Friday, August 30, 2013

حتى لا ينهار الاقتصاد

أصبح الكلام عن الأزمة الاقتصادية فى مصر أمرا شائعا بين عوام الناس وليس فقط المتخصصين. فالأزمة الحالية متصاعدة ويشعر بها الجميع، وعلى الرغم من كونها أزمة اقتصادية بالأساس وليست مالية، فإن تصاعد هذه الأزمة الاقتصادية سيهدد القطاع المالى بمرور الوقت مما ينذر بأزمة كبيرة قد تصيب الاقتصاد على المدى المتوسط. لذا فمن الضرورى أن يتخذ من يحكم مصر إجراءات سياسية واقتصادية عاجلة، حتى لا ينهار الاقتصاد.

إذا نظرنا إلى الوضع الاقتصادى، نجد أن تراكمات العقود السابقة والمرحلة الانتقالية الحرجة التى تخوضها البلاد منذ ٢٠١١ قد دفعت الاقتصاد إلى حالة من الركود التضخمى، حيث تعانى المؤشرات الاقتصادية الكلية من تراجع كبير كانخفاض معدل نمو الناتج القومى وارتفاع نسبة البطالة نتيجة الاضطرابات السياسية وتراجع النشاط الاقتصادى. كما واكب ذلك تضخما كبيرا نتيجة انخفاض قيمة الجنيه مع عدم وجود تحسن فى توزيع الدخل على المواطنين مقارنة بما قبل ٢٠١١.

وتزداد حدة الأزمة الاقتصادية بمرور الوقت مما قد يؤدى إلى أزمة فى القطاع المالى والتى ستزيد من تعقيد الوضع الاقتصادى بالتأكيد. ومن المرجح أن ينخفض النمو الاقتصادى نتيجة ذلك والذى بدوره سيؤدى إلى ارتفاع البطالة، فى حين وجود ضغط كبير على الجنيه مؤديا إلى انخفاضه وبالتالى زيادة معدلات التضخم. وذلك سيدفع من تبقى من المستثمرين إلى الخروج من السوق وكذلك هجرة الكثير من الخبرات.

لكن الأخطر من ذلك هو ما قد يلحق بالقطاع المصرفى من جراء ذلك. فاستمرار التدهور الاقتصادى سيزيد من عجز الموازنة ويزيد عبء التمويل على كاهل البنوك المحلية التى تمول الجزء الأكبر من هذا العجز. وهذا من شأنه خفض مستوى السيولة لدى البنوك، مما قد يدفع الناس فى ظل حرب الشائعات إلى الهرولة للبنوك لسحب أموالهم مما قد يهدد القطاع المصرفى. وعلى الرغم من قدرة البنك المركزى على التدخل فى السوق واحتواء احتمالية إفلاس البنوك فإن ذلك التدخل سيكون له آثار تضخمية كبيرة.
قد يظن بعض المتفائلين أن ما قد سبق ذكره من احتمالات ونتائج انهيار الاقتصاد غير واقعية لكن من يتأمل المؤشرات الكلية فى مصر وتجارب الدول المختلفة يعى جيدا أن الانهيار الاقتصادى فى مصر محتمل جدا، خاصة مع استمرار الاضطرابات السياسية وعدم اتخاذ إجراءات اقتصادية جذرية. من المهم ألا يستمر الجدل حول من المسئول عن هذا التدهور الاقتصادى، فوصول الوضع لهذا الحال بالتأكيد نتيجة تراكمات عقود ولكن الأهم الآن هو كيفية التعامل مع هذا الوضع الحرج، حتى لا ينهار الاقتصاد.

لابد من إدراك أن هذه الأزمة الاقتصادية فى جوهرها أزمة سياسية، فهى ناتجة عن الاضطرابات السياسية منذ ٢٠١١ وإن كان الكثير من أمراضها ظلت كامنة لعقود. لذلك لا أمل فى وجود حل للوضع الاقتصادى الراهن بدون تسوية للوضع السياسى والذى يتطلب مصالحة وطنية حقيقية تتم بشكل عادل ومستدام يضمن وجود لاعبين سياسيين متنوعين فى المشهد وهو ما سيؤدى لتوقف الاحتجاجات فى الشارع والمضى قدما فى تنفيذ خارطة الطريق من دستور لانتخابات، وإن لم تكن غاية أحلام الكثيرين.

على الصعيد الاقتصادى، تفرض حالة الركود التضخمى هدف الإنعاش الاقتصادى كأولوية قصوى فى التعامل مع الأزمة الاقتصادية، ولكن لابد من إدراك أن أحداث ٣٠ يونيو وما ترتب عليها وما أعقابها من جدل محلى ودولى حول شرعية النظام الجديد سيجعل من الصعب الاستعانة بالدعم الخارجى سواء من المؤسسات المالية العالمية العامة أو الخاصة فى الأجل القصير. لذلك فعلى من يحكم مصر أن يعى أن عليه الاعتماد على الموارد الداخلية وكذلك الاستعانة بالدول الخليجية الداعمة لمصر فى هذه المرحلة.

وبناءً على ذلك، يجب تبنى أربعة توجهات رئيسية لإنعاش الاقتصاد:

أولا: إعادة تمويل جزء من الديون المحلية من مصادر خارجية عن طريق طرح سندات حكومية دولارية تشتريها الدول الخليجية الداعمة لمصر الآن، حيث يتم الآن تمويل الجزء الأكبر من هذه الديون من خلال البنوك المحلية مما يثقل كاهلها. لذلك فإعادة تمويل الديون خارجيا من شأنة ضخ مليارات من الدولارات فى القطاع المصرفى لإحداث رواج اقتصادى يقلل من أثر الركود.

ثانيا: تبنى سياسية نقدية توسعية من قبل البنك المركزى بخفض سعر الفائدة مما سيؤدى إلى تشجيع الاستثمار فى الأسواق وكذلك خفض بند خدمة الدين فى موازنة الحكومة.
ثالثا: تشجيع الاستثمار المحلى عن طريق إعطاء مزايا تمويلية وضريبية للشركات ورجال الأعمال المصريين للتوسع فى المشروعات القائمة وبدء مشروعات جديدة.

