Saturday, September 28, 2013

فى قراءة المشهد الاقتصادى

المتابع للمشهد الاقتصادى مؤخرا يلاحظ عددا من القرارات والأحداث مثل إقرار الحد الأدنى للأجور والتوسع فى طباعة النقود وارتفاع الأسعار، بينما خفّض البنك المركزى سعر الفائدة وانخفض سعر صرف الدولار. قد تبدو هذه الأمور متضاربة لعموم الناس خاصة فى ظل انتشار الشائعات. ولذلك هدف هذا المقال هو قراءة المشهد الاقتصادى وتحليل سياسة الحكومة فى التعامل معه.

دائما ما تكون للقرارات الاستراتيجية ثلاثة أبعاد. أولا: البعد الاقتصادى من حيث تكلفة القرارات ومردودها على مؤشرات الاقتصاد الكلي. ثانيا: البعد الاجتماعى من حيث أثر القرارات على فئات المجتمع المختلفة. ثالثا: البعد السياسى من حيث مواقف التيارات والأحزاب السياسية ومدى تقبل الرأى العام للقرارات. وعادة ما تكون القرارات السياسية والاجتماعية الشعبية ذات أثر اقتصادى سيئ. وتدير الحكومة الاقتصاد من خلال السياسة المالية المعنية بمستوى الإنفاق الحكومى على الرواتب والاستثمار وغيرها وكذلك السياسة النقدية المعنية بمستوى المعروض من النقد وما يرتبط به من سعر الفائدة وغيرها.

بالاعتماد على السياسة المالية والنقدية تستطيع الحكومة نهج توجه توسعى أو تقشفى. ففى حالة التوسع، تقوم الحكومة ماليا برفع الإنفاق الحكومى وزيادة الرواتب والاستثمار الداخلى فى الأساس، كما يعمل البنك المركزى نقديا على زيادة المعروض من النقد عن طريق خفض سعر الفائدة فى الأساس. ويؤدى ذلك إلى نمو الاقتصاد وخلق فرص عمل جديدة مما يؤدى إلى زيادة دخل الأفراد، لكن يأتى ذلك فى الأغلب على حساب زيادة عجز الموازنة والتضخم. ودائما ما يكون التوجه التوسعى مرحبا به اجتماعيا وسياسيا لإيجاده فرص عمل جديدة إذا تمت السيطرة على التضخم فى المقابل.

بينما فى حالة التقشف، تقوم الحكومة ماليا بخفض الإنفاق على الرواتب والاستثمار الداخلى، كما يعمل البنك المركزى نقديا على خفض المعروض من النقد برفع سعر الفائدة، مما يؤدى إلى خفض عجز الموازنة وكبح جماح التضخم، لكن يأتى عادة على حساب تباطؤ النمو وارتفاع البطالة. لذلك دائما ما يكون التوجه التقشفى غير مرحب به اجتماعيا وسياسيا. ويتضح من ذلك أنه لا يوجد توجه مثالى، فكل توجه له مميزاته ومخاطره، مما يجعل اختيار التوجه الاقتصادى أمرا مركبا وذا آثار ممتدة.
وتواجه الحكومة وضعا سياسيا غير مستقر منذ ٣٠ يونيو، إلى جانب وضع اجتماعى حرج وشعور عام بعدم تحقق مطالب الثورة بعد مرور ثلاثة أعوام عليها. ويصاحب ذلك تأزم فى الوضع الاقتصادى الذى يعانى من ركود تضخمى تراجع فيه معدل النمو وزادت البطالة وارتفع عجز الموازنة والدين العام للدولة، كما ارتفعت الأسعار خاصة على السلع الأساسية. وفى ظل هذا الوضع الحرج، على الحكومة أن تحدد أولوياتها بناء على قراءة الأبعاد المختلفة.

ويبدو أن الحكومة أدركت خطورة الوضع السياسى والاجتماعى ولذلك قررت التوسع ماليا ونقديا. فعلى الصعيد المالى، تتوسع فى الإنفاق من خلال رفع الرواتب الحكومية والمحافظة على معدلات الاستثمار الحكومى، على الرغم من عجز الموازنة المتفاقم. أما على الصعيد النقدى، فيعمل البنك المركزى على زيادة المعروض من النقد عن طريق تخفيض هيكل أسعار الفائدة مثل الفائدة على الودائع والقروض البنكية، وكذلك التوسع فى طباعة النقود. هذا التوسع سيؤدى إلى زيادة الاستثمار الداخلى وزيادة الدخل وخلق فرص عمل جديدة، لكن سيأتى على حساب تفاقم عجز الموازنة والدين الداخلى اللازم لتمويله وكذلك ارتفاع معدلات التضخم.

ولعل الدافع وراء ذلك هو الرغبة فى تحفيز الاقتصاد عن طريق خلق فرص عمل جديدة للسيطرة على البطالة التى أصبحت تشكل كارثة اجتماعية وكذلك رفع مستوى دخل الأفراد خصوصا الطبقات الفقيرة الأكثر تضررا من غياب العدالة الاجتماعية. وتأمل الحكومة أن يكون ذلك بمثابة دفعة أولى للنمو حتى تستقر الأوضاع السياسية والأمنية فتعود السياحة والاستثمار الأجنبى إلى سابق عهدهما ويأخذا زمام المبادرة فى دفع عجلة النمو، مما سيؤدى بدوره إلى زيادة الناتج المحلى بشكل سريع ليعود عجز الموازنة والدين الحكومى إلى معدلات آمنة. كما تعول الحكومة على قدرتها على السيطرة على التضخم من خلال مراقبة الأسعار فى الأسواق وخفض سعر صرف الدولار وبالتالى خفض أسعار المنتجات المستوردة.

لكن هذا التصور الذى يبدو مثاليا له مخاطر كبيرة يأتى على رأسها أمران. أولا: قد لا تستقر الأوضاع السياسية والأمنية مما يقلص من دور السياحة والاستثمار الأجنبى واستمرار الاعتماد على الحكومة لتحفيز النمو دافعا عجز الموازنة والدين الداخلى للخروج عن السيطرة. ومع زيادة الدين الخارجى بسبب المساعدات الخليجية، فإن الاقتصاد قد يدخل فى انكماش اقتصادى وفخ ديون، قد يتطلب عقود للخروج منه. ثانيا: قد لا تستطيع الحكومة التحكم فى الأسعار، خصوصا مع عدم الاستقرار، فيخرج التضخم عن السيطرة ويشهد الاقتصاد حالة من التضخم المفرط. وقد لا يحالف الحكومة الحظ فيتزامن الخطران ويدخل الاقتصاد فى انكماش تضخمى يكون بمثابة كارثة اقتصادية وليس فقط أزمة عابرة.

