Sunday, March 3, 2013

إقتناص الفرصة فى وقت الأزمة

تتوارد الأخبار من وقت لآخرعن نية شركات عالمية وإقليمية لتوسيع نشاطها فى مصرخلال الفترة القادمة. فى نفس الوقت يتحدث الاقتصاديون عن أزمة اقتصادية طاحنة لا يقتصر الحديث عنها بين الاقتصاديين فقط بل أيضاً بين عامة الشعب الذىن يشعرون بحالة من غلاء الاسعار وصعوبة إيجاد فرص عمل.
لكن إذا كان الوضع الاقتصادى بهذا السوء، فلماذا تنوى هذه الشركات الاستثمار فى مصر؟ هل يرون ما لا نراه؟ أم أنها مجرد شائعات لا تحمل وراءها أى نيّه حقيقية للاستثمار؟!

بدايةً علينا أن نعترف بأن الوضع الاقتصادى سيئ بالفعل، ومع ذلك لا تزال هناك شركات عالمية ترغب فى الاستثمار فى مصر وهذه ليست شائعات بل واقع. ولعل السبب فى التضارب بين الأمرين هو الاختلاف فى مستوى التحليل للوضع الاقتصادى. فعلى المستوى الكلى، فإن الاقتصاد يمر بحالة من التباطؤ فى النمو منذ الثورة أدت الى زيادة نسبة البطالة. هذا إلى جانب حالة ارتفاع معدل التضخم بسبب ارتفاع سعر صرف الدولار وزيادة تكاليف الانتاج. وهذه الحالة تعرف "بالركود التضخمى" والذى يصيب الاقتصاد بحالة من التراجع الشديد. ولعل سبب هذه الأزمة، هو حالة الإضطراب السياسى الذى تسبب فى إضفاء جو عام من السلبية. لكن على الرغم من سواد الصورة الكلية إلا أن هذا لا يعنى أنه لا توجد فرص للاستثمار. فسوء الوضع بشكل عام يعنى أن الغالبية تأثرت سلباً ولكن بطبيعة الحال يبقى هناك من تأثر إيجاباً ومن إستطاع أن يرى الفرص فى ظل هذا الوضع وينقض عليها.

عادة ما تتيح الأزمات الاقتصادية فرصاً استثمارية لا يراها إلا من إستطاع أن يرتقى بنظره إلى ما بعد الأحداث الجارية وينظر إلى المستقبل. وفى دولة كمصر فإن الوضع الحالى يفتح فرصاً كبيرة للاستثمار فى مجالات البنية التحتية والطاقة وتقديم الخدمات العامة بالشراكة مع الحكومة. كما أن إنخفاض قيمة الجنية أمام الدولار تفتح فرصاً كبيرة للاستثمار فى الصناعات التصديرية والتى تعتمد على تسويق منتجاتها المصنعه فى مصر فى الأسواق العالمية. بالإضافة الى ذلك، تبقى مصر من أفضل الأسواق للاستثمار فى مجالات الغذاء والصحة والتعليم باعتبارها خدمات رئيسية.

إذا نظرنا لاقتصاد مصر و وضعها الحالى، سنجد أن هناك مقومات كثيرة تجعل هناك فرص للاستثمار فى القطاعات التى سبق ذكرها:
أولاً: مصر دولة يفوق عدد سكانها ٨٠ مليون نسمة وهذا يجعلها من أكبر أسواق الاستهلاكية في المنطقة، فحتى مع سوء الوضع الاقتصادى يظل هناك طلب على السلع الغذائية، والخدمات الصحية والتعليمية وغيرها.
ثانياً: وضع البنية التحتية والكثير من الخدمات العامة فى مصر فى حالة سيئة ويحتاج لضخ استثمارات كبيرة مما يفتح الباب للاستثمار فى مشروعات قومية طويلة المدى وقليلة المخاطرة.
ثالثاً: عجز الميزانية الحكومية المتفاقم سيجبر الدولة للجوء إلى التعاون بشكل كبير مع القطاع الخاص فى مجالات توليد وتوزيع الطاقة، البنية التحتية، المواصلات، الخدمات العامة وغيرها.
رابعاً: إنخفاض قيمة الجنية أمام الدولار يزيد من تنافسية المنتجات المصرية المصدرة للأسواق العالمية مما يفتح الباب لكثير من الشركات والمصانع العالمية لتوسيع نشاطها الصناعى فى مصر إلى جانب توفر العمالة بكثافة وبتكلفة منخفضة نسبياً.
خامساً: مصر دولة محورية من حيث وضعها السياسى فى المنطقة و لا يستطيع أحد في الوقت الراهن تحمل نتائج سقوطها. والشركات العالمية والإقليمية تدرك ذلك جيداً وإذا كان هذا هو الحال فإن الاقتصاد سيتحسن عاجلاً أم آجلاً. ولذلك فمن الأفضل أن يبادروا بالاستثمار الآن للإستفاده من تدنى الأسعار.

