Saturday, May 2, 2015

تخفيض الجنيه لا يؤدى دائما لزيادة الصادرات

سعر صرف العملة له أهمية اقتصادية كبيرة، حيث إنه يؤثر على أسعار ومستويات الصادرات وبالتالى معدلات الإنتاج والنمو، كما يؤثر على أسعار الواردات ومعدلات التضخم. والتصور المعتمد أن تخفيض الجنيه دائما يؤدى إلى زيادة الصادرات، حيث تنخفض أسعارها وتزيد تنافسيتها فى الأسواق العالمية. وهذا التصور جعل قضية تخفيض الجنيه مطلبا رئيسيا لبعض الاقتصاديين والمصنعين كأداة لتشجيع الصادرات. لكن العلاقة بين تخفيض الجنيه وزيادة الصادرات قد لا تستقيم فى كل الحالات.

بداية يجدر السؤال: لماذا يفترض أن يؤدى تخفيض الجنيه لزيادة الصادرات؟
تخفيض الجنيه يحدث حينما يقوم البنك المركزى، الذى يتحكم فى سعر الصرف، بخفض سعر صرف الجنيه أمام العملات الأجنبية، خاصة الدولار. ويلجأ البنك المركزى لذلك حينما تصبح التدفقات الدولارية الخارجة للاستيراد وما شابه أكبر من التدفقات الدولارية الواردة من التصدير والسياحة وما شابه. وحينما ينخفض الجنيه، فإن الصادرات المصرية ينخفض سعرها بالدولار فى الأسواق العالمية وهو ما يزيد الطلب عليها ويؤدى إلى ارتفاعها. بالاضافة لذلك، حينما ينخفض الجنيه فإن ذلك من المفترض أن يشجع المستثمرين الأجانب على الاستثمار فى مصرو ذلك بإنشاء المصانع بهدف التصدير للخارج وهو ما بدوره سيؤدى إلى زيادة الصادرات وبالتالى زيادة معدلات الإنتاج والنمو.

لكن ما هى تكلفة تخفيض الجنيه؟
على الرغم من الأثر الإيجابى المفترض لتخفيض الجنيه على الصادرات والإنتاج والنمو إلا أنه يأتى بتكلفة اجتماعية كبيرة، حيث إنه يؤدى إلى زيادة أسعار الواردات بالجنيه وبالتالى ارتفاع معدلات التضخم وما يستتبعها من إضعاف القوة الشرائية للأفراد والعائلات. وبما أن جزءا كبيرا من الواردات المصرية هى منتجات أساسية لا يمكن الاستغناء عنها أو استخدام منتجات محلية بديلا عنها، فإن التضخم الناتج عن تخفيض الجنيه عادة ما يكون شديد الأثر على المجتمع، خاصة الفقراء ومحدودى الدخل.

كيف كانت تجرية الاقتصاد المصرى مع تخفيض الجنيه؟
شهد الاقتصاد المصرى عدة موجات من تخفيض الجنيه فى العقود الأخيرة وعادة ما يحدث ذلك بعد فترة من تراجع ما يتدفق على الاقتصاد من دولار، مقارنة بما يخرج من الاقتصاد من دولار مما يؤدى إلى وجود عجز فى العملة الصعبة يجعل من الصعب على البنك المركزى توفير الدولار اللازم لعمليات الاستيراد والأنشطة التجارية ويؤدى إلى خلق سوق موازية. ومع مرور الوقت، تتفاقم السوق الموازية ويصبح البنك المركزى تحت ضغط لتخفيض الجنيه وسد الفجوة بين السعر الرسمى والسعر الموازى للعملة. وقد شهد العقد الذى سبق ثورة ٢٥ يناير موجة كبيرة لتخفيض الجنيه فى إطار محاولات الحكومة لإصلاح الاقتصاد وتنشيط الصادرات وجذب الاستثمارات، حيث ارتفع سعر صرف الدولار مقابل الجنيه قرابة الضعف خلال تلك الفترة.

لكن على التوازى، شهدت الصادرات ارتفاعا كبيرا خلال نفس الفترة بما يزيد على ثلاثة أضعاف خاصة الصادرات غير البترولية والتى كان لتخفيض الجنيه أثر فى انخفاض أسعارها فى الأسواق العالمية ومن ثم زيادة تنافسيتها. ولعل هذه التجربة كانت دليلا على صحة الافتراض بأن تخفيض الجنيه يؤدى لزيادة الصادرات. فبعد ثورة ٢٥ يناير، عاد الضغط مرة أخرى على الجنيه حيث تراجعت السياحة والاستثمارات الأجنبية بينما زادت الواردات، فاتسعت الفجوة بين الصادر والوارد للاقتصاد من دولار. ودافع البنك المركزى باستماتة عن الجنيه لكن فى النهاية كان عليه أن يلجأ لتخفيض سعر صرف الجنيه.

لكن هل أدى تخفيض الجنيه أخيرا لزيادة الصادرات؟
على عكس التصور المعتمد، فإن تخفيض الجنيه فى السنوات الأخيرة لم يؤد لزيادة الصادرات والتى فى الواقع شهدت تراجعا. ففى عام ٢٠١٢، شهد الجنيه انخفاضا بنحو ٢٫٩٪ مقابل الدولار، لكن واكب ذلك انخفاض أيضا فى الصادرات يصل إلى ١٤٪. أما فى ٢٠١٣، فقد انخفض الجنيه بقرابة ١٢٫٤٪، لكن الصادرات ارتفعت بنحو ٧٪ فقط. بينما فى ٢٠١٤، انخفض الجنيه مجددا بنحو ٢٫٧٪، وواكب ذلك انخفاض للصادرات بنحو ١٫٨٪. وإذا أخذنا السنوات الأربع معا، نجد أن تلك الفترة شهدت انخفاضا كليا فى الجنيه يصل إلى ١٩٪، لكن ذلك لم يواكبه زيادة فى الصادرات والتى على العكس قد انخفضت بنحو ١٠٪ وهو ما يضرب التصور المعتمد فى مقتل.

إذا أين تكمن المشكلة؟
عملية التصدير منظومة متكاملة تتأثر بالعديد من العوامل وليس فقط أسعار الصادرات التى يؤثر فيها سعر صرف الجنيه. ولذلك فإن انخفاض الجنيه ليس كفيلا بتشجيع الصادرات وزيادة حجمها فى وقت شهد فيه الاقتصاد اضطرابات كان بلا شك لها أثر كبير على منظومة التصدير. ويأتى فى هذا الصدد عوامل مختلفة مثل التسويق للمنتجات المصرية عالميا وجودة المنتجات المصرية ومطابقتها للمواصفات العالمية. بالإضافة لذلك، فإن السنوات الاخيرة شهدت العديد من الاضطرابات الأمنية التى أثرت على عملية الإنتاج وبالتالى قدرة الشركات على التصدير. وزاد الأمر أخيرا مع صعوبة الاستيراد بعد قرارات البنك المركزى الأخيرة المتعلقة بالدولار لتعيق حركة الإنتاج والتصدير، حيث إن الكثير من الصادرات المصرية تعتمد فى تصنيعها على بعض المواد الخام والمنتجات المستوردة. ولعل هذه المشكلات تشير إلى أهمية إعادة النظر فى منظومة التصدير التى تحتاج لاستراتيجية تنافسية متكاملة وليس فقط المزيد من التخفيض للجنيه.