الخلاصة أن الاقتصاد يعانى من ركود تضخمى تأمل الحكومة علاجه بتبنى توجه توسعى ذى شعبية إجتماعية وسياسية يهدف لدفع عجلة النمو وخلق فرص عمل، لكن على حساب زيادة عجز الموازنة والدين الحكومى والتضخم على المدى القصير حتى يستقر الوضع السياسى والأمنى فتعود السياحة والاستثمار الأجنبى لدفع عجلة النمو. وعلى الرغم من كونها سياسة اقتصادية ذات وجاهة فإنها تحمل معها مخاطر كبيرة، كاحتمالية انكماش الاقتصاد ودخوله فى فخ ديون فى حالة عدم الاستقرار، أو احتمالية التضخم المفرط فى حالة خروج التضخم عن السيطرة، أو تزامن الأمرين والدخول فى انكماش تضخمى لا تحمد عقباه. ويظل الاستقرار السياسى والأمنى الشرط الأساسى للخروج من الأزمة الاقتصادية.

عمر الشنيطي
28 سبتمبر 2013
نُشر هذا المقال فى "جريدة الشروق"

Saturday, September 14, 2013

تكلفة المرحلة الانتقالية

منذ فبراير٢٠١١ دخلت مصر مرحلة انتقالية تهدف لبناء نظام مدنى ديمقراطى، لكن هذا المرحلة امتدت لعامين ونصف من حكم المجلس العسكرى ثم الإخوان واتسمت بحالة من عدم الاستقرار السياسى رفعت التكلفة الاقتصادية للمرحلة. لكن لحسن الحظ استطاعت الحكومة تمويل عجز الموازنة والدفاع عن الجنيه مستعينة بالسيولة المرتفعة فى القطاع المصرفى واحتياطى النقد الأجنبى المرتفع فى بداية ٢٠١١، بالإضافة إلى المساعدات الخارجية التى تلقتها مصر خلال هذه المرحلة.

وبعد ٣٠ يونيو، دخلت مصر مرحلة انتقالية جديدة تتسم بالاضطرابات السياسية والتى تطورت لأعمال عنف مما أثر على الاقتصاد الذى لم يكن قد تعافى بعد من المرحلة الانتقالية الأولى. وتزامنت المرحلة الانتقالية الجديدة مع تراجع الأنشطة الصناعية والتجارية المختلفة وتأثر القطاع السياحى بشكل غير مسبوق. ومع انخفاض مستوى السيولة فى القطاع المصرفى واحتياطى النقد الأجنبى مقارنة ببداية ٢٠١١، فإن تحمل تكلفة المرحلة الانتقالية الجديدة داخليا قد يكون شاقا بدون مساعدات خارجية كبيرة، وهو ما يطرح عدة تساؤلات هامة فى هذا السياق:

أولا: هل تستطيع المساعدات الخارجية إنقاذ الاقتصاد المصرى؟
بالنظر للمرحلة السابقة، نجد أن مصر تلقت مساعدات خارجية من قطر وليبيا وتركيا بحوالى ١٢ مليار دولار. وقد تم استخدام هذه المساعدات بالإضافة إلى الاحتياطى لإحداث توازن فى ميزان المدفوعات والذى تأثر بزيادة الواردات أمام الصادرات وتراجع السياحة والاستثمار الأجنبى. وقد ساعد ذلك فى الدفاع عن الجنيه والذى انخفضت قيمته فقط بنسبة ١٧٪ خلال المرحلة السابقة وهو تدهور أقل بكثير من توقعات الكثير من الخبراء.
 أيضا هذه المساعدات الخارجية والسيولة المرتفعة فى القطاع المصرفى ساعدت فى تمويل عجز الموازنة المتصاعد. لذلك فإن المساعدات الخارجية لعبت دورا كبيرا فى تحمل تكلفة المرحلة السابقة وأنقذت الاقتصاد من تدهور كبير. وبناء على وضع السيولة والاحتياطى الحالى، فإن المساعدات الخارجية أصبحت حتمية حتى يستطيع الاقتصاد تحمل تكلفة المرحلة الانتقالية الجديدة، حيث ستساعد فى الدفاع عن الجنيه فى السوق وتخفيف ضغط تمويل عجز الموازنة عن كاهل البنوك المحلة.

ثانيا: ما هو حجم المساعدات الخارجية المطلوبة حتى لا ينهار الاقتصاد؟
لا يمكن الجزم بمدة المرحلة الانتقالية الجديدة لكن بالتأكيد لن تنتهى فى ستة أشهر ولذلك فافتراض مدة سنة أو سنة ونصف سيكون أقرب للواقع. ولتوقع حجم المساعدات المطلوبة فى هذه الفترة لابد من النظر لعجز الموازنة المتوقع وسداد الديون المستحقة من ناحية، ومستوى تآكل الاحتياطى النقد الأجنبى من ناحية أخرى، حيث إن المساعدات الخارجية تصب فى هذين الاتجاهين.
 بالنظر لعجز الموازنة، نجد أن العجز المتوقع فى موازنة العام المالى ٢٠١٣/٢٠١٤ كان حوالى ١٩٥ مليار جنيه، بالإضافة إلى الحاجة لسداد حوالى ١١٥ مليار جنيه ديون مستحقة، مما يجعل الحكومة بحاجة لاقتراض حوالى ٣١٠ مليارات جنيه خلال العام المالى الحالى. لكن التقديرات تشير إلى أن عجز الموازنة الحقيقى قد يصل إلى حوالى ٢٥٠ مليار جنيه، مما يعنى حاجة الحكومة لاقتراض حوالى ٣٥٠ مليار جنيه فى العام المالى الحالى. ولو اعتبرنا أن المرحلة الانتقالية ستطول لسنة ونصف حتى نهاية ٢٠١٤، فإن الحكومة ستحتاج لاقتراض حوالى ٥٠٠ مليار جنيه داخليا وخارجيا لسد العجز وسداد الديون المستحقة.
وبالنظر إلى الاحتياطى، نجد أن معدل التآكل الناتج عن استخدام البنك المركزى للاحتياطى للدفاع عن الجنيه، فى وقت تتراجع فيه عوائد السياحة والاستثمار الأجنبى من الدولار، يصل إلى حوالى مليار دولار شهريا. لكن مع استمرار التدهور الاقتصادى قد يزيد معدل التآكل ليصل إلى ١٫٥ مليار دولار شهريا. ولذلك فإن الاقتصاد سيحتاج فى المرحلة الإنتقالية (يوليو ٢٠١٣ ــ ديسمبر ٢٠١٤) حوالى ٢٥ مليار دولار لدعم الاحتياطى. وهذا الرقم هو توقع مبدئى وقد يزيد لو زاد تعقد الوضع السياسى، وبطبيعة الحال لابد من تمويل هذا الرقم خارجيا لتوفير العملة الصعبة.
  بناء على ذلك، يحتاج الاقتصاد حوالى ٢٥ مليار دولار من المساعدات الخارجية فى المرحلة الانتقالية الجديدة. وهذا من شأنه دعم الاحتياطى للدفاع عن الجنيه وكذلك تقليل العبء عن كاهل البنوك المحلية والتى عليها توفير باقى احتياجات الحكومة التمويلية.