هذه الأسباب وغيرها تجذب الشركات العالمية والإقليمية للاستثمار فى مصر و إن كانوا متباطئين في تنفيذ هذه الخطط حتى استقرار الأوضاع. الخلاصة أنه حتى فى أحلك الأزمات هناك من يستطيع أن يرى فرصاً استثمارية ويقتنصها.

عمر الشنيطي
٣-مارس-٢٠١٣
نُشر هذا المقال فى "جريدة الوطن"

Sunday, February 24, 2013

إقتصاد العجز ورجال الأعمال

إن الإقتصاد الحديث يجب أن يحقق التوازن بين أربعة أهداف رئيسية:
١- نمو الناتج المحلي (وهو إجمالي ما تم إنتاجه من سلع وخدمات) سنويا بنسبة مرتفعة تكون أعلى من التضخم وأعلى من زيادة السكان حتى يشعر الناس بزيادة حقيقية في دخلهم.
٢- توزيع الدخل بشكل عادل ومتوازن بين فئات المجتمع المختلفة لإقرار حالة من السلام الإجتماعي.
٣- كبح جماح التضخم حتى لا يشعر الناس بضعف قدرتهم على شراء السلع والخدمات.
٤- تقليل معدلات البطالة وتوفير فرص عمل بشكل يتناسب مع زيادة السكان.

إذا نظرنا لإدارة الإقتصاد المصري حالياً نجد أن هناك تركيز على محورين رئيسيين:
أولاً: عجز الميزانية: نجد أن هناك تركيز على كيفية خفض عجز الميزانية والذي وصل إلى ١٧٠ مليار جنيه في العام المالي الماضي ويتوقع أن يتخطى هذا المستوى في العام المالي الحالي. بجانب دأب الحكومة على إيجاد وسائل لتمويل هذا العجز عن طريق إصدار سندات حكومية تقوم البنوك المحلية بتمويل أغلبها.

ثانياً: رجال الأعمال: فالإدارة الإقتصادية الحالية تتسم بالإعتماد الشديد على رجال أعمال موالين للسلطة يقومون برسم الخطط الاقتصادية. هذا بالإضافة إلى التوجه العام المعلن عن الرغبة في المصالحة مع رجال أعمال النظام السابق وإشراكهم في الساحة الإقتصادية.

وبالتعمق في هذين المحورين، نجد أن هناك مشاكل كبيرة نتيجة التركيز علي هذين المحورين وعلاجهما بالطرق المتبعة حالياً، فعلى صعيد عجز الموازنة: يمكن القول بأن التركيز الشديد على عجز الميزانية قد أصاب الإقتصاد بالعجز لأسباب متعددة:
١- محاولة خفض العجز عن طريق خفض النفقات تزيد من حالة الركود الذي يعاني منها الإقتصاد منذ الثورة (والركود هنا يعني تباطؤ النمو الإقتصادي).
٢- التركيز على تمويل العجز داخلياً من خلال البنوك المحلية يقلل من السيولة في السوق مما يقلل من قدرة البنوك على تمويل المشروعات وبالتالي يزيد من حالة الركود.
٢- إعتبار قرض صندوق النقد هو الملجأ وإجراء إصلاحات إقتصادية بدون شفافية له آثار سلبية كبيرة كزيادة التضخم الناتج عن إرتفاع سعر صرف الدولار وزيادة الضرائب.

أما على صعيد رجال الأعمال، فإن الاعتماد عليهم في رسم الخطط الإقتصادية لها مشاكل متعددة:
١- رجال الأعمال ينتهجون سياسة استغلال الفرص لتحقيق الأرباح ولكن الإقتصاد في إدارته لابد أن يراعي مصالح فئات الشعب المختلفة. كما أن الإقتصاد علم له أسسه وآلياته التي هي أشمل و أعمقً من إدارة النشاطات التجارية. ولذلك الإعتماد على رجال الأعمال، حتى المخلصين منهم، يفقد التوجه الإقتصادي العمق المطلوب ويختذله في مجموعة من المشروعات الإستثمارية الغير متكاملة في تأثيرها على البلد.
٢- التصالح مع رجال الأعمال هي نبرة تسمع أحياناُ يعقبها نبرة التخوين لرجال الأعمال الذين يمولون الثورة المضادة ثم نعود للمصالحة وهكذا. ذلك التضارب في التوجه يصيب المستثمرين في الداخل والخارج بالقلق، الأمر الذي يؤدي إلى حالة من الترقب حتى إستقرار الأوضاع.