الخلاصة أن التصور المعتمد يقضى بأن تخفيض الجنيه يؤدى لزيادة الصادرات وهو ما تؤيده التجربة المصرية فى العقد الذى سبق ثورة ٢٥ يناير، لكن الواقع بعد الثورة جاء مغايرا لذلك حيث واجه الجنيه ضغطا كبيرا بسبب الفجوة بين الصادر والوارد للاقتصاد من دولار مما أدى لتخفيضه. لكن على عكس المتوقع، واكب ذلك انخفاض فى الصادرات مما يؤكد أن تخفيض الجنيه وبالتالى سعر الصادرات عاملا واحدا ضمن منظومة التصدير والتى تأثرت بعوامل كثيرة أخرى. وفى وقت نستشرف فيه المزيد من التخفيض للجنيه، من المهم إدراك أن تخفيض الجنيه لا يؤدى دائما لزيادة الصادرات، لكن يأتى دائما بتضخم ذى تكلفة اجتماعية كبيرة، وأن تشجيع الصادرات يتطلب استراتيجية تنافسية متكاملة فى الأساس.


عمر الشنيطى
02 - مايو - 2015
نُشر هذا المقال فى "جريدة الشروق"

Saturday, April 18, 2015

عن الفقاعة العقارية المرتقبة

لعقود طويلة ينظر المصريون على اختلاف مستوياتهم للاستثمار العقارى على أنه استثمار آمن يسهل الاستحواذ عليه ويسهل إدارته والحفاظ عليه فى أغلب الأحوال مع انخفاض احتمالية عمليات النصب فيه مقارنة بالاستثمارات الأخرى. ومع الزيادة السكانية المتسارعة فى مصر فى العقود الأخيرة، شهدت الأصول العقارية ارتفاعات كبيرة بمجهود ومخاطرة منخفضة مما جعل العقار بمثابة الابن البار للكثيرين. لكن الإقبال على الاستثمار العقارى قد يؤدى فى بعض الأحوال إلى فقاعة عقارية وهو ما يتوقع حدوثه فى السنوات القادمة.
ويجدر أولا معرفة ما هى الفقاعة؟
الفقاعة تحدث حينما ترتفع القيمة السوقية لأحد الأصول بشكل كبير وسريع مما يجعل السعر السوقى أعلى بكثير من القيمة الأساسية لهذا الأصل وهى القيمة العادلة التى يحددها الخبراء وعادة ما يتم تداول الأصل عليها قبل تفاقم الفقاعة والتى تصيب المستثمرين بهوس يدفعهم للاستحواذ على الأصل بأسعار شديدة الارتفاع أملا فى المزيد من الارتفاعات. وهذه المضاربة تساهم فى ارتفاع قيمة الأصل لفترة أطول. لكن عاجلا أم آجلا يدرك المستثمرون أن القيمة المتداولة فى السوق أصبحت غير واقعية مما يدفع قيمة هذا الأصل للتراجع ويؤدى إلى انفجار الفقاعة.
لكن هل ينطبق ذلك على سوق العقارات؟

سوق العقارات لا تختلف عن الأسواق الأخرى وقد تتكون فقاعة عقارية حينما ترتفع أسعار العقارات بشكل كبير وسريع فيعتقد الناس أن الأسعار ستستمر فى الارتفاع مما يدفعهم للمضاربة ويؤدى إلى فقاعة عقارية. لكن بعد نقطة معينة يدرك الناس أن الأسعار أصبحت خيالية، فتنفجر الفقاعة وتتراجع الأسعار وهو ما قد يؤدى إلى تباطؤ السوق أو انهيارها بناء على حجم الديون المستحقة على المستثمرين العقاريين. فحينما يعتمد المستثمرون على الديون فى شراء العقارات وقت تكوين الفقاعة، فإن انفجارها يكون حادا ويؤدى إلى انهيار الأسعار كما حدث فى سوق العقارات الأمريكية فى ٢٠٠٧ وتكرر فى دبى فى ٢٠٠٨.
هل شهدت مصر فقاعات عقارية؟
شهدت السوق المصرية فقاعة عقارية خلال فترة ٢٠٠٤ــ٢٠٠٨، حيث شهدت السوق ارتفاعات كبيرة كانت فى البداية منطقية مع التوسع فى المدن السكنية الجديدة فى ضواحى القاهرة لكنها بعد ذلك تسارعت وزادت حدتها لمستويات مبالغ فيها حتى اندلعت الأزمة المالية العالمية فى ٢٠٠٨ وألقت بظلالها على مصر وأدت إلى انفجار الفقاعة، لكن ذلك لم يؤد لانهيار السوق لمحدودية الديون المستحقة على ملاك العقارات فى مصر وهو ما أدى إلى فترة من التباطؤ فى السوق وثبات الأسعار. 

هل نتوقع فقاعة عقارية أخرى؟ وهل ستستمر طويلا؟

إن العائلات المصرية الميسورة على مستوياتها المختلفة لديها ثروات متراكمة تسعى لاستثمارها لجلب عائد أعلى من الفائدة على ودائع البنوك التى تتراوح بين ٨ــ١٠٪ والتى تعتبر أقل من معدلات التضخم الرسمية. وبالنظر للبدائل المتاحة، نجد أن الحفاظ على المدخرات بالدولار أصبح أمرا شاقا بعد قرارت البنك المركزى الأخيرة والتى تحد بشكل واضح من إمكانية التعامل على الدولار كوعاء استثمارى. فى الوقت نفسه، تذبذب أسعار الذهب فى السنوات الأخيرة تحد من جاذبيته كوعاء استثمارى. وعلى الرغم من مكاسب البورصة فى ٢٠١٤ إلا أن التراجع أخيرا وكذلك الصورة الذهنية السلبية لدى عموم المصريين عن البورصة تحد من جاذبيتها كوعاء استثمارى. لذلك من المنطقى أن يقبل عوام المستثمرين على سوق العقارات كاستثمار.
وهذا الإقبال من المتوقع أن يكون كبيرا ومن شأنه أن يؤدى إلى زيادة كبيرة ومتسارعة فى أسعار العقارات المشتراة بهدف الاستثمار فى الأساس فى السنوات القادمة وهو ما يمكن ملاحظته بالفعل فى سوق العقارات أخيرا خاصة فى ضواحى القاهرة، كما توضحه مبيعات شركات العقارات الكبرى ومؤشرات الأسعار المختلفة. وسيكون هذا النشاط مبررا على المدى القصير بعد فترة طويلة من الركود خلال ٢٠٠٨ــ٢٠١٣. لكن بسبب التدفق الكبير لرءوس الأموال على العقارات من قبل المستثمرين، فإن هذا النمو الذى سيبدأ بشكل صحى سيتحول إلى فقاعة وسيشهد السوق ارتفاعات كبيرة فى الأسعار بسبب المضاربة. لكن بعد ذلك، ربما بعد أربع أو خمس سنوات، فإن الفقاعة لا محالة ستنفجر بعد وصول الأسعار لمستويات خيالية بسبب المضاربة وبعد أن توجه الكثير من العائلات مدخراتها للمزيد من الاستثمارات عقارية.
كيف ستكون نهاية الفقاعة؟ وكيف يمكن التعامل معها؟
بما أن حجم الديون على ملاك العقارات محدودة فى مصر، فإن انفجار الفقاعة على الأرجح سيؤدى إلى فترة من التباطؤ وثبات الأسعار لعدة سنوات بعدها كما حدث فى ٢٠٠٨ــ٢٠١٠ لكن التباطؤ هذه المرة قد يكون أطول بسبب حجم الاستثمارات المتدفقة على القطاع. هذا التصور للقطاع يجعل الاستثمار فيه فرصة جيدة جدا، حيث إن العائد المتوقع مرتفع والمخاطرة محدودة. لكن حتى يتم تعظيم العائد على الاستثمارات العقارية، فمن الأفضل التركيز على وحدات الإسكان المتوسط الأسهل فى البيع بدلا من الفيلات الفاخرة وكذلك التركيز على الوحدات المطورة بالفعل أو التى سيتم تسليمها على المدى القصير بدلا من المشروعات التى سيتم تسليمها بعد فترات طويلة والتى قد يتأخر تسليمها إذا تعثرت السوق. كما يفضل التركيز على الوحدات المؤجرة، سواء سكنية أو إدارية أو تجارية، والتى تُدر دخلا دوريا بدلا من مجرد تجميد الأموال بدون عائد حتى وقت البيع.
الخلاصة أنه فى وقت تتراجع فيه جاذبية الاستثمارات البديلة، فمن المتوقع أن يزيد إقبال المستثمرين على العقارات بشكل كبير مما سيؤدى إلى ارتفاعات كبيرة وسريعة فى أسعار العقارات فى السنوات القادمة. تلك الارتفاعات والتى قد تبدو مبررة فى السنوات الأولى ستؤدى إلى فقاعة عقارية، حيث سترتفع الأسعار بشكل كبير بسبب المضاربة. ومع انفجار الفقاعة، فإن السوق على الأرجح سيشهد فترة من التباطؤ وثبات الأسعار. ومع جاذبية الاستثمار العقارى، فمن الأفضل التركيز على الاستثمار فى وحدات الإسكان المتوسط الجاهزة أو التى سيتم تسليمها قريبا وكذلك الوحدات المؤجرة المدرة للدخل بمختلف أنواعها، لكن على مستوى الاقتصاد الكلى، ستظل الاستثمارات العقارية محدودة الأثر فى إحداث تنمية عادلة ومستدامة.
عمر الشنيطى
18 - إبريل - 2015
نُشر هذا المقال فى "جريدة الشروق"

