Saturday, July 26, 2014

التقشف المالى زائد الانكماش النقدى يساوى ركود طويل الأجل

تم إقرار مشروع موازنة العام المالى الجديد (٢٠١٤/٢٠١٥) بزيادة إجمالى الإنفاق قرابة ٧٪ مقارنة بالعام الماضى. لكن هذه الزيادة الإسمية فى الإنفاق أقل من معدلات التضخم التى من المتوقع أن تصل إلى ١٤٪ فى العام المالى الجديد بسبب رفع أسعار الطاقة، مما يجعل الإنفاق الحقيقى فى الموازنة الجديدة أقل من العام الماضى ويجعل الموازنة الجديدة تقشفية فى المقام الأخير.

ولعل من أبرز ملامح الموازنة الجديدة خفض دعم السلع البترولية من حوالى ١٣٠ إلى ١٠٠ مليار جنيه مما أدى إلى رفع أسعارها وهو ما انعكس على ارتفاع أسعار العديد من السلع والخدمات من غذاء لمواصلات لمواد بناء وغيرها، بمعدلات أعلى من نسبة ارتفاع أسعار الطاقة تحسبا للارتفاعات القادمة.
كما شهدت الموازنة الجديدة خفضا للاستثمارت الحكومية من ٧٨ إلى ٦٧ مليار جنيه وهو ما يضعف قدرة الحكومة على تحفيز الاقتصاد. وتهدف الحكومة إلى خفض عجز الموازنة ليصل إلى ٢٤٠ مليار جنيه (١٠٪ من الناتج المحلى) للسيطرة على عجز الموازنة والدين العام. وإذا نظرنا لهذا التقشف المالى نجد أن آثاره الكلية تفضى بنا إلى حالة من الركود التضخمى نتيجة انخفاض الإنفاق الحقيقى والاستثمارات الحكومية من ناحية وارتفاع أسعار السلع والخدمات من ناحية أخرى. ويعتبر الركود التضخمى فخا كبيرا لأى اقتصاد حيث إن الإجراءات التحفيزية اللازمة للخروج من الركود عادة ما تزيد من حدة التضخم، بينما الإجراءات الانكماشية اللازمة لكبح جماح التضخم عادة ما تزيد من عمق الركود.

فى ظل هذا الوضع الحرج، يأتى دور البنك المركزى والذى كان عليه أن يختار بين محاربة الركود أو التضخم وهو ما حسمه البنك المركزى الأسبوع الماضى بانتهاج سياسة نقدية انكمشاية حينما رفع سعرى عائد الإيداع والإقراض لليلة واحدة بواقع ١٪ ليصلا إلى ٩٫٢٥٪ و١٠٫٢٥٪ على التوالى. وهذه السياسة الانكماشية يمكن فهمها فى إطار محاولة البنك المركزى للسيطرة على التضخم الناتج عن رفع أسعار الطاقة وما يستتبعه من ارتفاع أسعار السلع والخدمات المختلفة بشكل كبير قد يصل إلى درجة الهيستريا فى حالة تكلفة المواصلات التى ربما زادت بما يعادل ٥٠-١٠٠٪ طبقا لتقارير غير رسمية.
بجانب محاربة التضخم، يؤدى رفع سعر الفائدة لدى البنك المركزى إلى رفع سعر الفائدة على ودائع البنوك مما يؤدى إلى إقبال الأفراد والمؤسسات على زيادة ودائعهم فى البنوك بالجنيه المصرى بعد أن أصبح الفارق بين العائد على ودائع الجنيه والدولار كبيرا بما يكفى ليعوض المودعين عن الانخفاض المتوقع فى قيمة الجنيه أمام الدولار. ومما لا شك فيه أن ذلك سيؤدى إلى زيادة الودائع لدى البنوك مما يساعدها على زيادة إقراضها للحكومة لتمويل عجز الموازنة من ناحية وكذلك إقبال الأفراد والمؤسسات على الحفاظ على مدخراتهم بالجنيه المصرى لارتفاع العائد على الجنيه وبالتالى تخفيف الضغط على الجنيه أمام الدولار نسبيا.

لكن قد تأتى الرياح بما لا تشتهى السفن. فهذه السياسة النقدية الانكمشاية ستؤدى إلى رفع أسعار إقراض البنوك للأفراد والشركات مما يؤدى إلى تراجع الإقبال على الاقتراض من البنوك وانخفاض استثمارات القطاع الخاص وهو ما سيؤدى إلى تراجع معدلات النمو وتعميق الركود وبالتالى انخفاض أرباح الشركات ودخل الأفراد وما يستتبعه من انخفاض الحصيلة الضريبية عن المتوقع. وعلى صعيد آخر، فإن ارتفاع سعر الفائدة لدى البنك المركزى سيؤدى إلى ارتفاع سعر الفائدة على الدين الحكومى. وفى ظل دين حكومى يبلغ قرابة ٢ تريليون جنيه، فإن ١٪ زيادة فى سعر الفائدة سيؤدى إلى ارتفاع تكلفة خدمة الدين بحوالى ٢٠ مليار جنيه سنويا، قد لا يظهر أثرها كاملا هذا العام بسبب الديون متوسطة وطويلة الأجل والتى لن يتم إعادة تمويلها هذا العام. ولذلك فلا جدال أن السياسة النقدية الانكماشية ستؤدى إلى خفض معدلات الاستثمار والنمو وبالتالى الحصيلة الضريبية من ناحية وارتفاع أسعار الفائدة وتكلفة خدمة الدين من ناحية أخرى مما سيؤدى بطبيعة الحال إلى خروج عجز الموازنة عن السيطرة.