رابعا: طرح مشروعات اقتصادية قومية عملاقة فى مجالات البنية التحتية والطاقة والنقل والصناعات الثقيلة والاتفاق مع الدول الخليجية الداعمة لمصر الآن على تمويل هذه المشروعات عن طريق الاستثمار المباشر وليس عن طريق الإقراض. وهذا من شأنه تحريك عجلة الاقتصاد وخلق فرص عمل جديدة فى القريب العاجل.
على التوازى من ذلك، قد يكون من الحكمة إصدار بعض القوانين المتعلقة بالعدالة الاجتماعية لاستيعاب مطالب التيار الثورى الغاضب وإحداث بعض الاستقرار.

الخلاصة أن الأزمة الحالية مازالت أزمة اقتصادية ولم تلحق بعد بالقطاع المالى، لكن الاضطرابات السياسية وتصاعد حدة الأزمة الاقتصادية قد يحدث أزمة فى القطاع المالى مما سيدخل الاقتصاد فى وضع شديد الخطورة. لذلك على من يحكم مصر أن يسارع بحل الأزمة عن طريق إحداث استقرار سياسى عادل ومستدام الى جانب سرعة البدء فى إنعاش الاقتصاد من خلال الإعتماد على الموارد الداخلية والاستعانة بالدول الخليجية الداعمة لمصر الآن، حتى لا ينهار الاقتصاد.

عمر الشنيطي
30-أغسطس-2013
نُشر هذا المقال فى "جريدة الشروق"

Saturday, August 17, 2013

أزمة مصر اقتصادية وليست مالية

بعد عامين ونصف من المخاض السياسى، يعانى الاقتصاد المصرى من أزمة تزداد حدتها مع تعقد الأوضاع السياسية والتى وصلت إلى وضع متأزم. و على الرغم من تصاعد حدة الأزمة الاقتصادية التى يعانى منها الاقتصاد الحقيقى إلا أن القطاع المالى مازال حتى الآن فى مأمن من هذا التدهور المتسارع.
يطلق مصطلح الأزمة الاقتصادية على إصابة الاقتصاد الحقيقى بالتباطؤ فى النمو والذى قد يؤدى فى بعض الأحوال إلى إنكماش الاقتصاد. وينعكس ذلك عادة على ارتفاع معدلات البطالة ليدخل الاقتصاد فى حالة من الركود. وقد يتزامن ذلك مع ارتفاع فى الأسعار لأسباب مختلفة قد يكون منها تدهور العملة والذى يؤدى إلى ركود تضخمى.
على الصعيد الآخر، يطلق مصطلح الأزمة المالية على إصابة القطاع المالى بأزمة تؤدى إلى انخفاض حاد فى قيمة الأصول المالية مثل العقارات أو الأسهم أو القروض المصرفية. عادة ما يأتى هذا الانخفاض نتيجة وجود فقاعة فى السوق تشهد خلالها أسعار الأصول المالية ارتفاعات غير منطقية ثم تنهار بعد ذلك. وقد تنخفض قيمة الأصول المالية أيضا نتيجة الركود الاقتصادى وانخفاض الطلب بشكل عام.
دائما ما يخلط الناس بين الأزمة الاقتصادية والأزمة المالية لكنهما فى الواقع مختلفتان، حيث تضرب الأزمة الاقتصادية الاقتصاد الحقيقى من زراعة وصناعة وتجارة بينما تضرب الأزمة المالية الأصول المالية المختلفة. وقد يعانى الاقتصاد من وقت لآخر من إحدى الأزمتين لكنهما قلما تتزامنا. وفى حالة تزامنهما، فإن الاقتصاد يمر بوضع حرج قد يحتاج لإجراءات استثنائية.
إذا نظرنا إلى حال مصر، نجد أن الاقتصاد يواجه أزمة اقتصادية منذ ثورة يناير ٢٠١١ تزداد بمرور الوقت بسبب عدم الاستقرار السياسى والاعتصامات المستمرة التى عرقلت عملية الإنتاج ورفعت من خطورة الاستثمار ودفعت السياحة للركود، مما أدى إلى تباطؤ النمو وارتفاع البطالة خلال العامين ونصف المنصرمين.
وقد أدى ذلك إلى زيادة كبيرة فى عجز الموازنة والتى اعتمدت الحكومة فى تمويله على الاقتراض المحلى مما أثقل كاهل البنوك المحلية التى توجه جزءا كبيرا من مواردها لتمويل عجز الموازنة على حساب تمويل المشرعات و هو ما يزيد بدوره من حدة الركود. وقد صاحب ذلك الركود تضخما كبيرا بسبب انخفاض قيمة الجنيه.
لكن على الرغم من الأزمة الاقتصادية المتصاعدة إلا أن القطاع المالى ما زال بحالة جيدة حيث إن الأصول المالية من عقارات وأسهم فى البورصة وقروض مصرفية يتم تداولها بأسعار منطقية، بل فى كثير من الأحوال بأسعار منخفضة مما يجعل وجود فقاعة على وشك الانهيار احتمالا ضعيفا.
وإذا نظرنا إلى القطاع المصرفى باعتباره أحد المصادر المحتملة للأزمة المالية، نجد أن المؤشرات الكلية للقطاع طبقا لبيانات البنك المركزى فى الربع الثانى من ٢٠١٣ ما زالت فى نطاق مطمئن حيث تبلغ القروض المتعثرة ١٠٪ من إجمالى القروض ومخصصات القروض ٩٧٪ من إجمالى القروض المتعثرة، مما يعنى أن القروض المتعثرة مغطاة بالكامل عن طريق المخصصات ولا يوجد قلق حقيقى من مخاطرها.
بشكل كلى، نجد أن إجمالى أصول القطاع المصرفى بلغت حوالى ١٬٥٥٠ مليار جنيه يتم تمويلها عن طريق ودائع بنسبة ٧٤٪ ورأس مال ومخصصات للبنوك بنسبة ٢٦٪. ويتم استخدام هذه الأصول فى تمويل عجز الموازنة من خلال السندات والأذونات الحكومية بنسبة ٤٢٪ وتمويل الشركات والأفراد من خلال القروض بنسبة ٣٥٪ (و هو ما يجعل القروض تمثل ٤٨٪ من إجمالى الودائع، بينما يتم استثمار النسبة المتبقية البالغة ٢٣٪ فى أصول أخرى أغلبها ذات طبيعة سائلة).
من ناحية أخرى، بلغت مجمل الودائع فى القطاع المصرفى حوالى ١٬١٥٠ مليار جنيه (٧٤٪ من إجمالى الأصول) و هى موزعة بين ودائع حكومية بنسبة ١١٪ وودائع لقطاعى الأعمال العام والخاص بنسبة ٢٠٪ وودائع للأفراد بنسبة ٦٩٪، وبالتالى فإن ودائع الأفراد تمثل ٥١٪ من إجمالى أصول القطاع المصرفى والجزء الأكبر من هذه الودائع مربوط فى حسابات توفير وودائع آجلة.
بناء على ذلك، يمكن القول بأن القطاع المصرفى فى وضع آمن مما يجعل دخول الاقتصاد فى أزمة مالية فى المستقبل القريب احتمالا ضعيفا. ولعل السبب فى ذلك هو التوجه المتحفظ الذى ينتهجه القطاع المصرفى وعملية إعادة الهيكلة التى حدثت فى العديد من البنوك قبل ٢٠١١ مما أوصل القطاع المصرفى إلى وضع جيد جعله قادرا على تحمل العبء الأكبر من تمويل عجز الموازنة.
وعلى الرغم من التدهور الاقتصادى المتوقع فى الفترة القادمة إلا أن القطاع المصرفى ما زال لديه القدرة على تمويل عجز الموازنة على المدى القصير وحتى المتوسط. لذلك فما يتم إثارته مؤخرا عن إفلاس البنوك وضياع حقوق المودعين لا أساس له من الصحة، حيث يضمن البنك المركزى ودائع البنوك كاملة ومن غير المنطقى أن يقف عاجزا أمام أزمة سيولة فى الجنيه وهو الجهة المصدرة له ولديه العديد من الأدوات للتدخل والتحكم فى الكمية المعروضة منه فى السوق.
الخلاصة أن الاقتصاد يعانى من أزمة اقتصادية بسبب عدم الاستقرار السياسى مما دفع الاقتصاد للدخول فى حالة من الركود التضخمى والتى تزداد حدته بمرور الوقت وتعقد الوضع السياسى خاصة بعد ٣٠ ــ يونيو. لكن هذا التدهور لم يصب القطاع المالى الذى ما زال متماسكا بسبب السياسية المتحفظة للقطاع المصرفى لسنوات ما قبل ٢٠١١ مما أعطاه القدرة على تحمل أعباء تمويل عجز الموازنة وأعفى الاقتصاد من مشقة مواجهة أزمة مالية فى المستقبل القريب.
عمر الشنيطي
17-أغسطس-2013
نُشر هذا المقال فى "جريدة الشروق"