ثالثا: هل يمكن توفر هذا الحجم الكبير من المساعدات فى الفترة القادمة؟
 ما إن دخلت مصر المرحلة الانتقالية الجديدة إلا وسارعت بعض الدول الخليجية لتقديم المساعدات لمصر والتى بلغت ١٤ مليار دولار تعهدت بها السعودية والكويت والإمارات. وتغطى هذه المساعدات بالفعل حوالى نصف ما يحتاجه الاقتصاد خارجيا فى المرحلة الانتقالية الجديدة. وبالنظر للمرحلة السابقة، نجد أن المساعدات التى قدمتها الدول الحليفة فى بداية المرحلة لحقها مساعدات أخرى فيما بعد. ولذلك فمن المتوقع أن حزمة المساعدات الأولى سيعقبها مساعدات أخرى لاحقا.

ونظرا لاعتماد الاقتصاد فى هذه المرحلة على المساعدات الخارجية يستشرف الناس أخبارها باهتمام بالغ. وقد تلقت مصر بالفعل جزءا من المساعدات السعودية والإماراتية بلغت حوالى ٥ مليار دولار. وطبقا لمواقف هذه الدول حتى الآن، فإنه من المتوقع الوفاء بالمساعدات المتفق عليها، بل أيضا أن تزيد هذه المساعدات فى الفترة القادمة.

الخلاصة أن المرحلة الانتقالية لها تكلفة اقتصادية وفى ظل انخفاض السيولة والاحتياطى مقارنة ببداية ٢٠١١، أصبح لا مفر من الإعتماد الكبير على المساعدات الخارجية. ومن المتوقع أن يحتاج الاقتصاد حوالى ٢٥ مليار دولار من المساعدات الخارجية لدعم الاحتياطى وتمويل احتياجات الحكومة. وقد تم بالفعل التعهد بتقديم مساعدات بلغت ١٤ مليار دولار، متوقع زيادتها لاحقا لتغطية الفجوة المطلوبة. لكن للتذكرة، هذه المساعدات رغم كونها مسكنات هامة لتحمل تكلفة المرحلة الانتقالية إلا أنها لا تبنى اقتصادا ولا تحقق تنمية.

عمر الشنيطي
14 سبتمبر 2013
نُشر هذا المقال فى "جريدة الشروق"

Friday, August 30, 2013

حتى لا ينهار الاقتصاد

أصبح الكلام عن الأزمة الاقتصادية فى مصر أمرا شائعا بين عوام الناس وليس فقط المتخصصين. فالأزمة الحالية متصاعدة ويشعر بها الجميع، وعلى الرغم من كونها أزمة اقتصادية بالأساس وليست مالية، فإن تصاعد هذه الأزمة الاقتصادية سيهدد القطاع المالى بمرور الوقت مما ينذر بأزمة كبيرة قد تصيب الاقتصاد على المدى المتوسط. لذا فمن الضرورى أن يتخذ من يحكم مصر إجراءات سياسية واقتصادية عاجلة، حتى لا ينهار الاقتصاد.

إذا نظرنا إلى الوضع الاقتصادى، نجد أن تراكمات العقود السابقة والمرحلة الانتقالية الحرجة التى تخوضها البلاد منذ ٢٠١١ قد دفعت الاقتصاد إلى حالة من الركود التضخمى، حيث تعانى المؤشرات الاقتصادية الكلية من تراجع كبير كانخفاض معدل نمو الناتج القومى وارتفاع نسبة البطالة نتيجة الاضطرابات السياسية وتراجع النشاط الاقتصادى. كما واكب ذلك تضخما كبيرا نتيجة انخفاض قيمة الجنيه مع عدم وجود تحسن فى توزيع الدخل على المواطنين مقارنة بما قبل ٢٠١١.

وتزداد حدة الأزمة الاقتصادية بمرور الوقت مما قد يؤدى إلى أزمة فى القطاع المالى والتى ستزيد من تعقيد الوضع الاقتصادى بالتأكيد. ومن المرجح أن ينخفض النمو الاقتصادى نتيجة ذلك والذى بدوره سيؤدى إلى ارتفاع البطالة، فى حين وجود ضغط كبير على الجنيه مؤديا إلى انخفاضه وبالتالى زيادة معدلات التضخم. وذلك سيدفع من تبقى من المستثمرين إلى الخروج من السوق وكذلك هجرة الكثير من الخبرات.

لكن الأخطر من ذلك هو ما قد يلحق بالقطاع المصرفى من جراء ذلك. فاستمرار التدهور الاقتصادى سيزيد من عجز الموازنة ويزيد عبء التمويل على كاهل البنوك المحلية التى تمول الجزء الأكبر من هذا العجز. وهذا من شأنه خفض مستوى السيولة لدى البنوك، مما قد يدفع الناس فى ظل حرب الشائعات إلى الهرولة للبنوك لسحب أموالهم مما قد يهدد القطاع المصرفى. وعلى الرغم من قدرة البنك المركزى على التدخل فى السوق واحتواء احتمالية إفلاس البنوك فإن ذلك التدخل سيكون له آثار تضخمية كبيرة.
قد يظن بعض المتفائلين أن ما قد سبق ذكره من احتمالات ونتائج انهيار الاقتصاد غير واقعية لكن من يتأمل المؤشرات الكلية فى مصر وتجارب الدول المختلفة يعى جيدا أن الانهيار الاقتصادى فى مصر محتمل جدا، خاصة مع استمرار الاضطرابات السياسية وعدم اتخاذ إجراءات اقتصادية جذرية. من المهم ألا يستمر الجدل حول من المسئول عن هذا التدهور الاقتصادى، فوصول الوضع لهذا الحال بالتأكيد نتيجة تراكمات عقود ولكن الأهم الآن هو كيفية التعامل مع هذا الوضع الحرج، حتى لا ينهار الاقتصاد.