Saturday, April 4, 2015

الحروب الإقليمية والاقتصاد المصري

مرت ثلاثة أسابيع على مؤتمر مصر الاقتصادي الذي أقيم في شرم الشيخ والذي تم الإعلان فيه عن حزم من المساعدات الخليجية أغلبها في صورة استثمارات وكذلك تم الإعلان عن استثمارات كبيرة. لكن بعد أيام من المؤتمر، بدأت الحرب في اليمن. كما شهد الأسبوع الماضي في شرم الشيخ أيضا القمة العربية والتي كانت تتمحور حول حرب اليمن مع الإتفاق على تكوين قوة عربية مشتركة لمحاربة الإرهاب. وهذه التطورات تضفي بأثرها على الاقتصاد المصري وتجعل الصورة المتفائلة التي نتجت عن المؤتمر في حاجة إلى تعديل.
بعد أربعة أعوام من الاضطراب السياسي والاقتصادي، بدأ الاقتصاد في إظهار بعض المؤشرات الإيجابية في النصف الأول من العام المالي الحالي من حيث ارتفاع معدلات النمو وانخفاض عجز الموازنة. وعلى الرغم من الصورة الإيجابية إلا أنها تبدو غير مستدامة إذا لم تتدفق الاستثمارات الأجنبية سريعا. وخرج المؤتمر في صورة إيجابية بالإعلان عن إتفاقيات ومذكرات تفاهم بعشرات المليارات من الدولارات وكذلك الإعلان عن دعم خليجي كبير ومتساوي بين السعودية والإمارات والكويت في إشارة سياسية لها دلالتها مما أعطي شهادة ثقة كبيرة للاقتصاد المصري أمام المستثمرين وبث روحاً إيجابية محلياً ودولياً.
لكن مع بدء حملة عاصفة الحزم العسكرية من قبل قوات التحالف التي تقوده السعودية وتشارك فيه مصر في ظل مشاركة ودعم عربي واسع، فإن النظرة المتفائلة للاقتصاد المصري على المدى القصير قد تحتاج لتعديل. فوضع الاقتصاد وقدرته على التعافي والنمو مرتبطة بلا شك بالوضع السياسي محلياً وإقليمياً خاصة حينما يتحول الوضع من مجرد خلافات سياسية في دولة ما إلى حرب لها أبعاد إقليمية عديدة ستؤثر بلا شك على استعداد المستثمرين للمضي قدما في الاستثمار في مصر. ويمكن في هذا الصدد التعليق على ثلاثة أنواع من المستثمرين:
الأول: المستثمر الخليجي:
كان الدعم الخليجي منذ ٣٠ يونيو طوق نجاة للاقتصاد المصري. لكن مع انخفاض أسعار البترول لقرابة النصف خلال ٢٠١٤ أصبحت الدول الخليجية الداعمة لمصر تعاني من عجز في موازناتها مما يقلل من قدرتها على دعم الاقتصاد المصري. لكن الفوائض المالية المتراكمة في دول الخليج تجعلها تستطيع مواكبة هذا الانخفاض والاستمرار في دعم الاقتصاد المصري لكن بمنهج حذر وفي صورة استثمارات وقروض في الأساس بدلا من المنح التي لا ترد وشحنات المواد البترولية. وهذا التحول سيؤثر على سرعة تدفق هذا الدعم وكذلك سيجعله عرضة للتقلبات السياسية في المنطقة.
الجديد مؤخرا هو الحرب في اليمن والتي تشارك فيها بلدان الخليج الداعمة لمصر وعلى رأسها السعودية والتي اعتبرت الحرب في اليمن مسألة حياة أو موت. وهذه الحرب وما يمكن أن تؤول له تجعل مسألة الاستثمار في مصر على المدى القصير ليست أمرا ذا أولوية بيد أن مشاركة مصر في التحالف والذي من المتوقع أن يتطور إلى مشاركة برية قد يؤدي إلى إعفاء مصر من مليارات من الدولارات التي تدين بها لدول الخليج كما حدث عقب حرب الخليج. كما يمكن أن تؤدي المشاركة إلى مضاعفة الاستثمارات الخليجية في مصر بعد الحرب مما يحد من آفاق الاستثمارات الخليجية في مصر على المدى القصير لكن يضاعفها بعد انتهاء الحرب.
الثاني: المستثمر الأوروبي:
بالنسبة للمستثمر الغربي سواء كان أوروبيا أو أمريكيا، فإن مصر يُنظر لها على أنها جزء من منطقة الشرق الأوسط ولا يمكن فصلها عما يحدث في المنطقة. والنظر للبلد كوجهة استثمارية على أنها جزء من منطقتها تجلى بشكل واضح في حالة كوريا الجنوبية والتي على الرغم من صلابة اقتصادها في التسعينيات إلا أنها عانت بشدة إبان الأزمة الاقتصادية التي ضربت جنوب شرق آسيا في نهاية التسعينيات مما جعل المستثمرين يحجمون عن أسواق جنوب شرق آسيا بشكل عام بما فيها كوريا الجنوبية. وعلى نفس المنوال، فإن ما يحدث في المنطقة من اضطرابات في ليبيا والعراق وسوريا والآن اليمن سيكون له أثرا على رؤية المستثمرين عن المنطقة بشكل عام بما فيها مصر. وقد يؤدي ذلك لتأخر الاستثمارات الغربية في أغلب القطاعات وكذلك في البورصة المصرية. لكن قد يستثنى من ذلك الاستثمارات في قطاع الطاقة خاصة توليد الكهرباء والتي تم الإتفاق عليها بالفعل وجاري العمل عليها خاصة أن الحكومة المصرية هي المشتري النهائي والضامن لتلك المشروعات.
الثالث: المستثمر المصري:
كان التصور المنتشر أن الاستثمارات الأجنبية ستتدفق على البلد وسيكون لها أثرا كبيرا في تحريك عجلة الاقتصاد مما يفتح مجالات مختلفة للمستثمرين المصريين. وقد عزز المؤتمر هذا التصور بشكل كبير لكن بعد المؤتمر بعدة أسابيع بدأ الناس إدراك أن تحول مذكرات التفاهم إلى استثمارات على الأرض سيتطلب بعض الوقت. وإذا أخذنا في الإعتبار التوجه الحكومي بإطلاق مشروعات قومية كبيرة مثل قناة السويس وتمويل مثل هذه المشروعات محليا من خلال شهادات استثمار محلية تمتص السيولة، فإن قدرة المستثمر المصري في الحصول على تمويل محلي لمشروعاته محدودة نسبياً. كما يواجه المستثمر المصري تحديا في توفير العملة الصعبة لتمويل عمليات الاستيراد اللازمة سواء لأغراض استهلاك محلي أو تصنيع. وهذه العوامل تؤدي إلى تباطؤ استثمارات المستثمرين المصريين بعض الشيء.
الخلاصة أن شهادة الثقة الكبيرة التي حصل عليها الاقتصاد المصري في المؤتمر قد لا تتحول لاستثمارات حقيقية في القريب العاجل بسبب الظروف الإقليمية كحرب اليمن والحرب على الإرهاب. المستثمر الخليجي سيكون بطيئا في التحرك حتى تنتهي الحرب وتستقر المنطقة. ومن المتوقع أن يحذو المستثمر الغربي حذوه بإستثناء إستثمارات توليد الكهرباء المتفق عليها بالفعل والمضمونة من الحكومة. لكن هذه الحروب الإقليمية من ناحية أخرى قد تؤدي إلى إعفاء مصر من ديون خارجية كبيرة بعد الحرب وكذلك المزيد من المساعدات الخليجية كما حدث بعد حرب الخليج. وفي ظل هذه التطورات قد يكون من المفيد أن تعمل الحكومة على إيجاد حلول محلية معتمدة على المستثمر المصري على المدى القصير حتى تستقر المنطقة.
عمر الشنيطى
04 - إبريل - 2015
نُشر هذا المقال فى "جريدة الشروق وموقع CNN  بالعربية"