Saturday, August 3, 2013

مصر: إلى اليسار

لكل نظام اقتصادى تحيزاته وهى التى تشكل الخيارات الاستراتيجية لهذا النظام. فالنظام الاشتراكى يعظم من دور الدولة فى توجيه النشاط الاقتصادى ويعمل على تقليل الفجوة بين طبقات المجتمع. بينما يعطى النظام الرأسمالى مساحة أقل للدولة فى توجيه النشاط الاقتصادى ولا يمانع وجود فجوة كبيرة بين الطبقات. ويأتى النظام المختلط بين هذا وذاك ليوازن بين أهداف النظامين الاشتراكى والرأسمالى فى آن واحد.
وقد شهد الاقتصاد المصرى تطورا كبيرا خلال العقود السابقة حيث تبنى الاقتصاد تصورا اشتراكيا يميل إلى أقصى اليسار فى عهد عبدالناصر فتضخم دور الدولة فى النشاط الاقتصادى وتم تأميم الشركات.
أما فى عهد السادات، اتجه الاقتصاد يمينا متبنيا اتجاها رأسماليا مع سياسية الانفتاح الاقتصادى. ثم جاء عهد مبارك استمرارا لسياسة السادات، فزاد التوجه اليمينى وضعف دور الدولة الاقتصادى خاصة مع تطبيق برنامج الخصخصة. ولم تشهد الفترة الانتقالية منذ ثورة يناير ٢٠١١ تغييرا يذكر فى توجه الاقتصاد مقارنة بعهد مبارك.
الآن وبعد الـ٣٠ من يونيو، يقف الاقتصاد أمام مفترق طرق ما بين الاستمرار فى التوجه يمينا أو تغيير الاتجاه والتوجه يسارا. وفى ظل الوضع السياسى الحالى وتتابع الأحداث فإنه من المرجح أن يتوجه الاقتصاد يسارا. وهناك سبعة عوامل رئيسية تدعم ذلك:
أولا: شهدت السنوات الأخيرة التى سبقت ثورة يناير ٢٠١١ تفاوتا كبيرا فى دخول الطبقات المختلفة فازداد الأغنياء غنى والفقراء فقرا. وقد بات ذلك واضحا فى شعور الناس بعدم عدالة التوزيع.
ثانيا: قامت ثورة يناير ٢٠١١ وعلى رأس مطالبها «العيش» و«العدالة الاجتماعية» حيث توقع الشعب الثائر تغيرات كبيرة فى توجه الدولة من خلال اصدار قوانين عادلة فى هذا الإطار. لكن ذلك لم يحدث خلال الفترة الانتقالية.
ثالثا: شهد العام الماضى تنصيب أول رئيس مدنى منتخب والذى واجهته الكثير من التحديات السياسية والاقتصادية التى انتهت بعزله. لكن بعيدا عن الشق السياسى، فإن العام الماضى شهد تدهورا اقتصاديا تحملت آثاره الطبقات الفقيرة فى المجتمع بسبب التضخم الناتج عن تدهور سعر صرف الجنيه.
رابعا: المشكلة الاقتصادية الأكبر التى ظهرت خلال العام الماضى هى عدم قدرة النظام الحاكم على تقديم تصور واضح لإدارة الاقتصاد، إلى جانب الاضطرابات السياسية التى لم تتوقف، فأبقى النظام الحاكم على التوجه الاقتصادى دون تغيير حتى بدا وكأنه امتدادا لسياسات مبارك الاقتصادية.
خامسا: أبرزت الأحداث والمواقف السياسية فى العامين الماضيين صحوة ملحوظة للتيار اليسارى على اختلاف مجموعاته ورموزه. وسيلعب هذا التيار ــ خاصة الجزء الثورى منه ــ دورا معارضا للنظام. والتيار اليسارى بطبيعة طرحه لديه القدرة على كسب تأييد الشارع ولذلك سيكون على النظام استيعابه.
سادسا: النظام الجديد يزعم أنه يكتسب شرعيته من الشعب ولذلك سيكون فى حاجة لتقديم بعض المكاسب السريعة لهذا الشعب والذى ينتظر الكثير بعد تدهور وضعه الاقتصادى والاجتماعى حيث يتطلع لرؤية تحول فى توجه الدولة الاقتصادى.
سابعا: الجيش المصرى ليس فقط مؤسسة عسكرية بل منظومة كاملة، حيث يمتلك ويدير عدة أنشطة اقتصادية مؤثرة. ومع تنامى دور الجيش السياسى بعد ٣٠ يونيو، فإنه من المتوقع أن يبرز دوره الاقتصادى أيضا، سواء من حيث الإنتاج أو التوزيع. وهذا التوجه يزيد من دور الدولة الاقتصادى، حتى لو من خلال أحد مؤسساتها وليس مباشرة من خلال الوزارات المعنية.
هذه العوامل تجعل من المرجح توجه الاقتصاد يسارا فى الفترة القادمة استيعابا للشعب الساخط الذى ينتظر مكاسب سريعة بعد تراكمات عقود تبعهما عامان من الألم. وتبنى توجه يسارى لا يعنى أن هذا هو التوجه الأفضل للاقتصاد على المدى البعيد أو التوجه المفضل لدى النظام الجديد، لكنه سيأتى انعكاسا للوضع السياسى المعقد لكى يعمل كصمام أمان سياسى واجتماعى على المدى القصير.
مع ذلك وعلى الرغم من توقع توجه النظام الاقتصادى يسارا إلا أن سيولة الوضع تفرض الكثير من التساؤلات:
أولا: مع رجوع رجال مبارك للسلطة من جديد ومع العلم بتوجههم اليمينى، فهل سيدركون المتطلبات السياسية والاجتماعية فيتجه النظام يسارا لاستيعاب مطالب الشارع ومنح الشعب مكاسب سريعة؟ أم سيتشبث النظام بفكره اليمينى فيخرج الناس عليه حتى يدرك أهمية تغيير التوجه؟
ثانيا: إذا أدرك النظام أهمية التوجه يسارا، فإلى أى مدى سيطبق ذلك التوجه؟ وهل سيتبنى النظام تصورا اشتراكيا كاملا؟ أم سيحافظ على توجه الاقتصاد اليمينى مع إضافة نكهة يسارية فى ما سيؤدى إلى نظام مختلط؟
ثالثا: هل التوجه اليسارى سيكون تصورا أصيلا سيتبناه النظام لعقود قادمة؟ أم أنه سيكون مناورة تكتيكية قصيرة المدى لاستيعاب الوضع السياسى فقط؟
رابعا: إذا أدرك النظام أهمية التوجه يسارا وبدأ العمل على ذلك بشكل موسع، فكيف سيتعامل مع رجال الأعمال خاصة المنتمين للنظام القديم والذين يشكلون أحد ركائز هذا النظام العميق؟
الخلاصة أن التراكمات الاقتصادية التى عانت منها مصر لعقود ما قبل ثورة يناير ٢٠١١ والتطورات السياسية التى شهدتها مصر منذ تلك الثورة وحتى الآن تجعل من المرجح تغير التوجه الاقتصادى إلى اليسار لمواكبة واحتواء الوضع.