ويتضح مما سبق أن الركود التضخمى الناتج عن التقشف المالى الصارم من قبل الحكومة ستقوم السياسة النقدية من قبل البنك المركزى بتخفيف شق التضخم به، بينما ستقوم بتعميق شق الركود به فى المقابل. ومع موجات التقشف المالى المتوقعة مستقبلا، فإن الركود طويل الأجل سيكون نتيجة لا مفر منها. ومن الجدير بالذكر أنه فى ظل هذا الوضع المركب، جزءا ليس بالقليل مما سيتم توفيره من رفع الدعم سيقابله ارتفاع فى تكلفة خدمة الدين فى إشارة واضحة لتحويل جزء من الإنفاق الحكومى من الفقراء الأكثر تأثرا بخفض الدعم للأغنياء الأكثر استفادة من ارتفاع سعر فائدة ودائع البنوك.
الخلاصة أن النتيجة النهائية للجمع بين السياسة المالية التقشفية والسياسة النقدية الانكماشية هو الركود طويل الأجل وما يصاحبه من معدلات نمو منخفضة ومعدلات بطالة مرتفعة وتحويل جزء من الإنفاق الحكومى من الفقراء للأغنياء. وفى خضم هذا المأزق يحق لنا أن نتساءل «ألم يكن أفضل تبنى تقشف مالى متوازن وتدريجى بدلا من التقشف الصارم مع تجنب الانكماش النقدى؟ أليس من الضرورى وجود تنسيق لصيق بين السياستين المالية والنقدية؟»



عمر الشنيطى
26 - يوليو - 2014
نُشر هذا المقال فى "جريدة الشروق"

Friday, July 11, 2014

التقشف الصارم له بدائل .. بطبيعة الحال!!

منذ أن قامت الحكومة مؤخرا برفع أسعار الطاقة، بدا وكأن عقارب الساعة قد توقفت فأصبح لا يخلو حديث من نقاش وضجر بسبب ارتفاع الأسعار. لكن من ناحية أخرى، يؤكد مسؤولو الحكومة أن التقشف الصارم لخفض عجز الموازنة هو الخيار الوحيد. وإن اتفقنا أن الوضع الاقتصادي متفاقم وأنه لا يمكن السكوت عنه، فإن منهج التعامل معه قد يأخذ أشكالاً عدة، لكل منها وجاهته، ومناقشة هذه الأشكال ضرورة ولا يجب اعتبار من يطالب بإعادة النظر في التقشف الصارم ضعيفاً أو عديم الوطنية.
تواجه الحكومة أزمة اقتصادية طاحنة تجلت في العام الماضي (٢٠١٣/٢٠١٤)، فعلى الرغم من المساعدات الخليجية السخية التي تخطت ٢٠ مليار دولار إلا أن عجز الموازنة من المتوقع أن يصل من ١١% إلى١٢% من الناتج المحلي، وهو ما يعني أن العجز الحقيقي قبل المساعدات قارب ١٥% . وكان من المتوقع أن يصل العجز في العام الجديد (٢٠١٤/٢٠١٥) إلى ١٥% لو لم يتم تبني إصلاحات اقتصادية قاسية، والتي باتت ضرورة قصوى في ظل انحسار المساعدات الخليجية.
وإذا نظرنا إلى موازنة العام المالي الجديد، نجد أنها تتبنى منهجاً تقشفياً صارماً يعمل على تخفيض النفقات لخفض عجز الموازنة واحتواء الدين العام. وتأمل الحكومة الوصول للانضباط المالي الذي يجعلها مؤهلة لقرض صندوق النقد، مما يزيد من الثقة في الاقتصاد المصري، ويؤدي إلى تدفق الاستثمارات الأجنبية وتحريك عجلة الاقتصاد مرة أخرى. لكن يأتي هذا التوجه بعلامات استفهام حيث أن معالجة الركود بالتقشف، عادة ما يؤدي إلى زيادة في الركود، وهو ما يتوقع حدوثه في اقتصاد نما بمقدار اثنين في المائة العام المالي الماضي، على الرغم من السياسة التوسعية آنذاك. كما أن تدفق الاستثمارات الأجنبية قد يتأخر بسبب عدم استقرار الوضع السياسي والأمني. بالإضافة لذلك،سيكون لارتفاع الأسعار أثر سلبي على الفئات الأكثر فقراً في المجتمع، والتي لن تتحمل موجات التقشف المستقبلية، وإن كانت بعض الدول الأوروبية مثل اليونان قد مضت في هذا المسار بنجاح إلى حد كبير بعد الأزمة المالية العالمية، إلا أنه يجب أن يؤخذ في الاعتبار الفارق الكبير في مستويات الدخل ومعدلات الفقر والحالة السياسية بين مصر ومثل هذه الدول.
ويؤكد من يدعم هذا التقشف الصارم، بأنه لا توجد بدائل واقعية لذلك ويشير إلى عدم جدوى التوجه التوسعي في معالجة الأزمة، والذي يتعمد على زيادة الإنفاق والاستثمار الحكومي لتحريك الأسواق، وزيادة الطلب المحلي مما يؤدي إلى زيادة معدلات النمو وإيرادات الموازنة، وبالتالي خفض العجز في النهاية. ولعل السبب في ذلك الاعتراض يعود إلى حاجة الحكومة لأموال طائلة لتمويل هذا التوجه وكذلك القدرة على تحمل تفاقم عجز الموازنة والدين الداخلي مرحلياً، حتى يعاود الاقتصاد نموه، وقد انتهجت أمريكا هذا التوجه لمواجهة الأزمة المالية العالمية، حيث استطاعت تمويل هذه السياسة التوسعية بالتمادي في خلق النقود واستخدامها لشراء الدين الحكومي وتمويل عجز الموازنة، وهو أمر قد لا تستطيع دولة مثل مصر تبنيه، للفارق الكبير بين قوة الدولار مقابل الجنيه.
وإذا كان التوسع المفرط غير ملائم لمصر، فإن التقشف الصارم لا يختلف عنه في ذلك ومن المهم البحث عن بديل أنسب. ويبرز في هذا السياق إمكانية تبني برنامج تقشف تدريجي ومتوازن، يتعامل مع جانبي الموازنة، من حيث خفض الإنفاق المهدر وكذلك زيادة الإيرادات من الطبقات القادرة على تحمل ذلك. فهناك جزء ليس بالقليل من الدعم يذهب لغير مستحقيه، ويمكن خفضه من خلال استخدام نظام موجه، مثل كروت البنزين التي يمكن استخدامها لتحميل خفض الدعم على الأغنياء ومرتفعي الاستهلاك. كما يمكن للحكومة رفع أسعار السولار لكن بشكل تدريجي وبالتوازي مع زيادة قدرة شبكة النقل العام لتقليل حدة رفع الأسعار. ويمكن للحكومة كذلك اتباع سياسة استهدافية برفع أسعار الكهرباء والغاز الطبيعي بشكل متفاوت بحسب المناطق الجغرافية ومستويات الاستهلاك لضمان التوزيع النسبي لفاتورة رفع الدعم بما تستطيع كل فئة تحمله. بالإضافة لذلك تستطيع الحكومة الحفاظ على مستويات متوسطة من الإنفاق الاجتماعي والاستثماري لتحفيز الطلب المحلي وهو ما ينعكس على مستويات دخل الأفراد وأرباح الشركات والذي تستطيع الحكومة جني ثماره بتوسيع القاعدة الضريبية وتصاعدية الضرائب.
قد يكون هذا التوجه أنسب للحالة المصرية اقتصادياً واجتماعياً، والجدير بالذكر أن المشروع الأول للموازنة كان يستهدف عجزاً بلغ ١٢%، ويعمل بشكل تدريجي على خفض النفقات وزيادة الإيرادات، إلا أن المشروع الثاني الذي تم إقراره جاء أكثر صرامة ليخفض العجز إلى عشرة في المائة بين عشية وضحاها، معللا بأن هذا المستوى يعتبر آمنا إلا أن حاجز العشرة في المائة المزعوم هو مجرد حاجز نفسي ليس له تلك الأهمية الكبيرة. فهذه المستويات للعجز (التي تتراوح بين عشرة وبين 12%) مرتفعة على كل حال لكن ما يهم هو سياسة الحكومة في الخروج من الأزمة، والأثر المتوقع لهذه السياسة اقتصادياً واجتماعياً، وهو ما ينظر إليه الممولون مثل صندوق النقد.
الخلاصة تتمثل بأن وضع الاقتصاد الحرج، يجعل من الصعب الاستمرار على نفس النهج، لكن التقشف الصارم ليس الحل الوحيد كما أنه ليس الحل الأمثل، وقد يكون تبني توجه تقشفي متوازن، يهدف لخفض المصروفات المهدرة، ورفع الإيرادات المتاحة تدريجياً، هو التوجه الأنسب في المرحلة القادمة وعلى المجتمع مناقشته بموضوعية.