لذلك يجب على الإدارة الإقتصادية للدولة أن تأخذ في إعتبارها الآتي:
١- التركيز على العجز كهدف أسمى يصيب الإقتصاد بالعجز. و يجب علاجه عن طريق تغيير تركيبة تمويل العجز بتقليل الإعتماد على البنوك المحلية مقابل التمويل من الخارج. كما أن علينا تقليل التركيز على خفض النفقات بعض الشئ حتى يتعافى الإقتصاد مع فرض رقابة صارمة على الأسعار.
٢- رجال الأعمال من أعمدة الإقتصاد الرئيسية في كل الدول ولكن ليسوا هم من يجب أن يضطلع بوضع خطط مصر الاقتصادية، فهم ليسوا أهلاً لذلك، حتى وإن خلصت نواياهم. كما يجب الثبات على مبدأ مع رجال الأعمال: إما المصالحة أو المحاسبة.
٢- الإدارة الإقتصادية أوسع من العجز ورجال الأعمال ولابد من وضع برنامج إنقاذ إقتصادي متكامل يوازن بين الأهداف الأربعة : النمو، توزيع الدخل، التضخم، والبطالة.

عمر الشنيطي
٢٤-فبراير-٢٠١٣
نُشر هذا المقال فى "جريدة الوطن"

Sunday, February 17, 2013

الإقتصاد الإسلامى: واقع أم خيال؟

مع ظهور التيار الإسلامى على الساحة السياسية، كثر الحديث عن الإقتصاد الإسلامى كبديل عن الإقتصاد الربوى من منطلق أن الإسلام نظام شامل ينظم جميع نواحى الحياة بما فيها الإقتصاد والسياسة. وتزامن الحديث عن الإقتصاد الإسلامى مع الوعود بـتدفق الإستثمارات وإستحداث أدوات مالية إسلامية مثل الصكوك. ولكن ما إن وصل التيار الإسلامى الى الحكم حيث وجب عليهم التعامل مع المشاكل الاقتصادية المزمنة، وجدناهم يلجئون لنفس الأدوات التقليدية. ومن هنا يأتى التساؤل عن ماهية " الإقتصاد الإسلامى".

هل هناك فعلاً "إقتصاد إسلامى"؟!
إن النظام الإقتصادى الحديث هو فلسفة و مبادئ تحكم مجموعة من الآليات التى تنظم أدوار الجهات المختلفة وتحدد العلاقات بينهما. والنظام الإقتصادى يجب أن يكون متكامل وتم تنفيذه فى دول أخرى حتى يمكن الحكم على فاعليته. وبناءا على هذا التعريف، لا يمكن الإعتراف بأنه يوجد نظام إقتصادى إسلامى متكامل بآليات واضحة ومجربة فى دول أخرى بشكل فعال إذ أن الإقتصاد الإسلامى لا يعدو فى الحقيقة عن مجرد فلسفة ومجموعة من المبادئ والآليات الاستراتيجية استنبطها الفقهاء والإقتصاديون لكن مازالت هذه الآليات غير متكاملة وتحتاج الى الكثير من التطوير حتى يمكن تطبيقها.
قد يزعم البعض أن الإقتصاد الإسلامى نظام قائم مدللين على ذلك بوجود بنوك إسلامية فى كثير من الدول. لكن البنوك هى مجرد جزء من النظام الإقتصادى. وإن كان حدث تقدم نسبى فى مجال البنوك فى النظام الاسلامى فإن الأبعاد الاخرى فى الإقتصاد الحديث لم يشملها هذا التطور بعد مثل دور الحكومة والقوانين التجارية وغيرها.

لكن كيف يبدو الإقتصاد الإسلامى؟!
الإقتصاد الإسلامى أشبه ما يكون بالإقتصاد المختلط الذى يجمع بين آليات إقتصاد السوق كما فى الرأسمالية لكنه يعطى للدولة دور كبير فى مراقبة الأسواق وتنظيمها مع وجود آليات للعدالة الاجتماعية. لذا فإن الإقتصاد الإسلامى يعتمد على مجموعة من الآليات مثل الزكاة والأوقاف والتى يستطيع الإقتصاد من خلالها تقديم خدمات عامة مثل التعليم والصحة والضمان الاجتماعى. كما يركز النظام على عدم التعامل بالربا ويدفع المتعاملين للدخول فى عمليات بيع وشراء أو المشاركة فى العمليات التجارية نظير المشاركة فى الربح والخسارة وهذا من شأنه زيادة النشاط التجارى. هذا بالاضافة إلى آلية الميراث التى تعمل على توزيع الثروات عبر الأجيال على عدد أكبر لمنع تراكم الثروة. لذا نجد أن تطبيق الإقتصاد الإسلامى فى مصر قد يكون إيجابياً الى حد كبير. فعلى سبيل المثال إعتماد طريقة التمويل عن طريق الصكوك من المفترض أن تقلل عبء التمويل على كاهل الدولة.