Saturday, March 21, 2015

المؤتمر الاقتصادى.. شهادة ثقة وليس مصباح علاء الدين

أقيم الأسبوع الماضى مؤتمر لدعم وتنمية الاقتصاد المصرى، والذى خرج فى صورة أكثر من رائعة حيث حضر المؤتمر وفود وشركات من أكثر من مائة دولة وأبرز المؤتمر فى المجمل صورة إيجابية عن مستقبل الاقتصاد المصرى أبرزتها وسائل الإعلام المحلية والعالمية. المؤتمر فى مجمله نجاح كبير سواء على المستوى السياسى أو الاقتصادى. لكن السماء لم تمطر ذهبا بعد المؤتمر وهناك تكلفة وتحضيرات مهمة لإتمام الاتفاقات التى تم الإعلان عنها تجعل نجاح المؤتمر بداية لطريق طويل.

على الصعيد السياسى، الوفود المشاركة ضمت ملوك وأمراء ورؤساء ووزراء من العديد من بلدان العالم. هذا المستوى من التمثيل يعكس الدعم السياسى الكبير للنظام فى مصر وهو دعم راهن البعض أنه غير موجود. كما أن دعم السعودية والإمارات والكويت الكبير والمتساوى يعكس أن هذه الدول لا تزال على قلب رجل واحد دعما لمصر. الوجود الأوروبى والأمريكى والتعهدات الاستثمارية من شركاتها يمثل أيضا دعم للنظام الحالى. وهذا النجاح السياسى يمنح الحكومة والاقتصاد المصرى شهادة ثقة غالية.

على الصعيد الاقتصادى، المؤتمر شهد الإعلان عن دعم خليجى يصل إلى ١٢٫٥ مليار دولار، أغلبه فى صورة استثمارات. كما قامت مؤسسات مالية عالمية بتقديم قروض ميسرة تقارب المليار دولار. وقد تم توقيع اتفاقيات باستثمارات تصل إلى ١٥ مليار دولار وكذلك التوقيع على مذكرات تفاهم بعشرات المليارات من الدولارات حتى تدرس ويتم تنفيذها مستقبلا. ما تم التعهد به كاستثمارات متوافق مع توقعات وزير الاستثمار قبيل المؤتمر. أما الدعم المباشر من دول الخليج وكذلك قروض المؤسسات المالية كان أكبر مما كان متوقعا. وتأتى مذكرات التفاهم التى فاقت أحجامها كل التوقعات كعلامة على ثقة مجتمع الأعمال فى الاقتصاد المصرى.

هذه أخبار عظيمة، فالاقتصاد سينتعش وسينتهى عهد التقشف. لكن للأسف الواقع غير ذلك والطريق للتعافى ملىء بالتحديات. ويمكن فى هذا الصدد التعليق على أربعة أمور.

الأول: رفع سقف التوقعات:
نجحت وسائل الإعلام المحلية فى تضخيم حجم الاستثمارات المتدفقة وتصوير أن مشكلات الاقتصاد قد انتهت. وليس من الغريب أن يتوقع المواطن العادى أن الاقتصاد سينتعش وأن فرص العمل ستتوافر بغزارة. لكن الصورة ليست وردية بهذا الشكل. فالجزء الأكبر من المليارات التى تم الحديث عنها مازالت فى صورة مذكرات تفاهم ستأخذ وقتا طويلا للدراسة وترتيب التمويل حتى ترى النور. لذلك هناك فجوة واضحة بين ما يتوقعه الناس وبين الواقع وقد يكون من المفيد أن تقوم الحكومة بعقد مؤتمر صحفى لضبط توقعات الناس التى بلغت عنان السماء.

الثانى: الإصلاح الاقتصادى:
يتوقع الناس أن الإصلاحات الاقتصادية كرفع الدعم ذهبت بلا رجعة بعد نجاح المؤتمر. لكن الواقع أن الحكومة تعهدت فى المؤتمر باستكمال خطتها لخفض عجز الموازنة وهذا يعنى المزيد من رفع أسعار الطاقة. ومن الجدير بالذكر أن قطاع الطاقة والذى شهد اهتماما كبيرا من المستثمرين خصوصا فى مجال توليد الكهرباء يرتكز على قدرة الحكومة على شراء الكهرباء من المحطات الخاصة، وهو ما يتطلب الانضباط المالى للحكومة برفع أسعار الطاقة، لكن قد يكون من الحكمة أن تجعل الحكومة برنامج الإصلاح الاقتصادى أكثر تدرجا وتقوم بتوسيع المساعدات المباشرة للفقراء لتخفيف العبء عنهم وإلا سنشهد مرة أخرى نموا ينعم به الأغنياء ويلعنه الفقراء.