عمر الشنيطى
11 - يوليو - 2014
نُشر هذا المقال فى "جريدة الشروق" و "موقع CNN  بالعربية"

Saturday, June 28, 2014

حقبة النيوليبرالية العسكرية.. على الأرجح

«النيوليبرالية» هى توجه اقتصادى يقضى بتقليص دور الحكومة فى الاقتصاد ورفع الدعم وتخفيض الإنفاق الحكومى العام لتقليل عجز الموازنة والدين الحكومى وتحرير أسواق السلع والخدمات من قوانين حماية المنتجات المحلية وكذلك تعويم سعر الصرف للسماح بتدفق الاستثمارات الأجنبية. أما «العسكرية» هنا فترتبط بتدخل المؤسسة العسكرية فى النشاط الاقتصادى. وبالإشارة للحالة المصرية، فمن الواضح أن ما يتم تداوله عن التوجه الاقتصادى الذى ستنتهجه الحكومة فى الفترة المقبلة محدود مما يؤدى إلى ضبابية المشهد الاقتصادى العام، لكن سيحاول هذا المقال استشراف التوجه المحتمل الذى يبدو أنه سيكون على الأرجح مزيجا من «النيوليبرالية» و»العسكرية» معا.

هناك إشارات متعددة تشير إلى انتهاج الحكومة الجديدة لسياسات «نيوليبرالية» وهى نفس سياسات حقبة مبارك الاقتصادية من تحرير للأسواق وخفض لعجز الموازنة كهدف أساسى للسياسة المالية وجذب للاستثمارت الأجنبية كمحرك رئيسى للنمو لتحسين المؤشرات الكلية للاقتصاد ورفع قدرة مصر على الاقتراض من صندوق النقد الدولى. ومما لا شك فيه أن السيطرة على المؤشرات الكلية ضرورية ولكن هناك إشكالات متعددة فى هذا التصور:

أولا: انتهاج سياسة تقشفية لتحقيق الانضباط المالى وخفض عجز الموازنة كوسيلة لمواجهة الأزمة الاقتصادية قد أثبتت تجارب دول جنوب شرق آسيا خلال الأزمة الاقتصادية الآسيوية فى أواخر التسعينيات أنه ليس التوجه الأمثل وأنه فى الواقع يزيد من حدة الأزمة وعمقها بدلا من علاجها. وهو ما يؤكد على أهمية التدرج والتوازن بين الأهداف المالية والاجتماعية فى التعامل مع الأزمات الاقتصادية كالتى تمر بها مصر.
ثانيا: الاستثمار الأجنبى هام لتحفيز الاقتصاد وخلق فرص عمل خاصة فى دولة ناشئة اقتصاديا مثل مصر، لكنه ليس المصدر الوحيد للنمو ويجب عدم تضخيم دوره. كما يجب النظر بشكل موضوعى لنوعية الاستثمار الأجنبى. فاستقطاب رءوس أموال للقطاع العقارى وتجميد الأراضى فائدته منخفضة للاقتصاد ولا تقارن بالاستثمارات الصناعية أو الزراعية. ولذلك على الحكومة توجيه الاستثمار الأجنبى للقطاعات الأكثر فائدة للاقتصاد.
ثالثا: النمو الاقتصادى هدف رئيسى، لكن لا يقل عنه أهمية نوع هذا النمو وأثره الاجتماعى من حيث التوظيف وتوزيع الدخل. لذلك يجب أن تلتفت الحكومة إلى ضرورة زيادة الإيرادات الضريبية بشكل متكامل تستطيع من خلاله زيادة الضرائب على الشرائح مرتفعة الدخل وكذلك على الأنشطة الاقتصادية الأقل فائدة للاقتصاد، بينما تقوم بتخفيض الضرائب ومنح المزايا للقطاعات الأكبر أثرا على الاقتصاد.
رابعا: إذا كان التوجه الاقتصادى التحررى الذى تنتهجه الحكومة الحالية هو نفس التوجه الذى ساد قبل ٢٠١١، فكيف للحكومة تصور أن نتائجه ستكون مختلفة عما سبق. فخروج الناس فى الشوارع فى ٢٥ يناير كان من دوافعه سوء الوضع الاقتصادى الذى عانت منه الطبقات الأكثر فقرا، وهو وضع لن يزيده التوجه «النيوليبرالي» الحالى إلا تفاقما.