كيف يمكن التحول للإقتصاد الإسلامى؟!
التنظير دائما أسهل من التطبيق، لذلك فإن التحول يحتاج للكثير من التمهيد:
أولاً: لابد من التركيز على الأزمة الإقتصادية الحالية فى مصر والتى أدت الى ضرورة الإقتراض على المدى القصير سواء من الداخل او الخارج ولكن يجب على التوازى الدفع ببرنامج إصلاح إقتصادى متكامل.
ثانياً: لابد من تمهيد الأرضية لتطبيق آليات الإقتصاد الإسلامى ويقتضى ذلك التوسع فى تدريسه فى الجامعات والأهم من ذلك التركيز على تطوير هذا النظام ليتحول من مجرد مبادئ الى آليات متكاملة يمكن تطبيقها.
ثالثاً: ينبغى تطبيق النظام بشكل تدريجى، مع التركيز على تفعيل وتوسيع قاعدة البنوك والتمويل الإسلامى بما انها أكثر الآليات تطوراً فى النظام. يجب عدم التسرع فى التطبيق خشية وقوع رد فعل عكسى من تطبيق نظام غير ناضج قد يكلف الدولة الكثير لعقود قادمة.

فى النهاية، لا يمكن القول بأنه يوجد نظام إقتصاد إسلامى متكامل ومجرب يمكن تطبيقه فى مصر ولكن توجد مبادئ وآليات استراتيجية يمكن الإستناد اليها لإيجاد نظام متوازن ومناسب لطبيعة مصر. ولكن لابد ان يتم هذا التحول بشكل تدريجى لتجنب آثار التحول السلبية.

عمر الشنيطي
١٧-فبراير-٢٠١٣
نُشر هذا المقال فى "جريدة الوطن"

Sunday, February 10, 2013

فلسفة الإخوان فى إدارة الدولة

بين إدعاءات المحللين بإن مصر أصبحت دولة "فاشلة" و تردى الوضع الإقتصادى، يتبادر للذهن: كيف وصل الحال إلى هذه المرحلة؟ هذا السؤال ينطبق على الإقتصاد وكذلك إدارة الدولة بشكل عام.

بعد بضعة  أشهرعلى وصول الإخوان للحكم، يصعُب إجراء تقييم متكامل للتجربة وكذلك يصعُب الجزم بفشلهم ولكن يمكن تحليل أدائهم واستقراء فلسفتهم فى إدارة الدولة. إذا أردنا حُكمًا موضوعيًا لابد أن ننظر لأداء الأخوان وكذلك العقبات التى تشكلها المعارضة. وعلى الرغم من إيمانى بالدورالسلبى لهذه المعارضة، إلا أننى سأقتصر فى هذا المقال على فلسفة الإخوان فقط لسببين: أولًا: أسهل شىء هو إلقاء اللوم على الآخر كوسيلة للهروب من حقيقة الإدارة السيئة. ثانيًا: أننا مازلنا لا نملك أدلة لإتهام المعارضة بالمؤامرات. فمن الأفضل الحديث على من يدير زمام الأموروقراءة فلسفته .

رغم حرمانهم لعقود من المساهمة فى إدارة الدولة، إندفع الإخوان لحصد المناصب من خلال الإنتخابات. بطبيعة الحال فإنهم لا يسعون للفشل ويبدو واضحًا أنهم بنوا فلسفتهم فى إدارة الدولة على عدة إفتراضات دفعتهم لإعطاء وعود براقة في الإنتخابات. وبالنظر إلى برنامج الحزب ثم مشروع النهضة وكذلك ما قيل فى جلسات الحوار المجتمعى، نستطيع أن نستخلص فلسفة الإخوان فى إدارة الدولة بإقتصادها ومؤسساتها بناءًا على ثلاث افتراضات رئيسية:
الأول: أن مصر دولة غنية بها موارد كثيرة ولديها القدرة على إحداث تنمية فى قطاعات مختلفة. وهذا الافتراض به الكثير من الصواب فمصر دولة بها موارد متعددة وتستطيع الارتكاز على قطاعات مختلفة ولكن الخطأ هو المبالغة فى حساب الموارد كما حدث فى موضوع الصناديق الخاصة. و كذلك عدم إدراك أن مصر تعانى لعقود من عجزهيكلى فى ميزانيتها قد يتطلب سنوات طويلة لمجرد إرجاع الميزانية تحت السيطرة.

