Friday, August 19, 2016

قرض الصندوق وانحسار الطبقة المتوسطة

بعد موجة الضغط الرهيبة على الجنيه فى الأسابيع الماضية، انصب انشغال الناس على سعر صرف الدولار فى السوق الموازية وكان على البنك المركزى اللجوء لحل طارئ لوقف النزيف. الكثير من المؤشرات أنبأت عن وجود مفاوضات مع صندوق النقد خاصة برنامج الحكومة الاقتصادى الذى لا يمكن انكار كونه مفصلا على اشتراطات الصندوق إلا أن الحكومة والبنك المركزى أكدوا على عدم وجود مباحثات على الإطلاق. بين عشية وضحاها، تفاجأ الناس بوجود بعثة الصندوق على أرض الوطن وسط ترحاب رسمى يصور أن الاتفاق مع صندوق النقد لن يوفر فقط قرضا كبيرا لكنه سيعطى أيضا شهادة ثقة تساعد على استقرار الاقتصاد وتبث الثقة فى الأسواق مما يساعد على تدفق الاستثمارات الأجنبية ويفتح باب الاقتراض الخارجى أمام الحكومة المصرية. لم تتعد زيارة بعثة الصندوق الأسبوعين ليخرج بعدها المسئولون المصريون ومن بعدهم مسئولو الصندوق ليعلنوا عن الوصول لاتفاق مبدئى تتلقى من خلاله مصر ١٢ مليار دولار من الصندوق خلال السنوات الثلاث القادمة لدعم برنامج الحكومة الاقتصادى على أن يتم تغطية ٩ مليارات دولار من مصادر أخرى.

برنامج الحكومة يصعب الحصول عليه بشكل متكامل لكن النظر لموازنة الدولة والتصريحات الحكومية يشير إلى أن البرنامج يستهدف السيطرة على عجز الموازنة وبناء الثقة فى الاقتصاد والجنيه على وجه الخصوص من خلال أربعة محاور. الأول؛ رفع أسعار الطاقة والخدمات العامة وتطبيق قانون الخدمة المدنية لخفض بند الأجور كنسبة من الانفاق الحكومى. الثاني؛ تطبيق ضريبة القيمة المضافة لزيادة الحصيلة الضريبية. أما الثالث؛ إيجاد نظام مرن لسعر الصرف يعكس السعر الحقيقى للجنيه، مما سيتطلب تخفيضا كبيرا للجنيه مرة أخرى، مما يعزز من تنافسية الصادرات ويحدث توازن فى ميزان المدفوعات. وأخيرا المحور الرابع يرتبط بزيادة إيرادات الدولة عن طريق بيع بعض الأصول العقارية غير المستغلة وخصخصة بعض الشركات العامة الرابحة عن طريق طرحها فى سوق المال.

إن المحاور الأربعة السابقة تهدف لزيادة إيرادات الدولة وكذلك خفض النفقات الحكومية بشكل سريع، مما يساعد على خفض عجز الموازنة لمستويات مستدامة ويحسن المناخ العام ويحدث استقرارا فى سعر الصرف، مما يزيد من العملة الصعبة المتدفقة على الاقتصاد. لكن تلك الإجراءات ستؤدى لموجة تضخمية أكبر من الموجات السابقة. ومن الجدير بالذكر أن مستويات الأسعار شهدت ارتفاعات كبيرة فى الفترة الأخيرة حتى إن الأشهر الأخيرة سجلت معدلات تضخم تقارب ١٥٪ وهو ما يعنى أن واقع الزيادة الذى يشعر به الناس عند شراء سلة السلع والخدمات أكبر من ذلك نتيجة الاختلاف فى طريقة حساب التغير فى الأسعار.

الجدير بالذكر أن تلك الارتفاعات الكبيرة تم تسجيلها قبل تطبيق برنامج الحكومة الاقتصادى المطلوب لإتمام الاتفاق مع صندوق النقد. أما وقد تم الاتفاق مع الصندوق، فلا مناص من المضى قدما فى تنفيذ برنامج الإصلاح الاقتصادى الذى سينطوى على إجراءات حرجة من رفع للدعم ورفع لأسعار الخدمات العامة وفرض للضرائب وكذلك تخفيض للجنيه مما سيؤدى إلى موجة تضخمية كبيرة ستشمل أغلب السلع والخدمات فى السوق، كما أن تلك الموجة ستؤدى لزيادة مضطردة فى الأسعار أكبر من أى موجة شهدها الاقتصاد فى العقود الثلاثة الأخيرة بسبب الأثر التراكمى لتطبيق تلك الإجراءات مجتمعة. لن تكون الموجة القادمة لارتفاع الأسعار بلا تكلفة اجتماعية وسياسية. فمع كل موجة من ارتفاع الأسعار يفقد الأفراد والعائلات جزءا من قوتهم الشرائية ومع الموجة العارمة المنتظرة فإن تلك الخسارة ستكون كبيرة جدا على أصحاب الدخول المحدودة والطبقة المتوسطة.