من المعروف أن أى نظام اقتصادى له من يقوده، ففى النظم الرأسمالية يقوم القطاع الخاص بذلك، بينما فى النظم الاشتراكية تقوم الحكومة بذلك ويتشارك الطرفان فى لعب هذا الدور فى النظم المختلطة. إن تحديد الأدوار فى الاقتصاد أمر حرج حيث إنه يؤثر على توجهات القطاع الخاص. وفى هذا الصدد يظهر دور المؤسسة العسكرية التى دائما ما كانت تلعب دورا فى الاقتصاد غير أن هذا الدور تضخم بشكل كبير فى السنة الأخيرة حيث تم إسناد عقود ضخمة من الحكومة للمؤسسة العسكرية بالأمر المباشر لضمان سرعة وجودة التنفيذ. لكن ذلك التوجه أدى إلى مزاحمة حقيقية من قبل المؤسسة العسكرية للقطاع الخاص. ومن المتوقع أن يستمر دور المؤسسة العسكرية الاقتصادى فى الزيادة مما يزيد من صعوبة وضع القطاع الخاص الذى يعانى من مزاحمة الحكومة له أيضا حيث تعتمد الحكومة على الاقتراض المحلى لتمويل عجز الموازنة مما يحد من قدرة البنوك على تمويل القطاع الخاص. وهذه المزاحمة تؤدى إلى إحجام القطاع الخاص عن لعب دوره فى تحريك الاقتصاد بينما تتصدر المؤسسة العسكرية المشهد الاقتصادى.

وما بين التوجه الاقتصادى التحررى من حيث التقشف وتحرير الأسواق من ناحية وتراجع دور القطاع الخاص مقابل دور المؤسسة العسكرية من ناحية أخرى، يمكن وصف المرحلة القادمة بأنها حقبة «النيوليبرالية العسكرية» .لكن هذا التوجه يناقض بعضه البعض، فالتوجه النيوليبرالى يهدف فى الأساس لخفض دور الدولة فى منافسة القطاع الخاص وهو ما يُفترض أن يؤدى إلى دفع القطاع الخاص للعب دورا أكبر فى الاستثمار وزيادة النمو وخلق فرص عمل جديدة. لذلك حينما تعمل الحكومة على تحرير الأسواق فى الوقت الذى يتضخم فيه بشدة دور المؤسسة العسكرية، فإن التوجه النيوليبرالى وما يرافقه من عناء التقشف لا قيمة حقيقية له لأن القطاع الخاص لن ينهض بدوره فى ظل منافسة غير عادلة مع أكبر مؤسسة فى الدولة.

الخلاصة أن الاقتصاد المصرى مقبل على الأرجح على حقبة «النيوليبرالية العسكرية» من حيث تبنى سياسة تقشفية لتحرير الأسواق لا تختلف عما كان متبعا قبل ٢٠١١. ويرافق هذه السياسية التقشفية بكل ما تحمله من مشقة توسع هائل لدور المؤسسة العسكرية الاقتصادى ومنافسة غير عادلة للقطاع الخاص، مما يشير إلى تعارض السياسات الاقتصادية المختلفة ويتطلب إعادة نظر ممن يحكم مصر.




عمر الشنيطى
28 - يونيو - 2014
نُشر هذا المقال فى "جريدة الشروق"

Thursday, June 26, 2014

Can the economy recover?

With a new president elected and a new government appointed after three-and-a-half years of transition, now is the time to tackle Egypt’s accumulated problems.
On the one hand, the political situation needs a deeper look to allow us to reach a political settlement that will make the regime not just superficially stable in the short term but also sustainable in the long term. Parallel to this, the economic situation has become critical and can’t be left without embarking on some hard choices. With the government not now concerned about reaching a political settlement, the economic situation is the biggest challenge on the government’s agenda.
Looking at the Egyptian economy in a broad way, one finds five key challenges:
Security and energy: Security is a basic need for people and an even more basic requirement for any business investment.
Needless to say, the last three-and-a-half years have been extremely turbulent on that level, with a record number of protests and sit-ins along with aggression in handling them. With such a deteriorating security situation, it has become customary to hear about horrible crimes on a daily basis that have been circulated all over the world thanks to social media, driving away local and international investors.
Alongside security comes energy and its availability. Businesses cannot operate if they do not get a consistent energy supply. With repeated cuts in electricity and an inconsistent supply of natural gas to factories, businesses across different sectors find it very hard to operate, and the problem is critical to factories that need ongoing supplies of energy to avoid costly forced shutdowns.
It is useful to know that energy prices in Egypt have been raised several times since the 25 January Revolution, affecting the competitiveness of the private sector. But still the main complaint is about the consistency of supply rather than prices, especially since energy prices in Egypt are still below international levels. 
The budget deficit and public debt: With the main expenditures in the budget of subsidies, salaries and interest exponentially increasing since the 25 January Revolution while the main revenue contributor, taxes, have become more limited, Egypt has been facing a continuously increasing budget deficit.
This reached LE 240 billion in the last fiscal year (13.8 per cent of GDP) and is expected to settle at around LE 200 billion this fiscal year (around 10-11 per cent of GDP) thanks to generous Gulf aid. Next fiscal year it is expected to see a deficit of LE 288 billion (12 per cent of GDP).
Such unprecedented levels of deficit have put huge pressure on the public debt, from which most of this deficit has been financed locally, resulting in a total public debt of close to 100 per cent of GDP. This has increased the debt burden to around one quarter of the budget and thus decreased the fiscal space available to tackle critical social issues. In addition, the expansion in local financing of the deficit has restrained the ability of local banks to extend financing to the private sector, thus exacerbating economic stagnation.
Balance of payments and currency devaluation: With the decrease in foreign currency inflows, mainly foreign direct investment (FDI) and tourism, and the increase in foreign currency outflows, mainly for imports, the balance of payments has seen a large deficit that has increased since early 2011, forcing the Central Bank to intervene in the market by injecting foreign currency from its reserves to prevent the Egyptian pound from massive devaluation.
The Central Bank had around $36 billion of official reserves in January 2011, which had decreased to nearly $15 billion by June 2012 when the last president took office, with billions of dollars having been channeled, wasted in the view of many, to protect the pound.
Since then, the reserves level has been stable at around $15-18 billion thanks to the generous aid of Qatar, Turkey and Libya during the last president’s tenure and the generous aid of Saudi Arabia, the United Arab Emirates and Kuwait over the last year. Such aid has allowed the Central Bank to continue its strategy of defending the currency to avoid inflation, but the generous aid has still not been able to kill off the currency black market.
The private sector and crowding out: The private sector, the engine for growth and job creation in an open-market economy, has been suffering over recent years due to the lack of political stability, the ongoing protests, and the lack of clarity on economic direction.
This situation has slowed down the economy, which grew at an average of two per cent over the last three years, pushing unemployment up to 13.4 per cent, a critically high level. Yet, one of the emerging challenges facing the private sector has been increasing crowding out.
The expansion of the government in local borrowing has put pressure on private-sector financing. In addition, the army’s role in the economy has significantly expanded over the last few years, especially last year when multi-billion dollar contracts for construction and infrastructure were awarded directly by the government to army companies, putting the private sector at a major disadvantage and aggravating economic stagnation.
It is no surprise to find that the expansion policy pursued by the government last year did not in fact yield the expected growth and employment targets.
Austerity, stagflation and social impacts: To handle such a complicated situation, the government last year adopted an expansion strategy to steer the economy, create jobs and make people feel the economy was improving.
However, this strategy has not been sustainable, and it has been obvious that the government would change course very soon, something which will happen in next year’s budget that includes a major reshuffle in budget items to cut the waste of energy subsidies going to the untargeted rich groups. Energy subsides are to be cut from LE 134 to LE 104 billion in the next fiscal year.
Parallel to the cut in energy subsidies, the government intends to increase spending on the social side. But despite the overall nominal increase in spending in next year’s budget, it is still considered to be a contraction budget in real terms after deducting the expected inflation. Such austerity measures, especially with regard to energy subsidies, have been long needed but they come at a cost, quite high on the social level, at a time when the poverty rate already exceeds 26 per cent.
The overall austerity will definitely increase the stagnation in the economy and will not help the economy to grow at the forecast 3.2 per cent. In addition, the decrease in subsidies will increase energy prices, which, even if targeted at the rich, will be partly passed on to the poor and the middle class, resulting in rising inflation. This means the economy could be trapped in stagflation, or stagnation coupled with inflation.
These problems are the key challenges now facing the Egyptian economy. They have been diagnosed for a long time, and solutions have been readily available. Yet, these solutions are likely to aggravate other problems as the issues are intertwined. The required austerity to decrease the budget deficit and local borrowing, as well as devaluing the pound to decrease the balance of payments deficit, will have a major impact on deepening the stagflation that Egypt has been going through and accordingly will worsen the conditions of the poor and middle class. These do not have a sufficient social safety net to absorb this, and thus a gradual approach is needed by the government.
The bottom line is that economic problems in Egypt have accumulated over many years and are interrelated. Yet, they can be recovered from, and it is important that the government starts tackling them while taking a 360 degree view in considering the social impacts of economic reform.
This means that adopting a balanced approach is a must in order to fight the stagflation that is expected to be our companion on the journey.