وهذا التوجه قد لا يكون الأفضل لمصر اقتصاديا على المدى البعيد، لكنه قد يكون ضرورة سياسية واجتماعية على المدى القصير. وعلى النظام الجديد ــ أيا كان توجهه ــ استيعاب هذا الوضع المعقد الذى سيحتم عليه التوجه يسارا إلى جانب تحديد طبيعة التوجه الجديد وتدبر كيفية إدارة هذا التحول بشكل فعال.
عمر الشنيطي
3-أغسطس-2014
نُشر هذا المقال فى "جريدة الشروق"

Saturday, July 20, 2013

٣٠ يونيو: واقع اقتصادي و ثلاثة أسئلة

شهدت مصر عاصفة سياسية يوم ٣٠ يونيو، حيث خرج الملايين معترضين على سياسة النظام ومطالبين الجيش بالتدخل. وما هى إلا ساعات حتى تدخل الجيش معلنا بداية مرحلة انتقالية جديدة.
واختلف المحللون عما إذا كانت ثورة شعبية أم انقلابا عسكريا أم خليطا من هذا وذاك، مما أحدث جدلا كبيرا داخليا وخارجيا. وليس الهدف من المقال الدخول فى ذلك الجدل، بل التحدث عن ما هو آت على الصعيد الاقتصادى.
تزامنت هذه العاصفة مع انفراجة غير مبررة لعدد من الأزمات مثل البنزين والكهرباء، كما تلقت مصر بعدها بساعات حزمة من المساعدات والقروض الميسرة من السعودية والكويت والإمارات تبلغ ١٢ مليار دولار. وقد دفع ذلك البعض للاعتقاد بأن الأزمة الاقتصادية قد انتهت.
لكن واقع الاقتصاد المصرى أكثر تعقيدا من ذلك. فعلى الرغم من كونه اقتصادا متنوعا ولديه قدرة على التعافى إلا أنه يعانى من مشاكل هيكلية تراكمت على مدى عقود، حيث يعانى الاقتصاد من عجز مزمن فى الموازنة بسبب ترهل جهاز الدولة الإدارى وعدم فاعلية منظومة الدعم وارتفاع تكلفة الديون. وقد زادت حدة هذه المشاكل خلال العام الماضى، كما صاحبها تضخم كبير مدفوعا بانخفاض قيمة الجنيه.
لذلك فإن الدعم الخليجى سيلعب دور المسكن، حيث سيعمل على توفير المواد البترولية الرئيسية وزيادة احتياطى النقد الأجنبى مما سيساعد على السيطرة على سعر الصرف، معطيا فرصة للاقتصاد للصمود حتى رجوع السياحة والاستثمارات لسابق عهدها. لكن لا يمكن أن ينهى هذا الدعم الأزمة الاقتصادية والتى تحتاج عملية تحول اقتصادى شامل. ومن ناحية أخرى، هناك ثلاثة أسئلة تطرحها الأحداث الأخيرة:
أولا: هل ما حدث انقلاب أم ثورة؟
لو تم اعتبار ما حدث انقلابا عسكريا فإن احتمالية حدوث انقلاب عسكرى آخر أو ثورة شعبية أو أعمال عنف منظمة تكون مرتفعة بناء على تجارب الكثير من الدول التى شهدت انقلابات من قبل. وهذا التصور من شأنه أن يزيد من مخاطر الاستثمار فى مصر ويدفع التصنيف الائتمانى لمزيد من التدهور مما يؤدى إلى إحجام الاستثمار والتمويل الأجنبى وسيحد من قدرة القطاع السياحى على التعافى.
وسيدفع ذلك مصر لزيادة الاعتماد على المال السياسى وإن تغيرت مصادره. وعلى الرغم من العرفان لكل من يدعم مصر إلا أن الاعتماد على المال السياسى له آثار سياسية سلبية. كما أن هذا الدعم وحده لا يقضى على الأزمة الاقتصادية بل فقط يعطيها مسكنات تزيد من حدة الأزمة على المدى البعيد. أما إذا تم الاعتراف بأنها ثورة شعبية فهذا سيجعل تعافى الاقتصاد أسهل لكن درجة التعافى سترتبط بعوامل أخرى كما سيرد لاحقا.
ثانيا: من سيحكم مصر؟
قد يحكم مصر فلول نظام مبارك أو يحكم العسكر ولو من وراء حجاب أو يظهر نظام جديد يلبى مطالب الحراك الشعبى. فإن كان رجال مبارك، فذلك يعيدنا للدولة البوليسية وكبت الحريات والسيطرة على الاقتصاد من قبل مجموعة قليلة من رجال الأعمال المنتمين للنظام مما يجعل السوق أشبه ما تكون بسوق احتكارية وإن تزينت بسمات الأسواق الحرة ظاهريا.