الثالث: طبيعة المشروعات:
الطاقة والاستثمار العقارى كانا على رأس القطاعات التى شهدت اتفاقيات استثمارية. استثمارات قطاع الطاقة بلا شك إيجابية حيث إنها تعمل على حل مشكلة الطاقة المتفاقمة، كما أن لها أثرا إيجابيا على باقى قطاعات الاقتصاد حيث إن توافر الطاقة حاجة أساسية لأى مشروع اقتصادى. لكن الاستثمارات العقارية خاصة المجمعات السكنية الفخمة قد لا يكون لها نفس الأثر الإيجابى حيث أنها لا تستطيع توفير فرص عمل مستدامة ودفع معدلات النمو بشكل صحى. ويبرز فى هذا الصدد مشروع العاصمة الجديدة والذى ستقوم شركة إماراتية بتطويره بتكلفة ٤٥ مليار دولار بالشراكة مع الحكومة المصرية. إن بناء عاصمة جديدة قد يكون فكرة جيدة لخفض التكدس داخل القاهرة لكن أثر ذلك المشروع الاقتصادى وعلاقة العاصمة الجديدة بالقديمة غير واضح حتى الآن.

ومن الجدير بالذكر أن تطوير مشروع عقارى لا يعنى ضخ المبلغ بالكامل حيث أن ١٠ ــ ٢٠٪ من الاستثمار هو المطلوب للتصميم والتسويق ثم يبدأ بيع الوحدات وتمويل بناء المشروع من إيرادات البيع ولذلك يجب عدم تضخيم حجم الاستثمار الذى سيدخل البلد نتيجة ذلك المشروع. لكن بشكل استراتيجى يجدر السؤال: هل بناء عاصمة جديدة هو الأولوية الآن؟ وهل يستطيع خلق فرص عمل جديدة ومستديمة بعد انتهاء فترة البناء؟ ويرتبط بهذا الأمر غياب الاستثمارات الصناعية والزراعية بشكل واضح من قائمة الاستثمارات علما بأن تلك الاستثمارت لها قدرة على توظيف العمالة بشكل كثيف ومستديم. كما أن لها القدرة على خفض الواردات وزيادة الصادرات وسيكون من المفيد أن تعيد الحكومة النظر فى استراتيجية تطوير القطاع الصناعى والزراعى.

الرابع: البرلمان الأمان:
عقود استكشاف البترول التى تم الإعلان عنها يرتبط تنفيذها بوجود برلمان يصدق على هذه الاتفاقيات ولذلك فالإسراع بالانتخابات أمر مهم. وعلى صعيد آخر، سيتوافد المستثمرون فى الأسابيع المقبلة على القاهرة، وليس شرم الشيخ، للبدء فى المشروعات التى تم الاتفاق عليها. ومع وجودهم فى القاهرة سيواجهون الصورة الحقيقية للبلد بكل ما فيها من بيروقراطية وعقبات ومخاطر والتى يأتى على رأسها الخطر الأمنى. ولذلك فإن العمل على إحداث استقرار أمنى سريع ومستديم شرط أساسى لضمان تدفق الاستثمارات.

الخلاصة أن المؤتمر نجح بشكل واضح فى تحقيق أهدافه السياسية والاقتصادية لكن يجب عدم تصور أن المؤتمر هو مصباح علاء الدين الذى سيحل كل المشكلات. المؤتمر أعطى شهادة ثقة غالية للاقتصاد ويمثل بداية جيدة جدا، لكن على الحكومة أن تعمل سريعا على احتواء توقعات الناس وكذلك العمل على تخفيف حدة خطة الإصلاح الاقتصادى وإيجاد خطة لتنمية صناعية وزراعية مستديمة مع الإسراع بإيجاد برلمان وإحداث استقرار أمنى فى القريب العاجل لجنى ثمار المؤتمر.


عمر الشنيطى
21 - مارس - 2015
نُشر هذا المقال فى "جريدة الشروق"


Saturday, March 7, 2015

عن المستثمرين والفقراء

إدارة الاقتصاد مهمة صعبة حيث يجب إرضاء أصحاب المصالح المختلفين من مستثمرين وموظفين وأصحاب الدخول المحدودة، كما يجب الوصول لوضع اقتصادى متوازن من حيث نسب النمو والبطالة والتضخم وتوزيع الدخل. وحينما يمر بلد باضطرابات كالتى حدثت فى مصر فى السنوات الأربع الأخيرة، فإن مهمة إدارة الاقتصاد تصبح أمرا شديد التعقيد مع وجود كمية كبيرة من المشكلات المتشابكة مع بعضها البعض حيث يصبح حل أحد المشكلات سببا فى تفاقم مشكلات أخرى ويأتى إرضاء مجموعة من أصحاب المصالح على حساب مجموعات أخرى. وتتجلى تلك الصورة الحرجة فى التعامل مع المستثمرين والفقراء فى وقت ضاقت فيه الخيارات أمام صانع القرار.

لكن فى البداية، هل يجب أن يختار صانع القرار بين المستثمرين والفقراء كأولوية؟
تراجع الاقتصاد نتيجة الاضطرابات السياسية حيث شهد معدلات نمو تقارب ٢٪ لأربع سنوات، ووصل عجز الموازنة إلى ١٢٫٨٪ فى العام المالى الأخير على الرغم من المساعدات الخليجية السخية وتزامن مع ذلك تراجع للسياحة والاستثمارات الأجنبية مما ضغط على سعر صرف الجنيه. وقد أدى ذلك إلى ارتفاع معدلات البطالة لتتخطى ١٣٪ ومعدلات الفقر لتتخطى ٢٦٪ بينما يشهد التضخم موجات ارتفاع من وقت لآخر. وفى ظل هذا الوضع المركب، على صانع القرار أن يحدد نقطة البداية.

لتشجيع المستثمرين، على صانع القرار أن ينضبط ماليا بالعمل على خفض عجز الموازنة والسيطرة على الدين الحكومى لتحسين التصنيف الائتمانى كما أن عليه تحرير سعر صرف الجنيه. وهذه الإجراءات ستشجع المستثمرين بالتأكيد لكنها تحمل الكثير من الأخبار السيئة للفقراء والذين سيواجهون زيادة فى البطالة وارتفاعا فى الأسعار على المدى القصير، لكن الأمل فى أن يؤدى هذا التوجه لخلق فرص عمل تحسن الوضع على المدى المتوسط والبعيد. أما لو ركز صانع القرار على الفقراء، فذلك سيتطلب زيادة فى الإنفاق الحكومى لإيجاد فرص عمل وزيادة المميزات الاجتماعية من أشكال الدعم المختلفة لانتشال البعض من دائرة الفقر، لكن ذلك سيأتى على حساب زيادة عجز الموازنة وبالتالى التوسع فى الدين الحكومى وهى ما تمثل أخبار سيئة للمستثمرين.