الثانى: أن هذه الدولة الغنية بالموارد ينقصها مشروع قومى طموح حتى تنهض وهو ما ترجمته الجماعة بإصدار "مشروع النهضة". وبالرغم من أهمية هذه النوعية من المشاريع، إلا أن ما أُطلق من مشاريع كانت فى غاية التفاءل بدرجة تفوق المنطق. ولم يأبه الإخوان بالتحديات التى ستقابلهم وقت التنفيذ مثل قلة الإمكانيات المالية والعقابات الإدارية ولكن تفانوا فى تسويق هذه البرامج وإطلاق الوعود وأدى ذلك فيما بعد إلى الشعور بالإحباط خاصةً فى الجانب الإقتصادى الذى أصابه تراجع كبير.

الثالث: أن مؤسسات الدولة تسير بقوة الدفع الذاتى وكانت تدارمن مجموعة غير مخلصة وفاسدة فى كثيرٍ من الأحيان. ولذلك أعتقد الإخوان أن الدولة ستسير بشكل أفضل بتعيينهم لأفراد من "أهل الثقة" يتسمون بالحد الأدنى من الكفاءة والأمانة. الواقع أن جهاز الدولة له ثقافة مختلفة أصبحت فيها الإكراميات جزء من الحياة اليومية والفساد له تعريفات أخرى، فكان لدخول أهل الثقة وتلويحهم بمحاربة الفساد بشكل علنى أثار سيئة حتى وإن اتسم بعض من تم تعينهم بالكفاءة. فقد أدى ذلك إلى إستنفار قطاع كبير من الموظفين الذين شعروا بالخطر لأن ذلك يهدد ما اعتادوا عليه حتى وإن لم يكونوا فاسدين. كما أحدث ذلك حالة من الشلل فلا تجد مسؤول لديه رغبة فى التوقيع على ورقة.

هذه الافتراضات الثلاثة شكلت إلى حد كبيرفلسفة الإخوان في الشق الإقتصادي والإداري للدولة. ما زال مبكرًا إصدار حكم نهائى على التجربة وما زال لدى الإخوان الفرصة بأن يعيدوا النظر فى فلسفتهم وأن يعدلوا عن إفتراضات "موارد الدولة الغنية" و"البرامج الطموحة هى أهم ما تحتاجه مصر" و"سيرالدولة بقوة الدفع الذاتى وتعيين أهل الثقة" والتى ظهر الكثير من آثارها السلبية. وعليهم أن يقوموا بتغيرات فى السياسات والأشخاص الذين يتصدرون المشهد بكفاءات قادرة على تدراك الموقف وتغيير المسار. "لم تفت فرصة تغير المسار بعد ولكن لم يبقى أمامها الكثير...".

عمر الشنيطي
١٠-فبراير-٢٠١٣
نُشر هذا المقال فى "جريدة الوطن"

Sunday, February 3, 2013

السياسة قبل الاقتصاد

يمر الاقتصاد المصرى بأزمة منذ ثورة 25 يناير، وتزيد آثار هذه الأزمة بمرور الوقت فى ظل عدم تطبيق برنامج إصلاح إقتصادى متكامل. وللإنصاف، فإن هذه الأزمة ليست ناتجة من تبعات الثورة فقط، بل انها تراكمات ظل يعانى منها الاقتصاد المصرى لسنوات من عدم إتزان بين الصادرات والواردات، المصروفات والايرادات، الاستثمار والاستهلاك الى غير ذلك من اختلالات أدت الى مشكلات اقتصادية هيكلية ومزمنة.

إذا نظرنا للوضع الحالى، نجد ان الاضطرابات السياسية تعتبر هى لب المشكلة، فعلى الرغم من وجود مشاكل اقتصادية هيكلية قد يعمل الاقتصاديون على حلها، الا ان جوهر المشكلة الآن يكمن فى الصراع السياسى وعدم الاستقرار الذى يعتبر العائق الرئيسى امام اى محاولات للإصلاح. السبب الرئيسى وراء ذلك يكمن فى ان الاصلاح الاقتصادى الذى تحتاجه مصر هو عملية طويلة ومعقدة وذات تكلفة مادية واجتماعية باهظة، وقد تؤدى الى إشعال شرارة لثورة جديدة كما حدث فى عام 1977 حينما قرر الررئيس السادات رفع الدعم فثارت جموع الشعب ضده.