من المرجح أن يبقى هذا النظام على كثير من موروثات نظام مبارك الاقتصادية فيزيد الدعم لكن تختفى العدالة الاجتماعية الحقيقية ويتزاوج المال بالسلطة من جديد. وهذه السمات من شأنها تقليل المنافسة وتحجيم الأسواق وحجب الاستثمارات الخاصة على حساب المال السياسى والذى لا يؤدى إلى تنمية فعالة. وذلك قد يدفع لحراك شعبى آخر، خاصة بعد أن عرف الناس الطريق للميادين.
أما إذا أفضى الوضع إلى وجود نظام جديد يحقق مطالب الناس ويقوده أصحاب الكفائة من ذوى الخبرة والشباب معا، فإن ذلك من شأنه استيعاب مطالب الناس وإعطاء ثقة للمؤسسات المالية والمستثمرين.
ثالثا: كيف سيكون الاقتصاد؟
قد يتبنى النظام الجديد توجها اشتراكيا أو رأسماليا أو مختلطا يجمع بين الاثنين. وهذا الأمر مهم جدا، فالخروج من وضع الاقتصاد الحرج يحتاج إلى عملية تحول تشمل إعادة هيكلة للجهاز الحكومى ومنظومة الدعم وميزانية الحكومة. قد تحتاج هذه العملية فترة طويلة وسيكون لها تكلفة اجتماعية ومعارضة شعبية، لكن يمكن تنفيذها عن طريق عدة أساليب بناء على تحيزات النظام.
فإذا تبنى النظام توجها اشتراكيا فأخذ يرفع الضرائب ويفرض الكثير من العوائق على القطاع الخاص بينما يزيد من الدعم والرواتب، فإن ذلك سيؤدى إلى تصد كبير من القطاع الخاص لكن ربما يحصل على تأييد شعبى كبير، أما إذا تبنى النظام توجها رأسماليا فأخذ يخفض الدعم والرواتب بينما يزيد من محفزات القطاع الخاص.
فإن ذلك سيؤدى إلى معارضة شعبية واسعة بسبب اتساع الفجوة بين طبقات المجتمع مما قد يؤدى إلى سقوط النظام. أما إذا تبنى النظام تصورا متوازنا، فربما يستطيع النهوض بالاقتصاد مع استيعاب الأطراف المختلفة.
قد يظن المتابع للأحداث أن إجابات هذه الأسئلة واضحة، لكن سيولة الوضع وتسارع الأحداث تجعل من عدم الحكمة تصور وجود إجابات جازمة، حتى وإن كانت هناك بوادر لا يمكن تجاهلها. ما نعرفه الآن هو أننا لا نعرف على وجه الدقة شكل النظام السياسى والاقتصادى الذى سيتبناه النظام الجديد ومن الواجب الإسراع فى حسم هذه القضايا المحورية.
عمر الشنيطي
20 - يوليو 2013
نُشر هذا المقال فى "جريدة الشروق"

Sunday, July 7, 2013

الموارد المحلية ثم الاقترض ثم بيع الأصول

لم تكن مصر الدولة الأولى التى تمر بمحاولة تحول اقتصادى للتغلب على مشاكلها الاقتصادية المزمنة حيث مرت دول عديدة من قبل بتحول ديمقراطى عادة ما يواكبه تحول اقتصادى كما حدث فى أمريكا الجنوبية وأوروبا الشرقية. ولعل مما يثير الدهشة أن الكثير من هذه الدول لاسيما الدول المحدودة فى مواردها الطبيعية مرت بنفس التسلسل فى تطورها الاقتصادى، يمكن تلخيصه فى ثلاث مراحل بداية من الاعتماد على موارد الدولة مرورا بالاعتماد على الاقتراض وانتهاء بالاعتماد على بيع أصول الدولة.

المرحلة الأولى: الاعتماد على موارد الدولة حيث تأتى القيادات الجديدة بعد التغيرات السياسية الحرجة فتتحدث عن الفساد الذى استشرى لعقود وعن إمكانية توفير هذه الموارد واستخدامها لتمويل برنامج تحول اقتصادى متكامل يحدث طفرة حقيقية فى الدخل وتوزيعه. وعادة ما يتم الحديث عن موارد مهدرة تقدر بالمليارات مما يوحى بأنها تكفى لتمويل برنامج التحول الاقتصادى بدون الحاجة لعلاج جذرى للمشاكل الاقتصادية الهيكلية.

لكن سرعان ما تتبدد هذه الأحلام بعد الاصطدام بالواقع المرير بسبب المبالغة فى تقدير حجم الموارد المهدرة والأهم بسبب عدم الخبرة فى إدارة مؤسسات الدولة بل والتصدى للتغيير من داخل هذه المؤسسات فى بعض الأحيان. لكن بعض الدول استطاعت الاعتماد على مواردها بسبب كثرة هذه الموارد أو بسبب قدرة الحكام الجدد على إعادة هيكلة الجهاز الحكومى واستغلال تلك الموارد. وإن لم تستطع الدولة فعليها الانتقال للمرحلة الثانية.
  