إن أصحاب الدخول المرتفعة بطبيعة الحال لديهم من الفوائض المالية ما يكفى لامتصاص تلك الارتفاعات. كما أن جزءا ليس بالقليل من ثرواتهم فى صورة دولار وعقار وهو ما يحفظ قيمتها. على النقيض محدودى الدخل سيزداد وضعهم سوءا وسيزداد حجم تلك الفئة حيث تشير الاحصائيات الرسمية عن أن ١٫٥ مليون أسرة نزلت تحت خط الفقر فى ٢٠١٥ فقط. كما أنه مع كبر حجم تلك الطبقة وارتفاع الأسعار بشكل جنونى يفوق عدة مرات مستوى الزيادة فى الأجور، فإن تلك الطبقة تتجه بمرور الوقت من درجة الفقر إلى درجة الفقر المدقع. تلك الفئة ليس لديها مساحة لزيادة دخلها بشكل قانونى ليتناسب مع معدلات الأسعار وليس لديها مدخرات لتعتمد عليها ولذلك سيلجأ بعضها للجمعيات الخيرية لسد الحاجة والبعض الآخر سيلجأ للأعمال غير القانونية، أما فئة الشباب فسيلجأ للهجرة خارج البلد وفى الأغلب بطرق غير شرعية. ويحتوى برنامج الاصلاح الاقتصادى الذى تم الاتفاق عليه مع صندوق النقد على تدعيم شبكة الضمان الاجتماعى من خلال زيادة دعم الغذاء وزيادة برامج التوزيع النقدى المباشر. النظر للجانب الاجتماعى فى البرنامج وتأكيد الصندوق عليه علامة إيجابية جدا وإشارة لاهتمام الصندوق بذلك الجانب فى الآونة الأخيرة على غير سابق عهده لكن ذلك لن يزيل أثر الاصلاحات السلبى.

أما الطبقة المتوسطة والتى كانت دائما صمام الأمان الاقتصادى والاجتماعى فى البلد، حيث تفضل الاستقرار على التغيير حتى ولو واجهت الصعاب، فإن تلك الطبقة ستواجه تآكلا فى قوتها الشرائية بسرعة كبيرة مما يؤدى إلى افقارها ونزول جزء ليس بالقليل منها بشكل سنوى دون خط الفقر لتنضم لفئة محدودى الدخل كما شهد العام الماضى. تلك الفئة تعتمد على دخل ثابت يصعب زيادته ومع تقلص قوتهم الشرائية ستواجه تلك الفئة مشاكل كبيرة بينما لن يكون متاحا لها اللجوء للجمعيات الخيرية المثقلة بخدمة محدودى الدخل. هذا التغير قد يدفع شباب تلك الفئة للاعتراض وربما الثورة على سوء الأوضاع. ولعل من الحكمة أن يبدأ أبناء تلك الفئة العمل على تقليص نفقاتهم بشكل كبير فى المرحلة القادمة والتركيز على الضروريات للتعايش مع تلك المرحلة الحرجة التى قد تمتد لعدة سنوات قبل أن نبدأ فى جنى ثمرات الإصلاح الاقتصادى إذا توافرت الظروف السياسية والأمنية المواتية على المستوى المحلى وكذلك إذا تحسن وضع الاقتصاد العالمى لينعكس إيجابا على الدول الناشئة بما فيها مصر.