لابد من إدراك أن هذه الأزمة الاقتصادية فى جوهرها أزمة سياسية، فهى ناتجة عن الاضطرابات السياسية منذ ٢٠١١ وإن كان الكثير من أمراضها ظلت كامنة لعقود. لذلك لا أمل فى وجود حل للوضع الاقتصادى الراهن بدون تسوية للوضع السياسى والذى يتطلب مصالحة وطنية حقيقية تتم بشكل عادل ومستدام يضمن وجود لاعبين سياسيين متنوعين فى المشهد وهو ما سيؤدى لتوقف الاحتجاجات فى الشارع والمضى قدما فى تنفيذ خارطة الطريق من دستور لانتخابات، وإن لم تكن غاية أحلام الكثيرين.

على الصعيد الاقتصادى، تفرض حالة الركود التضخمى هدف الإنعاش الاقتصادى كأولوية قصوى فى التعامل مع الأزمة الاقتصادية، ولكن لابد من إدراك أن أحداث ٣٠ يونيو وما ترتب عليها وما أعقابها من جدل محلى ودولى حول شرعية النظام الجديد سيجعل من الصعب الاستعانة بالدعم الخارجى سواء من المؤسسات المالية العالمية العامة أو الخاصة فى الأجل القصير. لذلك فعلى من يحكم مصر أن يعى أن عليه الاعتماد على الموارد الداخلية وكذلك الاستعانة بالدول الخليجية الداعمة لمصر فى هذه المرحلة.

وبناءً على ذلك، يجب تبنى أربعة توجهات رئيسية لإنعاش الاقتصاد:

أولا: إعادة تمويل جزء من الديون المحلية من مصادر خارجية عن طريق طرح سندات حكومية دولارية تشتريها الدول الخليجية الداعمة لمصر الآن، حيث يتم الآن تمويل الجزء الأكبر من هذه الديون من خلال البنوك المحلية مما يثقل كاهلها. لذلك فإعادة تمويل الديون خارجيا من شأنة ضخ مليارات من الدولارات فى القطاع المصرفى لإحداث رواج اقتصادى يقلل من أثر الركود.

ثانيا: تبنى سياسية نقدية توسعية من قبل البنك المركزى بخفض سعر الفائدة مما سيؤدى إلى تشجيع الاستثمار فى الأسواق وكذلك خفض بند خدمة الدين فى موازنة الحكومة.
ثالثا: تشجيع الاستثمار المحلى عن طريق إعطاء مزايا تمويلية وضريبية للشركات ورجال الأعمال المصريين للتوسع فى المشروعات القائمة وبدء مشروعات جديدة.

رابعا: طرح مشروعات اقتصادية قومية عملاقة فى مجالات البنية التحتية والطاقة والنقل والصناعات الثقيلة والاتفاق مع الدول الخليجية الداعمة لمصر الآن على تمويل هذه المشروعات عن طريق الاستثمار المباشر وليس عن طريق الإقراض. وهذا من شأنه تحريك عجلة الاقتصاد وخلق فرص عمل جديدة فى القريب العاجل.
على التوازى من ذلك، قد يكون من الحكمة إصدار بعض القوانين المتعلقة بالعدالة الاجتماعية لاستيعاب مطالب التيار الثورى الغاضب وإحداث بعض الاستقرار.

الخلاصة أن الأزمة الحالية مازالت أزمة اقتصادية ولم تلحق بعد بالقطاع المالى، لكن الاضطرابات السياسية وتصاعد حدة الأزمة الاقتصادية قد يحدث أزمة فى القطاع المالى مما سيدخل الاقتصاد فى وضع شديد الخطورة. لذلك على من يحكم مصر أن يسارع بحل الأزمة عن طريق إحداث استقرار سياسى عادل ومستدام الى جانب سرعة البدء فى إنعاش الاقتصاد من خلال الإعتماد على الموارد الداخلية والاستعانة بالدول الخليجية الداعمة لمصر الآن، حتى لا ينهار الاقتصاد.

عمر الشنيطي
30-أغسطس-2013
نُشر هذا المقال فى "جريدة الشروق"