Omar El-Shenety
26 June 2014
This Article was published in "Al-Ahram Weekly"

Saturday, June 14, 2014

موازنة الخيارات المحدودة

تم إعداد مشروع موازنة العام المالى القادم وأحيل إلى الرئيس المؤقت لاعتماده فى آخر أيامه وبدون إجراء حوار مجتمعى حقيقى حوله فى حين انشغال الجميع بمتابعة انتخابات الرئاسة وهو ما يضفى حالة من الشك والاستياء. لكن بصرف النظر عن الأجواء العامة، تستحق الموازنة الجديدة نظرة موضوعية لتحليل توجهاتها وآثارها.

يجب التنويه أولا بأن الموازنة العامة تعكس الوضع الكلى للاقتصاد وخيارات الحكومة فى التعامل معه. ويتضح فى الحالة المصرية أن الاقتصاد يعانى من مشاكل هيكلية ظلت تتراكم لعقود حيث يمثل بند الدعم حوالى ثلث الموازنة بينما تشير العديد من الدراسات إلى أن ما يعادل ثلث إلى نصف هذا الدعم يذهب لغير مستحقيه ويحتاج لإعادة توزيع. وفى الوقت ذاته، تتعالى المطالبات بزيادة الإنفاق الاجتماعى الموجه للفقراء الذين ساءت أحوالهم فى السنوات الأخيرة فى ظل حالة الركود وارتفاع الأسعار.

إضافة إلى ذلك، تواجه الحكومة تصاعدا فى عجز الموازنة والذى وصل إلى ٢٤٠ مليار جنيه فى العام المالى الماضى أى ما يعادل ١٣٫٨٪ من الناتج المحلى ومن المتوقع أن ينخفض إلى حوالى ٢٠٠ مليار جنيه (١٠-١١٪ من الناتج المحلى) فى العام المالى الحالى بفضل المساعدات الخليجية. بينما من المتوقع أن يصل العجز إلى ٣٤٢ مليار جنيه (١٤٪) فى الموازنة الجديدة لو لم يتم تبنى تغيرات كبيرة. وقد أدى تصاعد العجز إلى تفاقم الدين العام الذى وصل لقرابة ١٠٠٪ من الناتج المحلى ورفع تكلفة خدمة الدين لقرابة ربع الموازنة.

وقد استطاع الاقتصاد المصرى أن يصمد منذ ٣٠ يونيو وحتى الآن بفضل المساعدات الخليجية السخية، لكن من الواضح أن هذه المساعدات لن تستمر على نفس المستوى وسيكون علينا اللجوء للمؤسسات المالية العالمية مثل صندوق النقد الدولى والتى لن تقوم بالتمويل إلا بعد تبنى برنامج إصلاح اقتصادى يبدأ فى علاج المشكلات والتشوهات الاقتصادية المزمنة. ولذلك فالبدء بالإصلاحات الاقتصادية فى هذه الموازنة لم يعد رفاهية.

هذا الواقع الاقتصادى قد دفع الحكومة لتبنى عدة توجهات رئيسية فى الموازنة الجديدة حيث قامت بزيادة إجمالى الإنفاق بحوالى ٩٪ لتحقيق معدل نمو فى الناتج المحلى يصل إلى ٣٫٢٪. وهذه الزيادة قد تظهرعلى أنها جيدة للوهلة الأولى لكنها أقل من معدل التضخم المتوقع أن يتجاوز ١٠٪ مما يشير إلى انخفاض الإنفاق الحقيقى فى العام المالى القادم ويجعل الموازنة تقشفية فى النهاية. كما تخطط الحكومة لإعادة هيكلة الدعم بخفض دعم الطاقة من ١٣٤ إلى ١٠٤ مليار جنيه فى العام المالى القادم للحد من تسرب الدعم للأغنياء، بينما تخطط لزيادة دعم الكهرباء من ١٨ إلى ٣٣ مليار جنيه للحد من إنقطاع الكهرباء.