لذلك تعتبر البرامج الاصلاحية شديدة الخطورة وقد تتباطأ الكثير من الحكومات فى تنفيذها بل وسيسعى الحكام الى تجنبها بأى ثمن. وفى أحوال كثيرة يضطرون الى القيام بعكس ما تقتضيه هذه الإصلاحات مثلما حدث فى مصر مؤخراً، فعلى الرغم من احتياج مصر لسد عجز الموازنة وضغط النفقات الا ان الاشهر القليلة الماضية شهدت رفع للمرتبات الحكومية فى كثير من الدوائر وزياده المعاشات إما كاستجابة للمطالب الفئوية أو كمحاولة لاكتساب رضا الناس. ولذلك فإن الوضع السياسى المضطرب فى مصر يقلل من قدرة الحكومة على القيام ببرنامج إصلاح اقتصادى حقيقى وشامل يعيد التوازن بين أركان الاقتصاد المختلفة وهو ما يحتاجه الاقتصاد ولا يختلف عليه الاقتصاديون حتى وإن اختلفت توجهاتهم.

لهذا يجب على الاطراف السياسية والشعبية ان يدركوا ان استمرار هذا الصراع السياسى له ثمن باهظ على الاقتصاد. فاستمرار دائرة الاضطرابات، التى ما نكاد ان نخرج منها حتى ندخلها مجددا،ً سيؤدى الى عدم قدرة الحكومة على تخفيض نفقاتها وإعادة هيكلة الدعم بالشكل اللائق، الامر الذى سيؤدى الى زياده عجز الموازنة والذى سيتخطى 200 مليار جنية هذا العام وقد يتخطى 250 مليار جنية فى العام المالى القادم. وهذا التدهور سيؤثر حتماً على التصنيف الائتمانى لمصر والذى شهد عدة مرات من التخفيض خلال العامين الماضيين ويؤثر ذلك بشده على ارتفاع تكلفة اقتراض الحكومة ويضغط على عجز الموازنة.

من جهه أخرى، هذا التدهور سيؤدى الى زيادة الفجوة بين الواردات والصادرات، مؤثراً بشكل كبير على سعر الصرف الذى شهد انخفاضاً كبيراً فى الاسابيع الماضية وقد يؤدى عدم الاستقرار الى انخفاض اكبر لسعر الصرف. مع تدهور سعر الصرف ستشهد مصر حالة من ارتفاع شديد للاسعار فى السنوات القادمة. فى ظل هذه التغيرات وعدم قدرة الحكومة على إعادة هيكلة الاقتصاد بالشكل المطلوب لن يكون امام الحكومة الا الاقتراض ثم الاقتراض، سواء من الداخل او من الخارج او من مؤسسات مالية عالمية، وهذا هو الغالب على سياسة الحكومة بطبيعة الحال الآن. وقد يكلف التمادى فى الاقتراض على المدى المتوسط والبعيد الكثير كما كلفها فى عصورها المختلفة.

ولذلك أرى ان هناك رسالتين يجب إيصالهما:
الأولى: لمن يحكم البلاد من رئاسة أو وزارة "السياسة قبل الاقتصاد، لأنه لن يحدث إصلاح اقتصادى بدون استقرار سياسى حقيقى، والتمادى فى الاقتراض لتسيير المركب سيغرق الجميع فى النهاية"
الثانية: للتيارات السياسية المتنازعة "اعلموا ان الصراع السياسى الدائر الآن يدمر الاقتصاد وقد لا يجد الفائز بهذا الصراع الا دولة هشة غير قادرة على توفير احتياجاتها الاساسية، هذا ان كان هناك فائزاً فى نهاية المطاف"!  

عمر الشنيطي
٣-فبراير-٢٠١٣
نُشر هذا المقال فى "جريدة الوطن"

Sunday, January 27, 2013

"ارتفاع الأسعار" سمة هذا العصر

يتميز كل عصر بسمة اقتصادية يتذكرها الناس بعد مروره. فمثلاً سمة السبعينات كانت "الانفتاح" وسمة التسعينيات كانت "الخصخصة"، بعد مرور عامين على الثورة أعتقد أن السمة التي غلبت على الاقتصاد وستظل غالبة هي "ارتفاع الأسعار"، أو ما يعرف بظاهرة "التضخم".


ولكن ما هو "التضخم"؟
التضخم هو ارتفاع عام في متوسط أسعار السلع والخدمات خلال فترة زمنية معينة، ويقاس كنسبة تدل على ارتفاع الأسعار خلال هذه الفترة مقارنة بالفترة السابقة. ويتم قياس التضخم عن طريق قياس متوسط الأسعار لسلة محددة من السلع والخدمات، وتتضمن هذه السلة متوسط أسعار الغذاء والمواصلات والسكن والتعليم إلى ما غيرها، مع العلم أن الغذاء والسكن يمثلان ما يزيد عن نصف هذه السلة في مصر.