Saturday, August 17, 2013

أزمة مصر اقتصادية وليست مالية

بعد عامين ونصف من المخاض السياسى، يعانى الاقتصاد المصرى من أزمة تزداد حدتها مع تعقد الأوضاع السياسية والتى وصلت إلى وضع متأزم. و على الرغم من تصاعد حدة الأزمة الاقتصادية التى يعانى منها الاقتصاد الحقيقى إلا أن القطاع المالى مازال حتى الآن فى مأمن من هذا التدهور المتسارع.
يطلق مصطلح الأزمة الاقتصادية على إصابة الاقتصاد الحقيقى بالتباطؤ فى النمو والذى قد يؤدى فى بعض الأحوال إلى إنكماش الاقتصاد. وينعكس ذلك عادة على ارتفاع معدلات البطالة ليدخل الاقتصاد فى حالة من الركود. وقد يتزامن ذلك مع ارتفاع فى الأسعار لأسباب مختلفة قد يكون منها تدهور العملة والذى يؤدى إلى ركود تضخمى.
على الصعيد الآخر، يطلق مصطلح الأزمة المالية على إصابة القطاع المالى بأزمة تؤدى إلى انخفاض حاد فى قيمة الأصول المالية مثل العقارات أو الأسهم أو القروض المصرفية. عادة ما يأتى هذا الانخفاض نتيجة وجود فقاعة فى السوق تشهد خلالها أسعار الأصول المالية ارتفاعات غير منطقية ثم تنهار بعد ذلك. وقد تنخفض قيمة الأصول المالية أيضا نتيجة الركود الاقتصادى وانخفاض الطلب بشكل عام.
دائما ما يخلط الناس بين الأزمة الاقتصادية والأزمة المالية لكنهما فى الواقع مختلفتان، حيث تضرب الأزمة الاقتصادية الاقتصاد الحقيقى من زراعة وصناعة وتجارة بينما تضرب الأزمة المالية الأصول المالية المختلفة. وقد يعانى الاقتصاد من وقت لآخر من إحدى الأزمتين لكنهما قلما تتزامنا. وفى حالة تزامنهما، فإن الاقتصاد يمر بوضع حرج قد يحتاج لإجراءات استثنائية.
إذا نظرنا إلى حال مصر، نجد أن الاقتصاد يواجه أزمة اقتصادية منذ ثورة يناير ٢٠١١ تزداد بمرور الوقت بسبب عدم الاستقرار السياسى والاعتصامات المستمرة التى عرقلت عملية الإنتاج ورفعت من خطورة الاستثمار ودفعت السياحة للركود، مما أدى إلى تباطؤ النمو وارتفاع البطالة خلال العامين ونصف المنصرمين.
وقد أدى ذلك إلى زيادة كبيرة فى عجز الموازنة والتى اعتمدت الحكومة فى تمويله على الاقتراض المحلى مما أثقل كاهل البنوك المحلية التى توجه جزءا كبيرا من مواردها لتمويل عجز الموازنة على حساب تمويل المشرعات و هو ما يزيد بدوره من حدة الركود. وقد صاحب ذلك الركود تضخما كبيرا بسبب انخفاض قيمة الجنيه.
لكن على الرغم من الأزمة الاقتصادية المتصاعدة إلا أن القطاع المالى ما زال بحالة جيدة حيث إن الأصول المالية من عقارات وأسهم فى البورصة وقروض مصرفية يتم تداولها بأسعار منطقية، بل فى كثير من الأحوال بأسعار منخفضة مما يجعل وجود فقاعة على وشك الانهيار احتمالا ضعيفا.
وإذا نظرنا إلى القطاع المصرفى باعتباره أحد المصادر المحتملة للأزمة المالية، نجد أن المؤشرات الكلية للقطاع طبقا لبيانات البنك المركزى فى الربع الثانى من ٢٠١٣ ما زالت فى نطاق مطمئن حيث تبلغ القروض المتعثرة ١٠٪ من إجمالى القروض ومخصصات القروض ٩٧٪ من إجمالى القروض المتعثرة، مما يعنى أن القروض المتعثرة مغطاة بالكامل عن طريق المخصصات ولا يوجد قلق حقيقى من مخاطرها.
بشكل كلى، نجد أن إجمالى أصول القطاع المصرفى بلغت حوالى ١٬٥٥٠ مليار جنيه يتم تمويلها عن طريق ودائع بنسبة ٧٤٪ ورأس مال ومخصصات للبنوك بنسبة ٢٦٪. ويتم استخدام هذه الأصول فى تمويل عجز الموازنة من خلال السندات والأذونات الحكومية بنسبة ٤٢٪ وتمويل الشركات والأفراد من خلال القروض بنسبة ٣٥٪ (و هو ما يجعل القروض تمثل ٤٨٪ من إجمالى الودائع، بينما يتم استثمار النسبة المتبقية البالغة ٢٣٪ فى أصول أخرى أغلبها ذات طبيعة سائلة).
من ناحية أخرى، بلغت مجمل الودائع فى القطاع المصرفى حوالى ١٬١٥٠ مليار جنيه (٧٤٪ من إجمالى الأصول) و هى موزعة بين ودائع حكومية بنسبة ١١٪ وودائع لقطاعى الأعمال العام والخاص بنسبة ٢٠٪ وودائع للأفراد بنسبة ٦٩٪، وبالتالى فإن ودائع الأفراد تمثل ٥١٪ من إجمالى أصول القطاع المصرفى والجزء الأكبر من هذه الودائع مربوط فى حسابات توفير وودائع آجلة.
بناء على ذلك، يمكن القول بأن القطاع المصرفى فى وضع آمن مما يجعل دخول الاقتصاد فى أزمة مالية فى المستقبل القريب احتمالا ضعيفا. ولعل السبب فى ذلك هو التوجه المتحفظ الذى ينتهجه القطاع المصرفى وعملية إعادة الهيكلة التى حدثت فى العديد من البنوك قبل ٢٠١١ مما أوصل القطاع المصرفى إلى وضع جيد جعله قادرا على تحمل العبء الأكبر من تمويل عجز الموازنة.
وعلى الرغم من التدهور الاقتصادى المتوقع فى الفترة القادمة إلا أن القطاع المصرفى ما زال لديه القدرة على تمويل عجز الموازنة على المدى القصير وحتى المتوسط. لذلك فما يتم إثارته مؤخرا عن إفلاس البنوك وضياع حقوق المودعين لا أساس له من الصحة، حيث يضمن البنك المركزى ودائع البنوك كاملة ومن غير المنطقى أن يقف عاجزا أمام أزمة سيولة فى الجنيه وهو الجهة المصدرة له ولديه العديد من الأدوات للتدخل والتحكم فى الكمية المعروضة منه فى السوق.
الخلاصة أن الاقتصاد يعانى من أزمة اقتصادية بسبب عدم الاستقرار السياسى مما دفع الاقتصاد للدخول فى حالة من الركود التضخمى والتى تزداد حدته بمرور الوقت وتعقد الوضع السياسى خاصة بعد ٣٠ ــ يونيو. لكن هذا التدهور لم يصب القطاع المالى الذى ما زال متماسكا بسبب السياسية المتحفظة للقطاع المصرفى لسنوات ما قبل ٢٠١١ مما أعطاه القدرة على تحمل أعباء تمويل عجز الموازنة وأعفى الاقتصاد من مشقة مواجهة أزمة مالية فى المستقبل القريب.
عمر الشنيطي
17-أغسطس-2013
نُشر هذا المقال فى "جريدة الشروق"