المرحلة الثانية: الاعتماد على الاقتراض وخاصة الخارجى حيث يتصور الحكام أن الدولة لديها القدرة على النهوض من كبوتها وتحقيق نمو اقتصادى مستدام لكن تحتاج إلى دفعة قوية من التمويل حتى يتم تدوير عجلة الإنتاج. ويعتقد الحكام أن العالم سيقبل على تمويلهم لكن سرعان ما يكتشفوا أن المؤسسات المالية الخاصة ترى مخاطر جمة فى تمويل هذه الدولة فى ظل وضعها الاقتصادى المعقد وتطالبها بتبنى برنامج إصلاح اقتصادى شامل يشرف على تنفيذه مؤسسة دولية مستقلة مثل صندوق النقد.

تدخل صندوق النقد دائما يكون أصعب مما يظنه الحكام حيث يطالب الصندوق بإجراءات جذرية غير شعبوية عادة ما يصعب تطبيقها خاصة فى حالات عدم الاستقرار وينتهى الوضع مع الصندوق بعدم الإتفاق أو بإتفاق لا يتم تنفيذه. لكن بعض الدول استطاعت الاعتماد على الاقتراض بسبب قدرة الحكام الجدد على تنفيذ برنامج إصلاح اقتصادى حقيقى. وإن لم تستطع الدولة فعليها الإنتقال للمرحلة الثالثة.
  
المرحلة الثالثة: الاعتماد على بيع أصول الدولة سواءا للمستثمرين المحليين أو الأجانب حيث تزداد الحاجة لتمويل عجز الموازنة المتصاعد وتأمين الحاجات الأساسية للشعب. لكن بسبب حرج الوضع الاقتصادى تحجم المؤسسات عن التمويل عن طريق الاقراض وتفضل الحصول على أصول مقابل التمويل لضمان حقوقها فى حالة تردى الوضع الاقتصادى. وعادة ما يأتى بيع الأصول كآخر خيار نظرا لحساسيته. وعلى الرغم من الصورة الذهنية السلبية لبيع الأصول إلا أنه ليس بالضرورة سلبيا.

فإذا نظرنا إلى بيع الأصول نجد أنه قد يأخذ شكل بيع مباشر للأصول أو شكل خصخصة لشركات القطاع العام أو شكل تخصيص أراضى فى مدن عمرانية وصناعية جديدة أو فى شكل شراكة بين القطاع الخاص والعام لتنمية بعض المشروعات أو شكل إصدار سندات أو صكوك بضمان إيراد بعض الأصول والمشروعات أوغيرها من الأشكال.

قد يطال بيع الأصول قطاعات مختلفة منها ما هو استراتيجى للدولة ومنها ما هو أقل أهمية من حيث الأثر على الأمن القومى والنمو الاقتصادى. وقد يحدث بيع الأصول فى ظروف اقتصادية وسياسية مستقرة مما يتيح شروط جيدة فى عملية البيع. لكن على النحو الآخر فى ظل الظروف الحرجة، قد يتم البيع بشروط مجحفة. لذلك يجب الحكم على بيع الأصول بتعمق عن طريق النظر فى نوع الأصل وشكل البيع وتوقيته وشروطه.
  
إذا نظرنا لمصر منذ ٢٠١١ خاصة فى العام الأخير نجد أن الاقتصاد تدرج من الاعتماد على موارد الدولة والذى لم ينجح بسبب المبالغة فى تقدير حجم الموارد المهدرة وعدم الخبرة من ناحية والتصدى للتغيير من ناحية أخرى مما دفع بالاقتصاد للاعتماد على الاقتراض والذى تم التوسع فيه داخليا بشكل كبير وخارجيا من الدول الحليفة. لكن لم يتم الاتفاق مع صندوق النقد مما أضعف من قدرة مصر على الاقتراض من المؤسسات المالية العالمية المختلفة.  وقد دفع ذلك بمصر إلى بداية طريق بيع الأصول والذى أصبح لا مفر منه بسبب الوضع الاقتصادى الحرج من حيث ارتفاع عجز الموازنة وتسارع مستوى الدين الداخلى والخارجى. وسيعتمد بيع الأصول والحكم عليه بناء على الوضع السياسى العام وسرعة تدهور الاقتصاد وشكل بيع الأصول المتبع. 

والآن تقف مصر على مفترق طرق لا يُعرف نهايته بالتحديد وقت كتابة المقال، لكن سيؤدى بلا شك إلى دخول الاقتصاد المصرى فى وضع أكثر حرجا فى الفترة القادمة يصعب فيه الاعتماد على موارد الدولة كما أن فرص الاقتراض الخارجى قد تكون معدومة مما يجعل بيع الأصول هو التوجه المتاح بصرف النظر عمن بيده زمام الحكم على المدى القصير.


عمر الشنيطي
7-يوليو-2013
نُشر هذا المقال فى "جريدة الشروق"

Saturday, June 22, 2013

مصر أكبر من أن تسقط لكنها أكبر من أن تُنقذ

لحق بالاقتصاد المصرى تدهور شديد منذ الثورة أثر سلبا على غالبية المؤشرات الكلية للاقتصاد بشكل لا ينكره متخصص، على الرغم من الجدل السائد حول من يتحمل مسئولية هذا التدهور وعما إذا كان بسبب تراكم مشكلات اقتصادية لعقود ما قبل الثورة أم الجمود الذى ساد خلال الفترة الانتقالية أم السياسات الخاطئة خلال العام الماضى أم كل ما سبق. لكن يؤكد السياسيون دائما أن مصر أكبر من أن تسقط بينما يرد الاقتصاديون بأنه حتى لو تم التسليم بأن مصر أكبر من أن تسقط فإن التدهور المتسارع للاقتصاد يجعلها على الوجه الآخر أكبر من أن تُنقذ.
  
برز استخدام مفهوم «أكبر من أن تسقط» أثناء الأزمة المالية العالمية فى ٢٠٠٨ حينما كان النظام المصرفى معرض للانهيار حيث نادى الاقتصاديون بضرورة تدخل الحكومات لإنقاذه. بعد ذلك تم استخدام المفهوم فى أزمة الديون السيادية فى أوروبا حينما زعم السياسيون وقتها وجوب تدخل الإتحاد الأوروبى لإنقاذ الدول الأوروبية المتعثرة منعا لسقوطها.