و لماذا يكون "التضخم" هو سمة هذا العصر؟
على الرغم من تعقد الوضع الاقتصادي إلا أن المواطن البسيط لا يأبه بعجز الموازنة والاحتياطي النقدي وما غيرها، ولكن يصب اهتمامه على حياته اليومية وما يؤثر فيها. فيفزعه قرار سائقي المكروباص رفع الأجرة أكثر مما يفزعه هبوط الاحتياطي بمليار دولار، خاصة وإن كان ارتفاع الأسعار متكرروبزيادات كبيرة. وهذا أيضا حال الميسورين ماديا الذين يواجهون ظاهرة ارتفاع المأكل والملبس ومصاريف المدارس وخدمات الترفيه. ببساطة، التضخم ظاهرة سيئة لأنها تعني إفقار لقدرة الفرد على شراء السلع والخدمات.

إذن ما هي أهم أسباب التضخم الحالي؟
هناك أسباب متعددة لكن يمكن الإشارة إلى أربعة أسباب رئيسية:
أولاً: عدم الانتظام من جانب المعروض من السلع والخدمات مقابل الطلب في السوق. فمثلاً الاضطراب المتكرر في المواصلات العامة فتح الباب أمام سائقي الأجرة لرفع الأسعار. وكذلك هذا هو الحال في كثير من المنتجات المستوردة التي يتأخر إستيرادها لأسباب لوجستية مما يؤثر على ارتفاع الأسعار.
ثانياً: زيادة تكلفة الانتاج بشكل عام ولعل من أهم أسبابها زيادة أسعار الطاقة على الكثير من المنشآت، والتي قد تم تطبيقها على البعض بالفعل والبعض الآخر قد أخذها في الاعتبار في تسعيره استباقاً.
ثالثاً: فرض عدة أنواع من الضرائب والدمغات على المنشآت الاقتصادية والتي رفعت من تكلفة الانتاج وبالتالي زادت من أسعار المنتج النهائي.
رابعاً: ارتفاع الدولار أمام الجنيه، فمصر تستورد الكثير من السلع الأساسية، كما تستورد الكثير من المواد الخام. فارتفاع الدولار أمام الجنيه يعني بالتالي ارتفاع مماثل في سعر الكثير من السلع والخدمات المستوردة أو التي يدخل فيها مواد مستوردة.
هذه الأسباب الأربعة مع غيرها ساهمت في ارتفاع الأسعار. وعلى الرغم من أن الاحصائيات الرسمية الصادرة عن وزارة المالية تشير إلى نسبة تضخم ١٠٪ كمتوسط للعامين السابقين، إلا أن كثير من مراكز الأبحاث تشير إلى تضخم يزيد متوسطه عن ٢٠٪ كواقع حقيقي.

ولكن ما هو الحل؟
للأسف "التضخم" في مصر لا مفر منه، بدأ بالفعل ومتوقع أن يستمر على متوسطات مرتفعة بسبب استمرار ارتفاع الدولار أمام الجنيه، وكذلك إعادة هيكلة الدعم في الفترة القادمة.
ولكن يمكن التقليل من حدة هذه الظاهرة، ويستلزم ذلك أن تقوم الحكومة بفرض رقابة صارمة على الأسعار، والعمل على توفير السلع الرئيسية في الأسواق لمنع ظهور السوق السوداء، وكذلك العمل على تثبيت سعر صرف الدولار في القريب العاجل، والأهم من ذلك إعادة النظر في قضية الضرائب على المبيعات وتحويلها لضرائب على الدخل لمنع زيادة تكلفة الانتاج.

وفي الختام، نحن نعيش في أزهى عصور "التضخم"، الذي أصبح واقعاً نعيشه وهو ما يشعر به كل مواطن أكثر من المؤشرات الاقتصادية الكلية، وعلى الرغم من الأثر السئ لهذه الظاهرة إلا أن الحكومة تستطيع العمل على السيطرة على هذه الظاهرة والحد من آثارها السلبية.

عمر الشنيطي
٢٧-يناير- ٢٠١٣
نُشر هذا المقال فى "جريدة الوطن"

Sunday, January 20, 2013

الصكوك: هل تجلب المليارات؟

كثر الحديث مؤخراً عن الصكوك، التي طرحها الإسلاميون كأداة مقترحة لتمويل المشروعات التنموية الكبيرة.