إذا كانت تلك هى الخيارات، فماذا كان توجه الحكومة؟
بعد تراجع الدعم الخليجى وعدم تقديم الدعم إلا فى صورة استثمارات، أصبح على الحكومة الاعتماد على نفسها وضبط نفقاتها، لذلك انتهجت الحكومة برنامجا اقتصاديا مطلع الصيف الماضى يعمل على تخفيض عجز الموازنة بتخفيض دعم الطاقة والتى أوضحت العديد من الدراسات تسرب جزء كبير منه. وكان لانخفاض أسعار البترول غير المتوقع دورا فى السيطرة على عجز الموازنة فى العام الحالى ليصل إلى ١٠ ــ ١١٪. كما قام البنك المركزى أخيرا بتخفيض قيمة الجنيه فى إشارة إيجابية للمستثمرين قبل المؤتمر الاقتصادى.

لكن هذه الإجراءات لها تكلفة باهظة على الفقراء الذين واجهوا زيادة كبيرة فى أسعار السلع والخدمات الأساسية الصيف الماضى بعد رفع أسعار الطاقة ومن المتوقع أن يواجهوا موجات أخرى على المدى القصير سواء من رفع أسعار الطاقة مجددا أو من ارتفاع الدولار. وقد تنبهت الحكومة لذلك فعملت على زيادة المستفيدين من التحويلات النقدية وكذلك تحسين بعض المواد التموينية لكن على الأرجح الأثر السلبى لارتفاع الأسعار أكبر من إجراءات الحكومة الاجتماعية وهو ما يعنى زيادة فى تكلفة المعيشة ومعدلات الفقر.

هل يستطيع الفقراء تحمل ذلك؟
على الرغم من تدهور وضع الفقراء فى السنوات الأربع الأخيرة وزيادته مع توجه الحكومة التقشفى إلا أنه حتى الآن يبدو أن الفقراء قابلين بالوضع ولا يوجد مظاهر اعتراض صارخة. وهذه بالتأكيد أخبار جيدة للحكومة. لكن مع تراجع الدعم الخليجى وحاجة الحكومة للاستمرار فى برنامجها التقشفى، فإن وضع الفقراء سيزداد سوءا وبؤسا بمرور الوقت. وإذا تأخرت الاستثمارت الأجنبية فى التدفق مقارنة بالتوقعات الرسمية المتفائلة، فإن الوضع الاقتصادى سيصبح شديد الحرج وأثر ذلك على الفقراء قد يصعب احتماله.

ليكن الله فى عون الفقراء. ولكن هل يؤثر ذلك على المستثمرين؟
ظاهريا المستثمرون فى معزل عن ذلك، مادامت الحكومة متعهدة بتذليل الصعاب للمستثمرين خاصة الأجانب، قد يبدو أن المستثمرين يجب ألا يقلقوا من تدهور وضع الفقراء. لكن السنوات الأربع الأخيرة أثبتت أن الاستقرار السياسى والاجتماعى عاملين مهمين لاستدامة المشروعات الاقتصادية. وقد وعى المستثمرون ذلك الدرس جيدا. المستثمرون لا يأبهون لوجود ديمقراطية فى حد ذاتها لكنهم يهتمون بوجود استقرار سياسى وأمنى يجنب البلد ثورة جديدة. المستثمرون أيضا لا يأبهون لوجود عدالة اجتماعية لكنهم يهتمون بوجود استقرار اجتماعى يجنب البلد ثورة جياع أو ما شابه. ومن ناحية أخرى يركز المستثمرون على وجود قوة شرائية كبيرة فى السوق المصرية بفضل عدد السكان الكبير وبالتأكيد تدهور الوضع الاجتماعى سيؤثر سلبا على تلك القوة الشرائية وبالتالى سيؤثر على المشروعات المختلفة والمستثمرين عاجلا أم آجلا.

إذًا ما العمل؟
الحل فى برنامج اقتصادى يضبط المالية العامة كما تريد الحكومة لكن بشكل أكثر تدرجا حتى لا يؤثر سلبا بشكل غير محتمل على الفقراء فى المجتمع. وعلى التوازى يجب على الحكومة العمل على توسيع شبكة الضمان الاجتماعى بزيادة المستفيدين من التحويلات النقدية وزيادة هذه التحويلات بشكل يعوض تلك الفئات عن الزيادة المضطربة فى الأسعار. كما يجب إدراك أن المجتمع المدنى له دور يجب أن يفسح له المجال للقيام به حتى يستطيع استكمال تقديم الخدمات للفقراء والمحتاجين.

الخلاصة أن التركيز على المستثمرين على حساب الفقراء بتحرير الاقتصاد وتقليص عجز الموازنة له آثار كبيرة على الفقراء الذين ساءت أحوالهم بشدة فى الأعوام الأربعة الأخيرة. وعلى الرغم من حرص الحكومة على تذليل كل العقبات للمستثمرين وخصوصا الأجانب منهم، فإن تدهور وضع الفقراء سيكون له أثرا سلبيا على المستثمرين الذين يرغبون فى الحد الأدنى من الاستقرار السياسى والأمنى وكذلك الاجتماعى للاستثمار. إن الوضع صعب والخيارات قليلة أمام صانع القرار ولذلك فالتدرج فى التطبيق والنظر للجانب الاجتماعى بعين الاعتبار قد يكون توجها حكيما.


عمر الشنيطى
07 - مارس - 2015
نُشر هذا المقال فى "جريدة الشروق و موقع CNN  بالعربية"

Saturday, February 21, 2015

صناديق الاستثمار: هل تمثل خطرًا على القطاع الصحى؟

حدث أخيرا جدل كبير بسبب توسع صناديق الاستثمار المباشر فى الاستحواذ على عدة مستشفيات ومعامل كبيرة. وانقسم الناس بين مؤيد يرى ضرورة تشجيع هذا التوجه ويعتبره علامة على جاذبية مصر كوجهة استثمارية، وبين معارض يرى فى ذلك تكوينا لكيانات احتكارية تمثل خطرا على القطاع الصحى. ونظرا لأهمية القطاع، قد يكون من المفيد النظر للأمر بموضوعية وبدون التعرض لأسماء صناديق أو مستشفيات بعينها منعا للترويج أو التشهير.

فى البداية، ما هى صناديق الاستثمار المباشر؟
هى صناديق استثمار تقوم بجمع الأموال من مؤسسات مالية وعائلات ثرية وتستخدم هذه الأموال للاستحواذ على الشركات الخاصة بهدف تطويرها وتحسين أدائها المالى ثم إعادة بيعها بعد فترة لمستثمرين آخرين بقيمة أعلى من قيمة الاستحواذ. ويعمل مدير الصندوق على تعظيم قيمة الشركات المستثمر فيها عبر وسائل مختلفة كتغيير الإدارة وخفض النفقات والتوسع الجغرافى وإدماج الشركة مع شركات مثيلة لزيادة الحصة السوقية وزيادة الأرباح. وهذا الشكل الاستثمارى موجود فى العالم منذ عقود وقد شهد نموا ملحوظا مع بداية الألفية فى منطقة الشرق الأوسط بما فيها مصر، لكن اهتمام الصناديق بالسوق المصرية قد تراجع بعد الثورة نتيجة الاضطرابات السياسية ثم ما لبث أن عاد مرة أخرى فى العام الماضى.