وتنوى الحكومة زيادة الإنفاق الاجتماعى بزيادة الدعم النقدى للفقراء من ٤ إلى ١٢ مليار جنيه ليتضاعف عدد الأسر المستفيدة إلى ٣ ملايين أسرة. وكذلك تخطط الحكومة لزيادة الإنفاق على برنامج معاش الأطفال وغيرها من البرامج الإجتماعية. بينما تخطط الحكومة لتخفيض الاستثمار الحكومى من ٩٦ إلى ٦٢ مليار جنيه. وهذا الانخفاض يوضح توجه الحكومة التقشفى لخفض عجز الموازنة والذى من المستهدف أن يصل إلى ٢٨٨ مليار جنيه (١٢٪) بعد أن خفضت الحكومة المنح المتوقعة من ٢٠ إلى ٢٫٤ مليار دولار فى العام المالى القادم.

وقد تكون هذه التوجهات أفضل ما يمكن فعله فى ظل الخيارات المحدودة المتاحة لكن بالتأكيد هذه الموازنة لا تلبى طموحات قطاعات
 عريضة من الشعب. فمع هذه الموازنة التقشفية قد يكون من الصعب تحقيق نسبة النمو المتوقعة فى الموازنة والتى تصل إلى ٣٫٢٪ وهو ما سيطيل من فترة الركود. كما أن خفض دعم الطاقة، وهو أمر طال إنتظاره، قد تفشل الحكومة فى تنفيذه كما حدث فى العام المالى الحالى حيث كانت تخطط الحكومة لخفض دعم الطاقة من ١٢٠ إلى ١٠٠ مليار جنيه لكن لم ينجح ذلك حتى أنه من المتوقع أن يصل إلى ١٣٤ مليار جنيه فى نهاية العام المالى ومن غير المستبعد أن تواجه الحكومة نفس التحديات مرة أخرى.

ومما لا شك فيه أن هذه الموازنة التقشفية ستزيد من عمق الركود التضخمى بسبب خفض الإنفاق الحقيقى وإعادة هيكلة الدعم وهو ما سيضغط بشدة على محدودى الدخل الذين ساءت أحوالهم بشدة فى الأعوام الثلاثة الأخيرة. وعلى الرغم من خطة الحكومة لتقديم دعم نقدى للأسر الفقيرة إلا أن هذا الدعم قد لا يكون كافيا، كما أن الفئات متوسطة الدخل ستتأثر بشدة وبدون وجود تعويض أو دعم من الحكومة. وقد يكون التحدى الأكبر هو عدم إجراء حوار مجتمعى حقيقى ومشاركة مجتمعية حول الموازنة قبل إصدارها على الرغم من أنها تحوى توجهات إستراتيجية مصيرية مثل هيكلة الدعم وغيرها مما قد يعيق تنفيذ بعض التوجهات الحرجة كما حدث فى قضية ضرائب البورصة والتى كان يمكن إصدارها بشكل أفضل بالتشاور مع أصحاب المصالح المختلفين.
الخلاصة أن الموازنة الجديدة تواجه خيارات محدودة بسبب صعوبة الوضع الكلى للاقتصاد.وعلى الرغم من تبنيها للعديد من الإصلاحات المنتظرة منذ زمن بعيد فإن هناك علامات استفهام كبيرة حول إمكانية تنفيذ هذه الموازنة وتحمّل آثارها المتوقعة.


عمر الشنيطى
14 - يونيو - 2014
نُشر هذا المقال فى "جريدة الشروق"

Saturday, May 31, 2014

التوازن بين النمو وتوزيع الدخل

سبق أن تناولت فى المقال السابق أن المساواة فى توزيع الدخل لم تعد مطلبا لليسار وحده حيث إنها أصبحت مطلبا عاما وذلك بعد الأزمة المالية العالمية وما أعقبها من تشكيك فى النظام الاقتصادى الحالى، الأمر الذى دفع مؤسسات مثل صندوق النقد الدولى للحديث عن الحاجة لإعادة النظر فى توزيع الدخل بشكل عادل بعد أن أدركت أن عدم المساواة المبالغ فيها لا يمثل فقط تحديا اجتماعيا وسياسيا بل أيضا تحديا اقتصاديا يعيق جهود التنمية المستديمة. كما أوضحت العديد من الدراسات أن إعادة توزيع الدخل ليس لها بالضرورة أثرا سلبيا كليا على الاقتصاد حيث إن الأثر السلبى على الأغنياء يعوضه التحسن فى وضع محدودى الدخل.

وبعد مرور ثلاث سنوات على الثورة المصرية، ازداد الغنى غنى والفقير فقرا. ومع تقشف الحكومة الحالى، فإن الركود التضخمى أصبح لا مفر منه مما سيكون له بالغ الأثر على الفئات الأكثر فقرا فى ظل غياب شبكة أمان اجتماعى متكاملة. ويأتى هذا المقال كتلخيص للدروس المستفادة من الدراسات العالمية فى مجال إعادة توزيع الدخل والإشارة للسياسات التى يمكن انتهاجها فى المرحلة القادمة من أجل تبنّى أجندة اقتصادية متوازنة تتمحور حول نمو اقتصادى موجه يصاحبه توزيع فعال للدخل. فالتركيز على النمو وحده سيؤدى إلى زيادة الفجوة فى توزيع الدخل وتعميق الفقر فى المجتمع، بينما التركيز على توزيع الدخل وحده سيكبل قدرة الاقتصاد على النمو.

