأساسية نظرا لاختلاف انحيازتهم مما يحير عوام الناس. كما أن بعض الاقتصاديين قد يعمدوا على توظيف المؤشرات الاقتصادية لخدمة أهداف سياسية سواء بتهوين خطورة الوضع الاقتصادى لدعم النظام أو تهويله فى حالة معارضة النظام.

وعلى الرغم من وجود بعض الاقتصاديين ممن يحافظون على موضوعيتهم فى التحليل فإن هذه الصورة الذهنية السلبية مترسخة بشكل كبير، وما يزيدها عمقا هو عدم ثقة الكثير من الناس فى دقة المؤشرات الاقتصادية التى تنشرها الهيئات الحكومية وغياب الخلفية المطلوبة عن مفاهيم الاقتصاد لدى الكثير من العوام. كما أن هذه الصورة الذهنية أوجدت حاجزا نفسيا لدى معظم الناس وأقنعتهم بعدم جدوى متابعة وضع الاقتصاد ومؤشراته لكونها لا تفيدهم فى شىء ولا تعكس واقع حياتهم اليومية. لكن هل هذا الكلام حقيقى؟

فى الواقع يتأثر الناس بشكل مباشر بالوضع الاقتصادى العام. فنمو الاقتصاد يخلق فرص عمل جديدة، ويساهم فى تحسين مستوى دخل الأفراد، بينما الركود عادة ما يصاحبه تسريح للعمالة وتدهور فى مستوى معيشة الأفراد. كما أن استقرار الأسعار فى السوق تسهل حياة الناس وتضمن لهم الحفاظ على قوتهم الشرائية، بينما فترات التضخم تؤدى إلى تآكل القوة الشرائية وإفقار الأفراد. ولذلك فإن وضع الاقتصاد العام له أثرا مباشرا على حياة الناس ولعل ذلك ما دفع الاقتصادى الأمريكى «آرثر أوكون» لإطلاق ما سماه «مؤشر البؤس» فى الستينيات فى فترة حكم الرئيس «جونسون» بهدف قياس ما يمر به عموم الناس اقتصاديا ومعرفة ما إذا كانوا فى حالة اقتصادية جيدة أم بائسة.

مؤشر البؤس فى أبسط صوره يتم حسابه بجمع معدلات البطالة والتضخم. ويقيس معدل البطالة نسبة من لا يستطيعون الحصول على فرصة عمل مقارنة بإجمالى القوة العاملة فى السوق، بينما يقيس معدل التضخم نسبة الزيادة السنوية فى أسعار سلة من السلع والخدمات الرئيسية فى السوق. وبطبيعة الحال يكره الناس ارتفاع معدلات البطالة والحاجة للجلوس على المقاهى طويلا فى انتظار فرصة عمل، كما يكرهون الارتفاعات الكبيرة والمتكررة فى الأسعار. ولذلك كلما ارتفاع قياس المؤشر، كلما ساءت حالة الناس الاقتصادية وازدادوا بؤسا، حتى وإن حقق الاقتصاد معدلات نمو مرتفعة فى نفس الفترة.

وبالنظر لمؤشر البؤس فى مصر، نجد أنه بدأ الألفية الجديدة (٢٠٠٠) عند مستوى منخفض سجل ١٢٪، لكنه سرعان ما ارتفع ليصل لمتوسط ١٦٪ فى السنوات التالية (٢٠٠٠-٢٠٠٨) حتى الوصول إلى الأزمة المالية العالمية (٢٠٠٨)، والتى كان لها أثر كبير مما دفع المؤشر إلى تسجيل أعلى معدلاته ليتخطى ٢٧٪، ثم ما لبث أن انخفض بعدها ليقارب ٢٠٪ قبل اندلاع ثورة ٢٥ يناير، والتى أدت إلى اضطراب الوضع السياسى وانعكست بالطبع على الوضع الاقتصادى مما أدى إلى ارتفاع المؤشر فى السنوات الثلاث، التى أعقبت الثورة ليقارب ٢٣٪ فى المتوسط، ثم ليسجل فى نهاية يونيو الماضى ٢٣٫٩٪، حيث سجل معدل البطالة ١٣٫٣٪، بينما معدل التضخم ١٠٫٦٪، بناء على الأرقام الرسمية، مما جعل مصر تحتل المركز الخامس عالميا فى ترتيب الدول الأكثر بؤسا، فى دراسة أعدتها «وكالة بلومبرج».

وهذا التطور التاريخى لمؤشر البؤس لا ينبغى المرور عليه مرور الكرام. فحينما كانت الحكومات فى العقد السابق لثورة ٢٥ يناير تتباهى بمعدلات النمو الاقتصادى المذهلة، كان عوام الناس يضجون من تدهور وضعهم الاقتصادى ويؤكدون أن معدلات النمو لا تعكس واقعهم، وهو ما يوضحه مؤشر البؤس الذى تضاعف مستواه فى هذا العقد ليؤكد ما كان يشعر به الناس من معاناة. وحينما يشكو الناس مؤخرا أن الثورة لم تأتِ لهم إلا بمزيد من المعاناة الاقتصادية والتدهور فى حياتهم اليومية، فإن ذلك ليس مبالغا فيه وهو ما يؤكده أيضا ارتفاع مؤشر البؤس فى السنوات الأربع الأخيرة.

بناء على ما سبق، ليس من المنطقى اعتبار أن وضع الاقتصاد ومؤشراته الكلية فى معزل عن حياة الناس. حتى مع شكوك البعض فى مدى دقة الأرقام الرسمية، فإن مقارنة مستوى المؤشرات عبر فترة زمنية ممتدة تستطيع أن تعكس الكثير من التطورات الاقتصادية وما ينتج عنها من أثر على حياة الناس اليومية. وفيما يقبع الاقتصاد المصرى فى حالة من الركود التضخمى، فإن تباطؤ النمو الاقتصادى سينعكس على الإبقاء على معدلات بطالة مرتفعة، بينما التضخم المرتقب، الناتج عن ارتفاع الدولار ورفع أسعار الطاقة، سيؤدى بلا شك لمزيد من الارتفاع فى معدلات التضخم مما يعنى بدوره أن مدى البؤس الذى يعانى منه الناس سيكون على الأرجح فى طريقه للزيادة.

الخلاصة أن الصورة الذهنية السلبية عن الاقتصاد والاقتصاديين قد أفقدت الكثير من الناس الرغبة فى متابعة وضع الاقتصاد، ورسخت لديهم فكرة إانعزال مؤشرات الاقتصاد الكلية عن واقع حياتهم اليومية. لكن هذا الافتراض ليس واقعيا والنظر لتطور «مؤشر البؤس» من مطلع الألفية وحتى الآن يعكس معاناة الناس وتدهور حالتهم حتى وإن تباهت الحكومات بمعدلات النمو الاقتصادى. ولذلك فمن مصلحة عوام الناس متابعة وضع الاقتصاد العام لما لذلك من أثر على حياتهم اليومية. فالمؤشرات الاقتصادية الكلية على الرغم من أنه لا يمكن الاعتماد عليها بالكامل فى تفسير حالة الناس إلا أنها تستطيع أن تشرح الكثير، إذا تم النظر إليها بشكل موضوعى ومتكامل.



عمر الشنيطى
15 - نوفمبر - 2014
نُشر هذا المقال فى "جريدة الشروق"

No comments:

Post a Comment