Saturday, August 3, 2013

مصر: إلى اليسار

لكل نظام اقتصادى تحيزاته وهى التى تشكل الخيارات الاستراتيجية لهذا النظام. فالنظام الاشتراكى يعظم من دور الدولة فى توجيه النشاط الاقتصادى ويعمل على تقليل الفجوة بين طبقات المجتمع. بينما يعطى النظام الرأسمالى مساحة أقل للدولة فى توجيه النشاط الاقتصادى ولا يمانع وجود فجوة كبيرة بين الطبقات. ويأتى النظام المختلط بين هذا وذاك ليوازن بين أهداف النظامين الاشتراكى والرأسمالى فى آن واحد.
وقد شهد الاقتصاد المصرى تطورا كبيرا خلال العقود السابقة حيث تبنى الاقتصاد تصورا اشتراكيا يميل إلى أقصى اليسار فى عهد عبدالناصر فتضخم دور الدولة فى النشاط الاقتصادى وتم تأميم الشركات.
أما فى عهد السادات، اتجه الاقتصاد يمينا متبنيا اتجاها رأسماليا مع سياسية الانفتاح الاقتصادى. ثم جاء عهد مبارك استمرارا لسياسة السادات، فزاد التوجه اليمينى وضعف دور الدولة الاقتصادى خاصة مع تطبيق برنامج الخصخصة. ولم تشهد الفترة الانتقالية منذ ثورة يناير ٢٠١١ تغييرا يذكر فى توجه الاقتصاد مقارنة بعهد مبارك.
الآن وبعد الـ٣٠ من يونيو، يقف الاقتصاد أمام مفترق طرق ما بين الاستمرار فى التوجه يمينا أو تغيير الاتجاه والتوجه يسارا. وفى ظل الوضع السياسى الحالى وتتابع الأحداث فإنه من المرجح أن يتوجه الاقتصاد يسارا. وهناك سبعة عوامل رئيسية تدعم ذلك:
أولا: شهدت السنوات الأخيرة التى سبقت ثورة يناير ٢٠١١ تفاوتا كبيرا فى دخول الطبقات المختلفة فازداد الأغنياء غنى والفقراء فقرا. وقد بات ذلك واضحا فى شعور الناس بعدم عدالة التوزيع.
ثانيا: قامت ثورة يناير ٢٠١١ وعلى رأس مطالبها «العيش» و«العدالة الاجتماعية» حيث توقع الشعب الثائر تغيرات كبيرة فى توجه الدولة من خلال اصدار قوانين عادلة فى هذا الإطار. لكن ذلك لم يحدث خلال الفترة الانتقالية.
ثالثا: شهد العام الماضى تنصيب أول رئيس مدنى منتخب والذى واجهته الكثير من التحديات السياسية والاقتصادية التى انتهت بعزله. لكن بعيدا عن الشق السياسى، فإن العام الماضى شهد تدهورا اقتصاديا تحملت آثاره الطبقات الفقيرة فى المجتمع بسبب التضخم الناتج عن تدهور سعر صرف الجنيه.
رابعا: المشكلة الاقتصادية الأكبر التى ظهرت خلال العام الماضى هى عدم قدرة النظام الحاكم على تقديم تصور واضح لإدارة الاقتصاد، إلى جانب الاضطرابات السياسية التى لم تتوقف، فأبقى النظام الحاكم على التوجه الاقتصادى دون تغيير حتى بدا وكأنه امتدادا لسياسات مبارك الاقتصادية.
خامسا: أبرزت الأحداث والمواقف السياسية فى العامين الماضيين صحوة ملحوظة للتيار اليسارى على اختلاف مجموعاته ورموزه. وسيلعب هذا التيار ــ خاصة الجزء الثورى منه ــ دورا معارضا للنظام. والتيار اليسارى بطبيعة طرحه لديه القدرة على كسب تأييد الشارع ولذلك سيكون على النظام استيعابه.
سادسا: النظام الجديد يزعم أنه يكتسب شرعيته من الشعب ولذلك سيكون فى حاجة لتقديم بعض المكاسب السريعة لهذا الشعب والذى ينتظر الكثير بعد تدهور وضعه الاقتصادى والاجتماعى حيث يتطلع لرؤية تحول فى توجه الدولة الاقتصادى.
سابعا: الجيش المصرى ليس فقط مؤسسة عسكرية بل منظومة كاملة، حيث يمتلك ويدير عدة أنشطة اقتصادية مؤثرة. ومع تنامى دور الجيش السياسى بعد ٣٠ يونيو، فإنه من المتوقع أن يبرز دوره الاقتصادى أيضا، سواء من حيث الإنتاج أو التوزيع. وهذا التوجه يزيد من دور الدولة الاقتصادى، حتى لو من خلال أحد مؤسساتها وليس مباشرة من خلال الوزارات المعنية.
هذه العوامل تجعل من المرجح توجه الاقتصاد يسارا فى الفترة القادمة استيعابا للشعب الساخط الذى ينتظر مكاسب سريعة بعد تراكمات عقود تبعهما عامان من الألم. وتبنى توجه يسارى لا يعنى أن هذا هو التوجه الأفضل للاقتصاد على المدى البعيد أو التوجه المفضل لدى النظام الجديد، لكنه سيأتى انعكاسا للوضع السياسى المعقد لكى يعمل كصمام أمان سياسى واجتماعى على المدى القصير.
مع ذلك وعلى الرغم من توقع توجه النظام الاقتصادى يسارا إلا أن سيولة الوضع تفرض الكثير من التساؤلات:
أولا: مع رجوع رجال مبارك للسلطة من جديد ومع العلم بتوجههم اليمينى، فهل سيدركون المتطلبات السياسية والاجتماعية فيتجه النظام يسارا لاستيعاب مطالب الشارع ومنح الشعب مكاسب سريعة؟ أم سيتشبث النظام بفكره اليمينى فيخرج الناس عليه حتى يدرك أهمية تغيير التوجه؟
ثانيا: إذا أدرك النظام أهمية التوجه يسارا، فإلى أى مدى سيطبق ذلك التوجه؟ وهل سيتبنى النظام تصورا اشتراكيا كاملا؟ أم سيحافظ على توجه الاقتصاد اليمينى مع إضافة نكهة يسارية فى ما سيؤدى إلى نظام مختلط؟
ثالثا: هل التوجه اليسارى سيكون تصورا أصيلا سيتبناه النظام لعقود قادمة؟ أم أنه سيكون مناورة تكتيكية قصيرة المدى لاستيعاب الوضع السياسى فقط؟
رابعا: إذا أدرك النظام أهمية التوجه يسارا وبدأ العمل على ذلك بشكل موسع، فكيف سيتعامل مع رجال الأعمال خاصة المنتمين للنظام القديم والذين يشكلون أحد ركائز هذا النظام العميق؟
الخلاصة أن التراكمات الاقتصادية التى عانت منها مصر لعقود ما قبل ثورة يناير ٢٠١١ والتطورات السياسية التى شهدتها مصر منذ تلك الثورة وحتى الآن تجعل من المرجح تغير التوجه الاقتصادى إلى اليسار لمواكبة واحتواء الوضع.

وهذا التوجه قد لا يكون الأفضل لمصر اقتصاديا على المدى البعيد، لكنه قد يكون ضرورة سياسية واجتماعية على المدى القصير. وعلى النظام الجديد ــ أيا كان توجهه ــ استيعاب هذا الوضع المعقد الذى سيحتم عليه التوجه يسارا إلى جانب تحديد طبيعة التوجه الجديد وتدبر كيفية إدارة هذا التحول بشكل فعال.
عمر الشنيطي
3-أغسطس-2014
نُشر هذا المقال فى "جريدة الشروق"