فعلى صعيد النمو، دائما ما يتم تسليط الضوء على إجمالى النمو بدون النظر إلى مكونات ذلك النمو ومدى استدامته وأثره على مستويات التوظيف. لذلك فإن تنبى نمو موجه سيؤدى إلى نمو مستديم ومتوائم مع السياسة التقشفية وقد يشمل عدة سياسات رئيسية:
أولا: تبنى سياسة تحفيزية للقطاعات ذات القيمة المضافة وشديدة الاعتماد على الأيدى العاملة فى صورة دعم مالى للصادرات أو حوافز ضريبية أو حوافز تمويلية. فالسياسة التقشفية لا يجب أن تشمل كل القطاعات الاقتصادية.
ثانيا: الحد من مزاحمة الحكومة والمؤسسة العسكرية للقطاع الخاص وإتاحة المجال للقطاع الخاص لتحريك عجلة الاقتصاد حتى لا يصاب بركود مزمن.
ثالثا: توجيه الاستثمار الأجنبى للقطاعات ذات القيمة المضافة والبعد عن الاستثمار العقارى والتجارة فى الأراضى التى لا تضيف قيمة كبيرة للاقتصاد.
رابعا: إعادة هيكلة شركات قطاع الأعمال من أجل الحفاظ على فرص العمل وتوفير المزيد منها وكذلك ضبط الأسعار فى الأسواق.
خامسا: ربط الدعم المقدم للأسر باستكمال أولادهم للتعليم أو المتابعة الصحية لضمان حصولهم على الفرص المناسبة للنمو والترقى فى المجتمع.
وتهدف هذه السياسات المقترحة لضمان التركيز على تنمية القطاعات ذات الأثر الإيجابى والمستدام اقتصاديا وإجتماعيا فى ظل الوضع الاقتصادى الحرج .

أما على صعيد توزيع الدخل، فإن توسيع القاعدة الضريبية واستخدام الضرائب كأداة لتوجيه النشاط الاقتصادى ــ من استهلاك واستثمار- وليس فقط كمصدر للإيرادات الحكومية تعد من الأهداف الرئيسية التى يجب تبنيها فى هذا الصدد وقد يشمل ذلك عدة سياسات رئيسية:
أولا: رفع الحد الأدنى للأجور إلى مستوى ٧٠ ـ ٨٠٪ من متوسط الدخل الحقيقى مما سيؤدى إلى مساعدة الطبقات محدودة الدخل على تحمل تبعات المرحلة القادمة. ويجب تطبيق ذلك على القطاع العام والخاص بالتنسيق مع النقابات المختلفة.
ثانيا: تبنى ضريبة تصاعدية على الدخل تشمل ضريبة منخفضة على مستويات الدخل المنخفضة بينما ضريبة أكثر ارتفاعا من المستوى الحالى على مستويات الدخل المرتفعة.
ثالثا: تطبيق الضريبة العقارية وتوسيع نطاقها لتشمل الأراضى المجمدة وغير المستغلة مما يؤدى إلى محاربة ظاهرة تجميد الأراضى ويعمل على تحريك سوق العقارات والإنشاءات.
رابعا: إعادة هيكلة الضريبة على أرباح الشركات ليتفاوت مستواها بناء على نوعية القطاع مما يؤدى إلى تحفيز القطاعات ذات القيمة المضافة والأولوية الكبيرة للاقتصاد.
خامسا: توسيع تطبيق الضريبة على الأرباح الرأسمالية لتشمل الاستثمارات المالية وقد يتفاوت مستوى الضريبة بناء على طبيعة القطاع ومساهمته فى الاقتصاد.
سادسا: تطبيق ضريبة على الميراث تشمل حدا مرتفعا للإعفاء حيث يتم تطبيق الضريبة على مستويات المواريث شديدة الارتفاع وعلى أن تكون الضريبة المطبقة فى البداية منخفضة.
سابعا: توجيه ضريبة الاستهلاك ــ سواء كانت فى صورة ضريبة مبيعات أو ضريبة قيمة مضافة ــ لتتفاوت طبقا لطبيعة المنتج ومستوى الاستهلاك لتوجيه نمط الاستهلاك.
ثامنا: توسيع القاعدة الضريبية بالعمل على ضم القطاع غير الرسمى فى الحصيلة الضريبية وعلى أن يبدأ ذلك بضرائب منخفضة للقطاعات حديثة الضم.
تاسعا: محاربة التهرب الضريبى بالتنسيق مع البنوك وفرض غرامات مرتفعة على المتهربين ضريبيا.
عاشرا: العمل على إيجاد نظام لرصد وتحليل ونشر بيانات الحصيلة الضريبية وطريقة صرفها على الخدمات المختلفة بشفافية لبث الثقة فى نفوس المواطنين وربط الضريبة المحصلة بالخدمات المقدمة.

وتعتبر النقاط السابقة تلخيصا للدروس المستفادة من الدراسات العالمية فى صدد إعادة توزيع الدخل يمكن تبنيها كأجندة من السياسة المالية فى المرحلة القادمة وتطبيقها على سنوات عديدة للعمل على توزيع الدخل بشكل فعال بالتوازى مع نمو موجه ومستدام.
الخلاصة أن الأجندة الاقتصادية المثلى فى الفترة القادمة يجب أن تتمحور حول تبنى سياسة نمو اقتصادى موجه يصاحبها سياسة توزيع فعال للدخل لتحقيق نمو اقتصادى عادل ومستدام.

عمر الشنيطى
31 - مايو - 2014
نُشر هذا المقال فى "جريدة الشروق"

Saturday, May 17, 2014

المساواة فى توزيع الدخل لم تعد فقط مطلبًا لليسار

لعقود طويلة ظلت المساواة فى توزيع الدخل مطلب التيار اليسارى، بينما كان التيار اليمينى يسخر من مثل هذه المطالب. لكن برز مؤخرا اتجاه عالمى يعترض على التفاوت فى توزيع الدخل، ويعتبر عدم المساواة المبالغ فيها ليست فقط تحديا اجتماعيا وسياسيا بل أيضا تحديا اقتصاديا. واللافت للنظر أن هذا الاتجاه يعتبر ظاهرة عالمية تدعمها مؤسسات كبيرة أبعد ما تكون عن اليسار مما جعل المساواة فى توزيع الدخل مطلبا عاما لا يقتصر على تيار بعينه.

وهذا التغير يمكن إرجاعه لعدة أسباب: السبب الأول يعود للأزمة المالية العالمية والتى شككت فى النظام الاقتصادى السائد وعدم عدالته حيث تدخلت الحكومات باستخدام أموال دافعى الضرائب لإنقاذ القطاع المالى مما أدى إلى ظهور حركة «احتلال وال ستريت» المعترضة على القطاع المالى وحوافز مديرى البنوك.