ولكن ما هي الصكوك بالتحديد؟
كما ورد في مسودة القانون المقترح "الصكوك هي أوراق مالية اسمية متساوية القيمة، تمثل كل منها حصة شائعة في ملكية أصول أو منافع أو خدمات أو في مشروع معين، وفق لما تحدده نشرة الاكتتاب العام أو مذكرة المعلومات بحسب الأحوال وبمراعاة الشريعة الإسلامية ".
وعلى الرغم من وجود العديد من أنواع الصكوك إلا أن الأكثر شيوعاً هي:
١) صكوك "الإجارة" :يقوم الممولين بشراء أصل ثم تأجيره لطالب التمويل لفترة زمنية بقيمة محددة.
٢) صكوك "المضاربة": يقوم الممولين بتمويل مشروع بعينه مقابل حصة (نسبة) من الأرباح لفترة زمنية محددة.
٣) صكوك "المرابحة": يقوم الممولين بشراء أصل أو منتج ثم بيعه لطالب التمويل مقابل سعر أعلى مدفوع على أقساط محددة.
٤) صكوك "الاستصناع": يقوم الممولين بتمويل عملية بناء أصل ثابت بناء على رغبة طالب التمويل مقابل ثمن أعلى يدفع لاحقاً.
ويستحوذ القطاع الحكومي على نصيب الأسد من هذه الإصدارات، حيث تستخدم الحكومات إيرادات الصكوك لتمويل المشروعات العملاقة كبناء وتوسعة الموانئ والمطارات.

ولكن ما الفارق بين السندات والصكوك؟
السندات الحكومية تقضي باصدار مالية تقوم بمقتضاها الحكومة بجمع الأموال مقابل وعد برد أصل المبلغ بعد فترة زمنية محددة ودفع فوائد محددة. ويعتبر السند مديونية على الدولة الحكومة ولكن تعطي للحكومة الحق في استخدام الأموال في سد عجز الموازنة أو تمويل مشروعات أو غيرها. وبما أن السندات تمنح حامليها عوائد محددة دون مخاطرة أو الدخول في عمليات بيع وشراء فهي تعتبر مخالفة لأحكام الشريعة الاسلامية.

أما الصكوك فهي أداة مالية تستطيع من خلالها الحكومة جمع الأموال ولكن للصرف في مشروعات محددة، وينطوي ذلك على مشاركة الممولين في الربح والخسارة كالمضاربة أو الإجارة، أو الدخول في عمليات بيع وشراء وتطوير كالإستصناع والمرابحة، و لذلك تُعتبر موافقة لأحكام الشريعة الإسلامية. أيضاً بسبب هذه الطبيعة فإن الصكوك عادة لا تعتبر مديونية على الدولة.

الأهم: هل الصكوك مفيدة؟ وهل تجلب المليارات؟
أولاُ: استحداث أدوات مالية جديدة هي دائماً علامة إيجابية حيث يساعد ذلك على تنشيط سوق الأوراق المالية.
ثانياً: بسبب طبيعتها، هذه الصكوك قد تساعد على تنشيط الاستثمار خاصة في المشروعات الكبيرة.
ثالثاً: بما أنها موافقة لأحكام الشريعة الإسلامية، فهذه الصكوك ستفتح الباب أمام كثير من المؤسسات المحلية والإقليمية والتي سترى في هذه الصكوك فرصة استثمارية جيدة وكذلك متوافقة مع أحكام الشريعة الإسلامية.

ولكن إذا نظرنا للأرقام، نجد أن إجمالي سوق الصكوك العالمي بلغ ٣٠٠ مليار دولار بنهاية ٢٠١٢، أصدرت ماليزيا ثلثي هذا الرقم والباقي أغلبيته صدر في الخليج. وتتوقع التقارير زيادة سوق الصكوك إلى ٩٠٠ مليار دولار بنهاية ٢٠١٧. و قد تصل حصة مصر إلى حوالي ١٠-١٥٪ من السوق أي ١٠٠ إلى ١٥٠ مليار دولار بنهاية ٢٠١٧، أي بمتوسط ٢٠ إلى ٣٠ مليار دولار سنوياً.
هذه الأرقام قد تكون بداية جيدة إذا تم استغلال واردتها في تمويل مشروعات تنموية كبيرة تعمل على انعاش السوق وخلق فرص عمل بدلاً من محاولة إعادة تمويل عجز الموازنة. كما يفضل إصدارها كصكوك إجارة ومضاربة، لتأكيد مبدأ المشاركة في الربح والخسارة وتقليل الضغط على مديونية الدولة. بالإضافة لذلك على الدولة أن تسعى لتسويق هذه الصكوك خارجيا للمؤسسات الإقليمية والعالمية والمصريين بالخارج لزيادة  السيولة في السوق.

في النهاية، الصكوك أداة مالية تختلف بعض الشئ عن السندات، وقد يكون لها الكثير من الآثار الإيجابية على الاقتصاد، لكن لا ينبغي تضخيم  حجمها أو أثرها.

عمر الشنيطي
٢٠-يناير-٢٠١٣
نُشر هذا المقال فى "جريدة الوطن"