Saturday, July 20, 2013

٣٠ يونيو: واقع اقتصادي و ثلاثة أسئلة

شهدت مصر عاصفة سياسية يوم ٣٠ يونيو، حيث خرج الملايين معترضين على سياسة النظام ومطالبين الجيش بالتدخل. وما هى إلا ساعات حتى تدخل الجيش معلنا بداية مرحلة انتقالية جديدة.
واختلف المحللون عما إذا كانت ثورة شعبية أم انقلابا عسكريا أم خليطا من هذا وذاك، مما أحدث جدلا كبيرا داخليا وخارجيا. وليس الهدف من المقال الدخول فى ذلك الجدل، بل التحدث عن ما هو آت على الصعيد الاقتصادى.
تزامنت هذه العاصفة مع انفراجة غير مبررة لعدد من الأزمات مثل البنزين والكهرباء، كما تلقت مصر بعدها بساعات حزمة من المساعدات والقروض الميسرة من السعودية والكويت والإمارات تبلغ ١٢ مليار دولار. وقد دفع ذلك البعض للاعتقاد بأن الأزمة الاقتصادية قد انتهت.
لكن واقع الاقتصاد المصرى أكثر تعقيدا من ذلك. فعلى الرغم من كونه اقتصادا متنوعا ولديه قدرة على التعافى إلا أنه يعانى من مشاكل هيكلية تراكمت على مدى عقود، حيث يعانى الاقتصاد من عجز مزمن فى الموازنة بسبب ترهل جهاز الدولة الإدارى وعدم فاعلية منظومة الدعم وارتفاع تكلفة الديون. وقد زادت حدة هذه المشاكل خلال العام الماضى، كما صاحبها تضخم كبير مدفوعا بانخفاض قيمة الجنيه.
لذلك فإن الدعم الخليجى سيلعب دور المسكن، حيث سيعمل على توفير المواد البترولية الرئيسية وزيادة احتياطى النقد الأجنبى مما سيساعد على السيطرة على سعر الصرف، معطيا فرصة للاقتصاد للصمود حتى رجوع السياحة والاستثمارات لسابق عهدها. لكن لا يمكن أن ينهى هذا الدعم الأزمة الاقتصادية والتى تحتاج عملية تحول اقتصادى شامل. ومن ناحية أخرى، هناك ثلاثة أسئلة تطرحها الأحداث الأخيرة:
أولا: هل ما حدث انقلاب أم ثورة؟
لو تم اعتبار ما حدث انقلابا عسكريا فإن احتمالية حدوث انقلاب عسكرى آخر أو ثورة شعبية أو أعمال عنف منظمة تكون مرتفعة بناء على تجارب الكثير من الدول التى شهدت انقلابات من قبل. وهذا التصور من شأنه أن يزيد من مخاطر الاستثمار فى مصر ويدفع التصنيف الائتمانى لمزيد من التدهور مما يؤدى إلى إحجام الاستثمار والتمويل الأجنبى وسيحد من قدرة القطاع السياحى على التعافى.
وسيدفع ذلك مصر لزيادة الاعتماد على المال السياسى وإن تغيرت مصادره. وعلى الرغم من العرفان لكل من يدعم مصر إلا أن الاعتماد على المال السياسى له آثار سياسية سلبية. كما أن هذا الدعم وحده لا يقضى على الأزمة الاقتصادية بل فقط يعطيها مسكنات تزيد من حدة الأزمة على المدى البعيد. أما إذا تم الاعتراف بأنها ثورة شعبية فهذا سيجعل تعافى الاقتصاد أسهل لكن درجة التعافى سترتبط بعوامل أخرى كما سيرد لاحقا.
ثانيا: من سيحكم مصر؟
قد يحكم مصر فلول نظام مبارك أو يحكم العسكر ولو من وراء حجاب أو يظهر نظام جديد يلبى مطالب الحراك الشعبى. فإن كان رجال مبارك، فذلك يعيدنا للدولة البوليسية وكبت الحريات والسيطرة على الاقتصاد من قبل مجموعة قليلة من رجال الأعمال المنتمين للنظام مما يجعل السوق أشبه ما تكون بسوق احتكارية وإن تزينت بسمات الأسواق الحرة ظاهريا.
من المرجح أن يبقى هذا النظام على كثير من موروثات نظام مبارك الاقتصادية فيزيد الدعم لكن تختفى العدالة الاجتماعية الحقيقية ويتزاوج المال بالسلطة من جديد. وهذه السمات من شأنها تقليل المنافسة وتحجيم الأسواق وحجب الاستثمارات الخاصة على حساب المال السياسى والذى لا يؤدى إلى تنمية فعالة. وذلك قد يدفع لحراك شعبى آخر، خاصة بعد أن عرف الناس الطريق للميادين.
أما إذا أفضى الوضع إلى وجود نظام جديد يحقق مطالب الناس ويقوده أصحاب الكفائة من ذوى الخبرة والشباب معا، فإن ذلك من شأنه استيعاب مطالب الناس وإعطاء ثقة للمؤسسات المالية والمستثمرين.
ثالثا: كيف سيكون الاقتصاد؟
قد يتبنى النظام الجديد توجها اشتراكيا أو رأسماليا أو مختلطا يجمع بين الاثنين. وهذا الأمر مهم جدا، فالخروج من وضع الاقتصاد الحرج يحتاج إلى عملية تحول تشمل إعادة هيكلة للجهاز الحكومى ومنظومة الدعم وميزانية الحكومة. قد تحتاج هذه العملية فترة طويلة وسيكون لها تكلفة اجتماعية ومعارضة شعبية، لكن يمكن تنفيذها عن طريق عدة أساليب بناء على تحيزات النظام.
فإذا تبنى النظام توجها اشتراكيا فأخذ يرفع الضرائب ويفرض الكثير من العوائق على القطاع الخاص بينما يزيد من الدعم والرواتب، فإن ذلك سيؤدى إلى تصد كبير من القطاع الخاص لكن ربما يحصل على تأييد شعبى كبير، أما إذا تبنى النظام توجها رأسماليا فأخذ يخفض الدعم والرواتب بينما يزيد من محفزات القطاع الخاص.
فإن ذلك سيؤدى إلى معارضة شعبية واسعة بسبب اتساع الفجوة بين طبقات المجتمع مما قد يؤدى إلى سقوط النظام. أما إذا تبنى النظام تصورا متوازنا، فربما يستطيع النهوض بالاقتصاد مع استيعاب الأطراف المختلفة.
قد يظن المتابع للأحداث أن إجابات هذه الأسئلة واضحة، لكن سيولة الوضع وتسارع الأحداث تجعل من عدم الحكمة تصور وجود إجابات جازمة، حتى وإن كانت هناك بوادر لا يمكن تجاهلها. ما نعرفه الآن هو أننا لا نعرف على وجه الدقة شكل النظام السياسى والاقتصادى الذى سيتبناه النظام الجديد ومن الواجب الإسراع فى حسم هذه القضايا المحورية.
عمر الشنيطي
20 - يوليو 2013
نُشر هذا المقال فى "جريدة الشروق"

Sunday, July 7, 2013

الموارد المحلية ثم الاقترض ثم بيع الأصول

لم تكن مصر الدولة الأولى التى تمر بمحاولة تحول اقتصادى للتغلب على مشاكلها الاقتصادية المزمنة حيث مرت دول عديدة من قبل بتحول ديمقراطى عادة ما يواكبه تحول اقتصادى كما حدث فى أمريكا الجنوبية وأوروبا الشرقية. ولعل مما يثير الدهشة أن الكثير من هذه الدول لاسيما الدول المحدودة فى مواردها الطبيعية مرت بنفس التسلسل فى تطورها الاقتصادى، يمكن تلخيصه فى ثلاث مراحل بداية من الاعتماد على موارد الدولة مرورا بالاعتماد على الاقتراض وانتهاء بالاعتماد على بيع أصول الدولة.