والآن يزعم السياسيون أنه على الرغم من سوء الوضع الاقتصادى فإن مصر أكبر من أن تسقط لأن سقوطها قد يؤدى إلى أزمة فى التجارة العالمية إذا توقفت الملاحة فى قناة السويس وأزمة أمن لإسرائيل إذا دعمت مصر المقاومة الفلسطينية وتهديد للأمن العالمى إذا فُقدت السيطرة على الجماعات المسلحة. هذا بالإضافة لدور مصر المحورى فى المنطقة وما يمكن أن يستفيده من يدعم مصر من سطوة فى المنطقة. وهذه الأسباب السياسية تجعل من سقوط مصر كارثة قد يصعب على المنطقة وربما العالم تحملها مما يجعل مصر أكبر من أن تسقط.
  
إذا سلمنا بأن مصر أكبر من أن تسقط فلا بد لها من حلفاء يدعمونها فى ذلك، إما الأب الروحى للمنطقة «أمريكا» أو دول المنطقة الغنية أو القوى العالمية الكبرى مثل الصين وروسيا. وإذا نظرنا لهؤلاء المرتقبين نجد أن الأب الروحى قد بعث بإحدى أذرعه «صندوق النقد» الذى أبدى رغبته فى إقراض مصر بينما تباين دعم دول المنطقة بين دعم كبير من قطر وتركيا وليبيا ودعم ضعيف من باقى دول الخليج. فى حين لم تقدم القوى العالمية الكبرى الكثير لمصر منذ الثورة.

لكن على الرغم من كونها أكبر من أن تسقط فإنها للأسف أكبر من أن تُنقذ فالاقتصاد المصرى يعانى من مشكلات هيكلية مزمنة ظلت تتراكم لعقود ما قبل الثورة ثم جاءت المرحلة الانتقالية وجمودها ليشهد الاقتصاد حالة من النزيف الشديد تبعها عام كامل من حكم سلطة منتخبة فى ظروف صعبة لكن بدون قدرة على رسم تصور واضح للخروج من الأزمة وإقناع المؤسسات العالمية والمستثمرين به مع جمع الناس على تأييده وتحمل تبعاته.

وبفضل هذه التراكمات وصل الاقتصاد الآن إلى وضع حرج حيث وصل عجز الموازنة إلى ما يقارب ١٢٪ من الناتج المحلى. بينما تظل أكبر النفقات الحكومية خارج السيطرة وعلى رأسها خدمة الدين والدعم اللذان يشكلان ٥٦٪ من المصروفات فى الموازنة مما سيؤدى إلى عجز فى العام القادم قد يتخطى مستوى عجز العام الحالى وستضطر الحكومة إلى التوسع فى الاقتراض لتغطية هذا العجز وإعادة تمويل الديون المستحقة من خلال الاستدانة داخليا وخارجيا.

وإذا نظرنا للاقتراض الذى لا مفر منه فنجد أنه وصل إلى ٧٧٪ من الناتج المحلى وهو مستوى متوسط حتى الآن لكن تزايد الاقتراض أثر على قدرة البنوك على تمويل القطاع الخاص مما أدى إلى تباطؤ النمو الاقتصادى بينما تزداد خطورة الاقتراض الخارجى مع الضغط على سعر صرف الجنيه. على التوازى يشهد الاقتصاد حالة من التباطؤ فى النمو مقارنة بما يجب على الاقتصاد تحقيقه حتى يحافظ على متوسط دخل الفرد. كما يشهد الاقتصاد معدلات بطالة مرتفعة وتظل معدلات التضخم فى ارتفاع مدفوعة بانخفاض قيمة الجنيه.

فى ظل مشكلات اقتصادية متراكمة لعقود وعجز موازنة مرتفع يتم تمويله بالاقترض الداخلى والخارجى مع عدم القدرة على علاج المشكلات الاقتصادية المزمنة وتنفيذ برنامج إصلاح اقتصادى متكامل بسبب الاضطرابات السياسية التى لا تنتهى فإنه لا مفر من دخول الاقتصاد فى مرحلة من الركود أو على الأقل التباطؤ فى النمو لعدة سنوات تظل المشكلات المزمنة فى الازدياد بدون حلول جذرية.
  
ومن المتوقع أن تشهد المرحلة المقبلة عجز موازنة متزايدا يصعب السيطرة عليه فى ظل عدم الاستقرار السياسى مما سيؤدى إلى توسع أكبر فى الاقتراض الداخلى والذى سيدفع الاقتصاد إلى الركود وأيضا توسع فى الاقتراض الخارجى والذى يتزامن مع تخفيض متوقع فى قيمة الجنيه مما يرفع من عبء هذه القروض على المدى المتوسط دافعا الاقتصاد إلى فخ ديون عانت مصر منه من قبل.

وقد تأخذ عقود حتى تستطيع الخروج منه مرة أخرى مما يجعل مصر أكبر من أن تُنقذ حتى مع دعم الحلفاء المختلفين والذين يدعمون مصر عن طريق قروض أخرى تعطى الاقتصاد أنبوبة أكسجين لحظية لكن تدفع بالاقتصاد إلى فخ ديون وشيك.

الخلاصة أن مصر أكبر من أن تسقط لأسباب أغلبها سياسية وإقليمية، لكن مع المشكلات الاقتصادية الهيكلية المتراكمة وفخ الديون الذى تُسحب إليه مصر بسرعة، فإن مصر أكبر من أن تُنقذ ونتيجة لذلك قد يدخل الاقتصاد فى فترة طويلة من الركود بصرف النظر عمن يحكم البلد على المدى القصير.

  
عمر الشنيطي
22 - يونيو 2013
نُشر هذا المقال فى "جريدة الشروق"

Saturday, June 8, 2013

قرض الصندوق: إلى أين؟

قامت فى مصر ثورة عظيمة سبقها وضع اقتصادى جيد من حيث مؤشراته الكلية لكن يعانى من مشاكل مزمنة أهمها عدم عدالة التوزيع. لذلك قامت الثورة وأنتظر الناس توجها اقتصاديا مختلفا لكن انتهجت السلطة الجديدة فى نظر الكثيرين نفس السياسات الاقتصادية السابقة وعلى رأسها قرض صندوق النقد الذى انقسم الناس بشأنه.