لكن لماذا تهتم الصناديق بالقطاع الصحى؟
فى ظل الوضع المتعثر للاقتصاد المصرى، تركز صناديق الاستثمار على القطاعات الدفاعية، قليلة التأثر بالركود الاقتصادى والتى يأتى على رأسها القطاع الصحى؛ حيث شهدت الفترة الأخيرة عدة استحواذات فى هذا القطاع من صناديق استثمار، بعضها محلية ولكن الاستحواذات الكبيرة كانت لصناديق غير مصرية. رغبة الصناديق فى الاستثمار فى القطاع يواكبها رغبة أصحاب المستشفيات فى البيع أو الشراكة، حيث إن أغلب المستشفيات مملوكة لأطباء قد يرغبون مع تقدم أعمارهم فى البيع وجنى الأرباح ومن يرغب التوسع منهم يقابل تحدى التمويل والذى يحتاج لرءوس أموال كبيرة.

يبدو ذلك جيدا. فما وجه الاعتراض عليه؟
أبدى بعض من يعملون بالقطاع الصحى تخوفهم من وجود احتكار إذا استمرت صناديق الاستثمار فى الاستحواذ على مقدمى الخدمات الكبار من مستشفيات ومعامل. وما يزيد الموضوع حساسية أن من يتصدر هذا التوجه هى صناديق استثمار غير مصرية. لكن القطاع الصحى فى مصر به ما يزيد على ٩٠٠ مستشفى خاص وما يزيد على ٧٠٠ مستشفى عام وجامعى، بينما عدد الاستحواذات السنوية فى القطاع لا تتعدى ١٠ استحواذات وهو ما يوحى بصعوبة وجود احتكار فى ذلك القطاع.

لكن هل فعلا لا توجد مخاطر احتكارية؟
بداية الاحتكار يتطلب وجود مقدم للخدمة يسيطر على حصة كبيرة فى السوق تمكنه من التحكم فى الأسعار مما يزيد من ربحيته على حساب المستفيدين منها. وهذه الحصة السوقية الاحتكارية تختلف من سوق لآخر؛ فالسيطرة على ٢٠ــ٣٠٪ من قبل شركة واحدة فى سوق به مئات من مقدمى الخدمة قد يعطى هذه الشركة قوة نسبية فى السوق. فى مثل هذه الحالة، لا نستطيع أن نسمى ذلك احتكارا لأن العميل لديه بدائل أخرى. لكن يتيح هذا الوضع لمثل هذه الشركة القيام بممارسات احتكارية كالتحكم فى الأسعار، خاصة إذا كانت هناك صعوبات للتحول لمقدم خدمة آخر.

فى حالة القطاع الصحى المصرى، إجمالى عدد استحواذات صناديق الاستثمار قد لا تتخطى ٥٪ من إجمالى عدد المستشفيات الخاصة وهو ما يوحى بعدم وجود احتكار ولا حتى مساحة لممارسات احتكارية. لكن إذا أخذنا فى الاعتبار تركز هذه الاستحواذات فى منطقة جغرافية معينة كالقاهرة الكبرى وعلى المستشفيات التى تستهدف شريحة معينة كأصحاب الدخل المتوسط وفوق المتوسط، فإن هذه الاستحواذات تمثل نسبة ليست بالقليلة من هذه الشريحة المستهدفة. ومع قدرة هذه الصناديق على الاستحواذ على معامل ومراكز أشعة وشركات تأمين صحى وشركات للأدوية فى نفس الوقت، فإن صناديق الاستثمار المباشر قد تستطيع الحصول على قوة سوقية تتيح لها القيام بممارسات احتكارية على حساب المرضى وكذلك الأطباء. وإذا اخذنا فى الاعتبار أيضا أن الجزء الأكبر من تلك الاستحواذات سيتركز فى يد عدد قليل من الصناديق، خاصة غير المصرية منها لقوتها المالية، فإن القلق من وجود ممارسات احتكارية فى المستقبل هو قلق منطقى حتى وإن سلمنا بأن الاستحواذات السابقة والحالية لا تمثل خطرا كبيرا.

إذا ما هو الحل؟
الادعاء بأن هذه الصناديق مضرة للقطاع الصحى غير صحيح؛ لأنها تساعد على تطوير القطاع بضخ الأموال ورفع كفاءة الإدارة وتوسيع نطاق الخدمات الطبية المقدمة. وإذا أردنا جذب استثمار أجنبى، فلا بد أن ندرك أن القطاع الصحى سيكون على رأس مستهدفات المستثمر الأجنبى. ولذلك فإعاقة مثل هذه الاستحواذات ليس أمرا مفيدا. لكن من ناحية أخرى، فإن إنكار وجود مخاطر احتكارية على القطاع نتيجة تزايد استحواذات الصناديق أشبه بدفن رءوسنا فى التراب. الحل يكمن فى إيجاد آلية للتنظيم والرقابة على مثل هذه الاستحواذات بشكل واضح ومتوازن. وقد يكون تأسيس لجنة للرقابة على مثل هذه الصفقات، تضم ممثلين من وزارات الاستثمار والصحة والتجارة ونقابة الأطباء وجهاز حماية المستهلك، خطوة استباقية جيدة تستطيع وضع معاير واضحة للتنظيم والرقابة على الاستحواذات.

الخلاصة أن استحواذات صناديق الاستثمار الحالية قد لا تؤدى لوجود احتكار فى القطاع الصحى، ولكن قد تنتج كيانات كبيرة بحصص سوقية كافية للقيام مستقبلا بممارسات احتكارية كالتحكم فى الأسعار مما يستلزم النظر للموضوع بجدية. لذلك لا يجب أن نغلق الباب أمام استثمارات الصناديق فى القطاع الصحى لكن يجب ألا نفتح الباب على مصراعيه بدون رقابة. ووجود آلية للتنظيم والرقابة على الاستحواذات لا يعنى بالضرورة العودة لنموذج الاتحاد السوفيتى، بل إن مثل هذه الآليات معمول بها فى دولا رأسمالية كأمريكا لتنظيم الاستحواذات والاندماجات فى القطاع الصحى تجنبا للممارسات الاحتكارية. لذلك فالأحرى بنا أن نبادر بتنظيم هذا القطاع لتشجيع المستثمرين فيه وفى نفس الوقت حماية المستفيدين منه.

عمر الشنيطى
21 - فبراير - 2015
نُشر هذا المقال فى "جريدة الشروق و موقع CNN  بالعربية"

Sunday, February 8, 2015

المؤتمر الاقتصادى: ماذا نتوقع منه؟

بضعة أسابيع تفصلنا عن المؤتمر الاقتصادى المرتقب والذى من المفترض انعقاده فى منتصف مارس القادم فى شرم الشيخ. وتعلق الحكومة الكثير من الآمال عليه حيث تتوقع جذب استثمارات أجنبية كبيرة تدفع عجلة النمو وتوفر العملة الصعبة للدفاع عن الجنيه. ومع البروباجندا الإعلامية، يعتقد الكثير من عوام الناس أن هذا المؤتمر هو الحد الفاصل بين حقبة الركود الاقتصادى وحقبة النمو والازدهار. لكن ما مدى واقعية هذا الرأى؟

قبل الإجابة على هذا السؤال، من المفيد معرفة: متى بدأ الحديث عن المؤتمر؟

دعا العاهل السعودى -رحمه الله- بعد تنصيب الرئيس فى مطلع الصيف الماضى لعقد مؤتمر للمانحين لمصر والذى كان من البديهى أن تتصدره السعودية والإمارات والكويت. وقد كان من المفترض أن ينعقد المؤتمر خلال الصيف الماضى لكن استمر تأجيله حتى وصلنا للموعد الأخير فى مارس ٢٠١٥، بالإضافة إلى التأجيل، فقد تم تغيير طبيعة المؤتمر من «مؤتمر للمانحين» إلى «مؤتمر اقتصادى» يهدف لجذب الاستثمارات. وقد تعاقدت الحكومة مع شركات عالمية للاستشارات المالية والعلاقات العامة لتنسيق المؤتمر. ومن الجدير بالذكر أنه فى البداية كان الحديث عن ١٠٠ مليار دولار استثمارات أجنبية كمستهدف، لكن بمرور الوقت انخفض الرقم للنصف حتى أصبح الحديث مؤخرا عن حوالى ١٥-٢٠ مليار دولار فقط.