المرحلة الأولى: الاعتماد على موارد الدولة حيث تأتى القيادات الجديدة بعد التغيرات السياسية الحرجة فتتحدث عن الفساد الذى استشرى لعقود وعن إمكانية توفير هذه الموارد واستخدامها لتمويل برنامج تحول اقتصادى متكامل يحدث طفرة حقيقية فى الدخل وتوزيعه. وعادة ما يتم الحديث عن موارد مهدرة تقدر بالمليارات مما يوحى بأنها تكفى لتمويل برنامج التحول الاقتصادى بدون الحاجة لعلاج جذرى للمشاكل الاقتصادية الهيكلية.

لكن سرعان ما تتبدد هذه الأحلام بعد الاصطدام بالواقع المرير بسبب المبالغة فى تقدير حجم الموارد المهدرة والأهم بسبب عدم الخبرة فى إدارة مؤسسات الدولة بل والتصدى للتغيير من داخل هذه المؤسسات فى بعض الأحيان. لكن بعض الدول استطاعت الاعتماد على مواردها بسبب كثرة هذه الموارد أو بسبب قدرة الحكام الجدد على إعادة هيكلة الجهاز الحكومى واستغلال تلك الموارد. وإن لم تستطع الدولة فعليها الانتقال للمرحلة الثانية.
  
المرحلة الثانية: الاعتماد على الاقتراض وخاصة الخارجى حيث يتصور الحكام أن الدولة لديها القدرة على النهوض من كبوتها وتحقيق نمو اقتصادى مستدام لكن تحتاج إلى دفعة قوية من التمويل حتى يتم تدوير عجلة الإنتاج. ويعتقد الحكام أن العالم سيقبل على تمويلهم لكن سرعان ما يكتشفوا أن المؤسسات المالية الخاصة ترى مخاطر جمة فى تمويل هذه الدولة فى ظل وضعها الاقتصادى المعقد وتطالبها بتبنى برنامج إصلاح اقتصادى شامل يشرف على تنفيذه مؤسسة دولية مستقلة مثل صندوق النقد.

تدخل صندوق النقد دائما يكون أصعب مما يظنه الحكام حيث يطالب الصندوق بإجراءات جذرية غير شعبوية عادة ما يصعب تطبيقها خاصة فى حالات عدم الاستقرار وينتهى الوضع مع الصندوق بعدم الإتفاق أو بإتفاق لا يتم تنفيذه. لكن بعض الدول استطاعت الاعتماد على الاقتراض بسبب قدرة الحكام الجدد على تنفيذ برنامج إصلاح اقتصادى حقيقى. وإن لم تستطع الدولة فعليها الإنتقال للمرحلة الثالثة.
  
المرحلة الثالثة: الاعتماد على بيع أصول الدولة سواءا للمستثمرين المحليين أو الأجانب حيث تزداد الحاجة لتمويل عجز الموازنة المتصاعد وتأمين الحاجات الأساسية للشعب. لكن بسبب حرج الوضع الاقتصادى تحجم المؤسسات عن التمويل عن طريق الاقراض وتفضل الحصول على أصول مقابل التمويل لضمان حقوقها فى حالة تردى الوضع الاقتصادى. وعادة ما يأتى بيع الأصول كآخر خيار نظرا لحساسيته. وعلى الرغم من الصورة الذهنية السلبية لبيع الأصول إلا أنه ليس بالضرورة سلبيا.

فإذا نظرنا إلى بيع الأصول نجد أنه قد يأخذ شكل بيع مباشر للأصول أو شكل خصخصة لشركات القطاع العام أو شكل تخصيص أراضى فى مدن عمرانية وصناعية جديدة أو فى شكل شراكة بين القطاع الخاص والعام لتنمية بعض المشروعات أو شكل إصدار سندات أو صكوك بضمان إيراد بعض الأصول والمشروعات أوغيرها من الأشكال.

قد يطال بيع الأصول قطاعات مختلفة منها ما هو استراتيجى للدولة ومنها ما هو أقل أهمية من حيث الأثر على الأمن القومى والنمو الاقتصادى. وقد يحدث بيع الأصول فى ظروف اقتصادية وسياسية مستقرة مما يتيح شروط جيدة فى عملية البيع. لكن على النحو الآخر فى ظل الظروف الحرجة، قد يتم البيع بشروط مجحفة. لذلك يجب الحكم على بيع الأصول بتعمق عن طريق النظر فى نوع الأصل وشكل البيع وتوقيته وشروطه.
  
إذا نظرنا لمصر منذ ٢٠١١ خاصة فى العام الأخير نجد أن الاقتصاد تدرج من الاعتماد على موارد الدولة والذى لم ينجح بسبب المبالغة فى تقدير حجم الموارد المهدرة وعدم الخبرة من ناحية والتصدى للتغيير من ناحية أخرى مما دفع بالاقتصاد للاعتماد على الاقتراض والذى تم التوسع فيه داخليا بشكل كبير وخارجيا من الدول الحليفة. لكن لم يتم الاتفاق مع صندوق النقد مما أضعف من قدرة مصر على الاقتراض من المؤسسات المالية العالمية المختلفة.  وقد دفع ذلك بمصر إلى بداية طريق بيع الأصول والذى أصبح لا مفر منه بسبب الوضع الاقتصادى الحرج من حيث ارتفاع عجز الموازنة وتسارع مستوى الدين الداخلى والخارجى. وسيعتمد بيع الأصول والحكم عليه بناء على الوضع السياسى العام وسرعة تدهور الاقتصاد وشكل بيع الأصول المتبع. 

والآن تقف مصر على مفترق طرق لا يُعرف نهايته بالتحديد وقت كتابة المقال، لكن سيؤدى بلا شك إلى دخول الاقتصاد المصرى فى وضع أكثر حرجا فى الفترة القادمة يصعب فيه الاعتماد على موارد الدولة كما أن فرص الاقتراض الخارجى قد تكون معدومة مما يجعل بيع الأصول هو التوجه المتاح بصرف النظر عمن بيده زمام الحكم على المدى القصير.


عمر الشنيطي
7-يوليو-2013
نُشر هذا المقال فى "جريدة الشروق"