أما السبب الثانى فيرجع إلى العديد من تقارير صندوق النقد الدولى والتى أكدت أن الفجوة الكبيرة فى توزيع الدخل تعتبر عائقا حقيقيا لجهود التنمية المستدامة عالميا. وعلى الرغم من كون المساواة المبالغ فيها غير محبذة حيث إنها تزيل الحافز على العمل والإبداع، فإن عدم المساواة المبالغ فيها غير مقبولة أيضا حيث أنها تعيق التنمية وتمنع الفقراء من الحصول على الموارد المطلوبة لتحسين أحوالهم. وكما أوضحت التقارير أن إعادة توزيع الدخل بتوسيع القاعدة الضريبية ورفع الضرائب ليس لها بالضرورة أثرا سليبا كليا حيث إن الأثر السلبى على الأغنياء يعوضه التحسن فى وضع محدودى الدخل.

أما السبب الثالث فيتعلق بتقارير نشرتها مؤسسات دولية حيث أصدرت مؤسسة «أوكسفام» البريطانية تقريرا يوضح غياب ثقة الأفراد فى عدالة النظام الاقتصادى حيث يسيطر ١٪ من السكان على نصف الثروة عالميا، كما أن النصف الأقل دخلا من السكان يملكون ثروة تساوى ما يملكه أغنى ٨٥ شخصا فقط فى العالم. كما أشار عدد من المقالات فى مجلات مثل الإيكونومست إلى نفس الأمر وطالبت الحكومات باتخاذ إجراءات حاسمة لإعادة توزيع الدخل. بينما يأتى السبب الرابع متعلقا بكتاب «رأس المال فى القرن الواحد والعشرين» والذى يوضح أن نسبة العائد على رأس المال أعلى من نسبة نمو الاقتصاد مما يجعل الثروة الموروثة تتراكم بشكل أكبر من الثروة التى يحصلها الفرد من عمله. ولذلك يتطلب التغلب على عدم المساواة فى توزيع الدخل إجراءات راديكالية مثل الضريبة على الثروة والميراث.

وقد أطاحت التطورات الأخيرة بعدة ثوابت اقتصادية، فالنظرية تقول إن اقتصاد السوق قادر على خلق فرص العمل وتحسين دخل الأفراد، لكن الواقع أثبت أن الاقتصاد العالمى قد مر بتقلبات شديدة ومتتالية كان لها أثر سيئا على مستويات التوظيف وأدت إلى انخفاض مرتبات الموظفين والعمال كنسبة من الناتج المحلى العالمى فى العقود الأخيرة. كما تقول النظرية أن مرحلة التصنيع يصاحبها زيادة فى عدم المساواة فى البداية لكن سريعا ما تتقلص الفجوة ويجنى محدودى الدخل ثمار التنمية، لكن الواقع أثبت أن الفجوة فى توزيع الدخل قد اتسعت حيث إن أغنى ١٪ من السكان فى أمريكا تضاعف دخلهم فى العقود الثلاثة الأخيرة كنسبة من إجمالى الدخل ولا يقتصر ذلك على أمريكا وحدها. بالإضافة لذلك تقول النظرية أن الأغنياء هم من يتحملون العبء الأكبر للركود الاقتصادى، لكن الواقع أثبت أنه بعد الأزمة المالية العالمية حصل أغنى ١٪ من السكان فى أمريكا على ٩٥٪ من مكاسب تعافى الاقتصاد، كما أن أفقر ١٠٪ من السكان فى اليونان كانوا أكثر الفئات تأثرا بالإجراءات التقشفية التى انتهجتها الحكومة للتعافى. وهذا التباين الشديد بين النظرية والتطبيق دفع الكثيرون من داخل النظام الاقتصادى الحالى للمطالبة بتدخل الحكومات بشكل أكبر لتقليص الفجوة فى توزيع الدخل بعد أن عجز النظام الاقتصادى عن فعل ذلك بشكل تلقائى.

إن هذه التغيرات تعنى الكثير لمصر التى قامت فيها ثورة يأتى على رأس مطالبها العيش والعدالة الاجتماعية حيث لم ينعم محدودو الدخل بثمار النمو الاقتصادى فى السنوات التى سبقت الثورة، بل إن محدودى الدخل هم أكثر الفئات التى دفعت ثمن الركود الذى أعقب الثورة فزادت معدلات البطالة والفقر بشكل كبير بينما لم تتأثر ثروات رجال الأعمال الكبار فى مصر. والآن نستشرف حقبة من الركود التضخمى نتيجة إجراءات الحكومة التقشفية لتقليص عجز الموازنة مما سيكون له بالغ الأثر على الفئات الأكثر فقرا فى ظل غياب شبكة ضمان اجتماعى تحمى الفقراء من العاصفة القادمة. وإذا كان التوجه عالميا هو إعادة توزيع الدخل، فإنه من الأحرى أن يكون ذلك هو التوجه فى مصر فى ظل الوضع الصعب للفئات الأكثر فقرا والتى ستزداد فقرا مع إجراءات الحكومة التقشفية.

الخلاصة أن المساواة فى توزيع الدخل لم تعد مطلبا للتيار اليسارى فقط بل أصبحت مطلبا عاما حتى من داخل التيار اليمينى بعد الأزمة المالية العالمية وما فعلته من تشكيك فى النظام الاقتصادى الحالى وهو ما دفع مؤسسات مثل صندوق النقد الدولى للحديث عن الحاجة لانتهاج سياسات لإعادة توزيع الدخل بشكل عادل بعد أن أدركت أن عدم المساواة المبالغ فيها فى توزيع الدخل لا تمثل فقط تحديا اجتماعيا وسياسيا بل أيضا تحديا اقتصاديا يعيق جهود التنمية المستدامة عالميا. ولهذا التوجه مردود كبير على مصر والتى قامت بها ثورة تطالب بالعدالة الاجتماعية لتحسين أحوال محدودى الدخل، لكن للأسف ساءت أحوالهم منذ الثورة ومن المتوقع أن تزداد سوءا فى الفترة المقبلة مع إجراءات الحكومة التقشفية مما يجعل من الضرورى تبنى قضية المساواة فى توزيع الدخل كمطلب عام لا يقتصر على تيار بعينه.


عمر الشنيطى
17 - مايو - 2014
نُشر هذا المقال فى "جريدة الشروق"