وبدأ الحديث عن القرض بعد الثورة بعدة أشهر وزاد الكلام عنه بعد وصول رئيس مدنى منتخب للحكم. وزعم المؤيدون أن هذا القرض شديد الأهمية للاقتصاد بل جعلت الحكومة منه محورا لبرنامجهـا الاقتصادى. وبعد مرور فترة طويلة على المفاوضات مع الصندوق بدون نتيجة وجب معرفة حقيقة أهمية هذا القرض وعما إذا كانت قائمة إلى الآن أم لا.
  
منذ عام لم يكن هذا القرض هاما بسبب حجمه (حوالى ٥ مليارات دولار) لكن لكونه بمثابة شهادة من مؤسسة عالمية مستقلة فى نظر الكثيرين على قدرة الاقتصاد المصرى على التعافى. فمنذ أن بدأت المرحلة الانتقالية بدأ الاقتصاد فى النزيف حيث شهد تباطؤا فى النمو مصحوبا بزيادة فى عجز الموازنة وانخفاضا فى احتياطى النقد الأجنبى.

وبدا واضحا أن الوجوه تتغير وأن من سيدير دفة الأمور هو التيار الإسلامى وهو تيار حديث عهد بالحكم وليس له خبرة فى إدارة الاقتصاد ولا يُعرف توجهه الاقتصادى ولذلك عزفت المؤسسات المالية العالمية عن التعامل مع مصر حتى تتضح الأمور. وكان بذلك تدخل صندوق النقد بمنح مصر القرض بمثابة شهادة ثقة فى الاقتصاد المصرى، كما يؤكد وجود مؤسسة مستقلة كالصندوق تضمن وتشرف على برنامج الإصلاح الاقتصادى.

ويترتب على هذه الشهادة قروض ومساعدات اقتصادية كبيرة تقدر بحوالى ١٠ مليارات دولار. كما كان من المفترض أن تساعد هذه الشهادة على تحسين تصنيف مصر الائتمانى مما يقلل من خطورة السندات الحكومية المصرية ومن ثم تقل الفائدة عليها وينخفض بند خدمة الدين فى الموازنة، وبالتالى عجز الموازنة. كما كان يفترض أن تفتح هذه الشهادة باب الاستثمار الأجنبى لمصر.

وحتى يتسنى للصندوق إصدار شهادة ثقة ومنح القرض فعليه التحقق من ثلاثة جوانب. الجانب الأول هو وجود برنامج إصلاح اقتصادى يتميز بالوضوح فى توجهه والتكامل فى رؤيته والواقعية فى أهدافه. أما الجانب الثانى فهو اختيار فريق اقتصادى كفء يتميز بخلفية قوية فى فهم الاقتصاد وخبرة عملية فى المؤسسات المالية ومصداقية شخصية فى أسواق المال. والجانب الثالث هو القدرة على تنفيذ البرنامج من حيث التأييد الشعبى للبرنامج وحجم المعارضة لهذه الإصلاحات مقابل قدرة الحكومة على تفعيلها.
  
بعد مرور قرابة عام على وصول التيار الإسلامى للسلطة أصبحت الجوانب الثلاثة واضحة بشكل يجعل شهادة الثقة المرتقبة بلا أهمية حقيقية. فبالنسبة للجانب الأول (برنامج إصلاح اقتصادى) أوضحت الفترة السابقة عدم وجود رؤية اقتصادية متكاملة ومتسقة مع بعضها البعض. فمن ناحية يهرول النظام لجذب استثمارات جديدة بينما توجد خلافات مع مستثمرين أجانب لم تحل منذ بداية الثورة، إلى جانب الخلافات مع المستثمرين المحليين. فى حين يتحدث رموز النظام عن مؤامرة خارجية من دول عربية وأجنبية للوقوف أمام المشروع الإسلامى!!.

من جانب آخر نجد النظام يسعى بشدة لتقليص عجز الموازنة بينما يُقر زيادة فى الأجور تزيد عجز الموازنة بشكل دائم. وبالنظر إلى التشريعات الاقتصادية على مدار العام الماضى نجد أنها اتسمت بالجدلية والانفراد مما أفقدها الكثير من شعبيتها بينما كان يمكن جمع الناس عليها بحسن الإدارة.

أما بالنسبة للجانب الثانى (فريق اقتصادى كفء) فقد أوضح التعديل الوزارى الأخير إعلاء مبدأ الثقة على الكفائة إذ إن الثلاثة وزراء المعينين مؤخرا فى الحقائب الاقتصادية يفتقدون اثنين إن لم يكن ثلاثة من معايير الكفاءة المطلوبة من حيث الخلفية الاقتصادية والخبرة فى المؤسسات المالية والمصداقية فى سوق المال.

وأخيرا الجانب الثالث (القدرة على التنفيذ) فقد أوضحت الفترة السابقة تباطؤ النظام فى تنفيذ سياسات الإصلاح الاقتصادى المخطط لها بل وإلغاء القرارات بعد إصدارها لتجنب الغضب الشعبى. كما بدا واضحا وجود معارضة كبيرة لقرارت النظام الاقتصادية سواء لأسباب اقتصادية أو سياسية.
  
بعد مرور قرابة عام أصبح من الصعب أن تمنح مؤسسة عالمية شهادة ثقة لنظام أثبت على أرض الواقع مخالفته لمعظم المعايير المطلوبة للحصول على هذه الشهادة. حتى وإن تم تمريره فإن المؤسسات العالمية أصبحت فى غنى عن هذه الشهادة بعد أن أصبح لديها عام كامل من النهج الاقتصادى للحكم عليه بدون وسيط.

وبناء على ذلك فإن مفاوضات الصندوق ستستمر فى صورة سلسلة من الزيارات والمفاوضات التى لا تفضى إلى اتفاق حتى انتخاب مجلس شعب جديد كى يمكن للصندوق أن يجد مبررا وقتها لإبرام اتفاق ويجد جهة تشريعية منتخبة ومستقرة لديها السلطة للموافقة عليه. حتى وإن تم الدفع فى اتجاه القرض قبل انتخاب مجلس شعب جديد فإن الاتفاق سيكون مشروطا بإصلاحات اقتصادية صعبة التنفيذ مما يجعل القرض كأن لم يكن.


الخلاصة أن قرض الصندوق كان شديد الأهمية منذ عام بفضل شهادة الثقة التى كان سيمنحها للاقتصاد المصرى لكن بفضل ممارسات النظام الاقتصادية غير الموفقة أصبح الحصول على شهادة الثقة بلا معنى.

عمر الشنيطي
8 - يونيو - 2013
نُشر هذا المقال فى "جريدة الشروق"