بعيدا عن تغير المستهدفات الرسمية، يحق لنا السؤال: ما هو معيار نجاح المؤتمر فى الأساس؟

المؤتمر كما تم الترويج له يهدف لجذب استثمارات أجنبية بشكل كبير تساعد على إخراج الاقتصاد من الركود. ويجدر فى هذا الصدد الإشارة إلى وجود ثلاثة أنواع من الاستثمارات. الأول الاستثمار الحكومى والذى توسع بعد ٣٠ يونيو لكن سرعان ما تراجع مع مساعى الحكومة التقشفية للسيطرة على عجز الموازنة. أما النوع الثانى فهو استثمار القطاع الخاص المحلى وهو ما شهد انكماشا منذ الثورة نتيجة اضطراب الوضع السياسى والأمنى والملاحقة القضائية للعديد من رجال الأعمال الكبار، وكذلك الضغط على الجنيه الذى يدفعهم للدولرة- تحويل مدخراتهم من جنيه لدولار. ومع تراجع هذين النوعين، يبرز أهمية النوع الثالث: الاستثمار الأجنبى المباشر.

وقد استعانت الحكومة بشركات استشارات عالمية لمساعدتها فى رسم تصور للخروج من الأزمة الاقتصادية، والذى يرتكز على جذب تدفقات نقدية خارجية بحوالى ١٢٠ مليار دولار خلال أربعة أعوام فى صورة استثمارات أجنبية فى الأساس لتحقيق معدلات نمو تتخطى ٥٪ لاستعادة النمو والدفاع عن الجنيه. وبالتالى حينما نقارن ما يحتاجه الاقتصاد وما تتوقعه الحكومة من المؤتمر، فإنه من الواضح أن هذا المؤتمر لن يستطيع تحقيق الهدف الأسمى منه وهو الخروج من حالة الركود.

لكن لماذا انخفضت التوقعات؟

يمكن إرجاع الانخفاض لسببين: الأول هو انخفاض أسعار البترول بشكل حاد وسريع مما يخفض من الفوائض المالية فى دول الخليج ويقلل من قدرتها على دعم مصر والاستثمار فيها. أما الثانى فهو تحول المنطقة لصفيح ساخن بوجود تنظيم كداعش يتصرف وكأنه دولة، يصدر جوازات سفر ويدير منشآت؛ مما يزيد من خطورة الاستثمار فى المنطقة بشكل عام. وللأسف مصر لم تصبح بعيدة عن ذلك الخطر مع تزايد تكرار وحدة الهجمات المسلحة.

لكن ماذا كانت متطلبات المستثمرين الأجانب؟ هناك خمسة متطلبات رئيسية يمكن تفصيلها كالآتي:

الأول: وجود خارطة طريق سياسية واضحة تضمن استقرار النظام الجديد لفترة طويلة. وفى هذا الصدد تمت الموافقة على دستور جديد وانتخاب رئيس، لكن الأغلبية الساحقة تعيد للأذهان ذكريات فترات سابقة. كما أن الشواهد تشير إلى مجلس نواب الحزب الواحد مرة أخرى. وعلى الرغم من أن المستثمرين الأجانب لا يهتمون بقضية الديمقراطية إلا أنهم يولون اهتماما كبيرا لقضية استقرار واستدامة النظام وهو ما يشوبه علامات استفهام ليست بالقليلة.

الثانى: تبنى برنامج إصلاح اقتصادى يسيطر على عجز الموازنة والدين الحكومى المتصاعدين وهو ما بدأت به الحكومة بالفعل، وكان أبرز ملامحه رفع أسعار الطاقة فى إشارة أن محرمات العقود الثلاثة السابقة (رفع الدعم) أصبحت من المباحات. كما حالف الحكومة الحظ هذه المرة وانخفضت أسعار الطاقة عالميا مما يخفض من عجز الموازنة. وذلك بالتأكيد محل تقدير من المستثمرين.

الثالث: تخفيض الجنيه مما يجعل سعر صرفه مقاربا لقيمته الحقيقية، وكذلك توافر الدولار بشكل دائم فى السوق. وقد كان للتخفيض الأخير فى الجنيه أثر إيجابي حيث رد على مخاوف المستثمرين وطمأنهم فى هذا الصدد. لكن يبقى التخوف من توافر الدولار لتلبية حاجة المستثمرين فى وقت يتراجع فيه الاحتياطى لدى البنك المركزى.

الرابع: إقرار قانون موحد للاستثمار يوضح آلية الاستثمار فى البلد وما يخص تخصيص الأراضى والمعاملة الضريبية والجمركية. وقد تم بالفعل إصدار مسودة للقانون لكن لم يتم إقرار القانون بعد، مع تحفظات كبيرة على دستوريته.

الخامس: وجود استقرار أمنى فى البلد. وهذه النقطة هى الأهم للمستثمرين لكنها أصبحت أكثر النقاط ضعفا. فطبقا للرواية الرسمية، فإن مصر تحارب الإرهاب وتواجه أخطر تنظيم سرى فى العالم مما يستدعى قيادة عسكرية موحدة لمواجهته. هذا التطور مؤسف بكل المقايس ولا يرضاه مصرى مخلص لبلده. لكن المستثمر الأجنبى ليس مصريا وليس مخلصا لأم الدنيا وأقل ما يمكن أن يقوله: «دعنا ننتظر حتى تستقر الأوضاع».

الخلاصة أن التوقعات من المؤتمر الاقتصادى انخفضت بشكل كبير بمرور الوقت بسبب الوضع الداخلى والتغيرات الإقليمية مما أضعف من احتمالية جذب استثمارات بالشكل الكافى لإخراج الاقتصاد من الركود. لكن هل كان من المنطقى افتراض أن تستطيع دولة تمر لسنوات بأزمة سياسية وأمنية حرجة جذب عشرات المليارات من الدولارات فى مؤتمر واحد؟ بالطبع لا. ولعل الهدف الأوقع كان رسم صورة أفضل عن البلد تؤدى لاستثمارات على المدى المتوسط. على كل حال، سينعقد المؤتمر بعد أسابيع وسنسمع عن صفقات بعشرات المليارات لكن بدون جدول زمنى للتنفيذ حتى ننسى الأمر ونعاود البحث عن حدث كبير آخر نعلق عليه آمالنا، بدلا من إدراك أن ما أفسده الدهر يحتاج لأكثر من مؤتمر أو مشروع قومى لإصلاحه.


عمر الشنيطى
8 - فبراير - 2015
نُشر هذا المقال فى "جريدة الشروق و موقع CNN  بالعربية"