عمر الشنيطى


 19 - أغسطس - 2016

نُشر هذا المقال فى "جريدة الشروق"

Monday, August 8, 2016

الرابحون والخاسرون من التحول الاقتصادى

طغت التطورات الاقتصادية على باقى الأخبار فى الأسابيع القليلة الماضية، فما بين ارتفاعات الدولار ومحاولات البنك المركزى ضرب السوق الموازية وارتفاعات الأسعار، والإعلان رسميا عن المفاوضات مع صندوق النقد. أصبح الاقتصاد القضية الأبرز فى الشأن العام. لا يلقى الناس بالا للمؤشرات الاقتصادية المعقدة التى غالبا لا يفهمونها، لكن ما يلفت انتباه الناس هو مستوى الأسعار لأن ارتفاعها يقلص القوة الشرائية للعائلات ويفقرهم بشكل مباشر. ولعل ذلك هو سبب تركيز الناس على اختلاف مستوياتهم على سعر صرف الدولار، حيث إن الكثير من المنتجات التى نستهلكها يوميا هى منتجات مستوردة يرتفع سعرها مع ارتفاع الدولار.

من الصعب إنكار مدى صعوبة الوضع فى ظل وجود بعثة صندوق النقد على أرض الوطن، لمناقشة قرض كبير يساعد الاقتصاد على عبور الأزمة الحالية. وعلى الرغم من أهمية ذلك الاتفاق والذى انعكس إيجابيا على سوق المال وسوق الصرف، إلا أن ذلك الاتفاق لن يكون بلا مشقة، حيث سيتعين على الحكومة تطبيق إجراءات حرجة، مثل رفع أسعار الخدمات العامة المدعمة وتخفيض الجنيه المصرى وتطبيق ضريبة القيمة المضافة وخصخصة بعض الشركات الحكومية. هذا الاتفاق سيدعم الاقتصاد بشكل سريع، حيث سيوفر ما يزيد عن ٢٠ مليار دولار، سواء من صندوق النقد أو المؤسسات المالية الأخرى، وهو ما سيعطى قبلة الحياة للجنيه وسوق المال على المدى القصير. لكن الإجراءات التى ستواكب القرض مجتمعة ستؤدى إلى موجة تضخمية كبيرة، أعلى من الموجات السابقة التى يأن الناس منها.

هناك اعتقاد سائد أن سبب ارتفاع الأسعار أخيرا هو الدولار وأنه مع القرض سيتم السيطرة عليه، وبالتالى السيطرة على التضخم، ولكن ذلك الاعتقاد خاطئ إلى حد كبير، حيث إن ارتفاع الأسعار ناتج عن مجموعة من الأسباب، منها ارتفاع الدولار بالتأكيد، ولكن عوائق الاستيراد وعدم توافر الدولار لا يمكن إنكار أثرها على توافر العديد من السلع ومن ثم سعرها. ومما لا شك فيه أن الجنيه سيشهد المزيد من التخفيض مع قرض الصندوق، وكذلك عدم توافر السلع فى السوق سيزداد مع عوائق الاستيراد المفروضة. ولذلك فإن مثل هذا الاتفاق، على الرغم من مميزاته، إلا أن تكلفته الاجتماعية لا يمكن إنكارها وافتراض أن القرض سيسيطر على سعر صرف الدولار، وينهى الموجة التضخمية بعيدا عن الواقع.

الوضع الحالى الذى جعل من الضرورى اللجوء للمؤسسات المالية العالمية واتخاذ إجراءات حرجة، يؤرخ نهاية مرحلة اقتصادية وبداية مرحلة أخرى. ومع أى تحول تتغير الخريطة الاقتصادية، ويكون هناك رابحون وخاسرون. الاقتصاد المصرى ليس حديث عهد بالتحولات، حيث شهد نقلة كبيرة من الإقطاع واقتصاد السوق إلى الاشتراكية والتأميم فى الخمسينيات والستينيات، ثم ما لبث أن شهد نقلة أخرى من الاشتراكية للانفتاح واقتصاد السوق، غير أنها كانت نقلة غير مكتملة فى السبعينيات. وشهدت التسعينيات استكمالا لتلك النقلة مع برنامج الخصخصة والانفتاح على الأسواق العالمية وزيادة المنتجات المستوردة فى سلة المنتجات التى تستهلكها الأسرة المصرية وتدفق الاستثمارات الأجنبية على مصر.

ففى الثمانينيات والجزء الأول من التسعينيات، كان الاقتصاد يعتمد إلى حد كبير على التصنيع المحلى، حيث كان الاقتصاد قادرا على توفير أغلب احتياجات الناس الأساسية، لكن كانت الخيارات محدودة للمستهلك بطبيعة الحال حتى إن الناس كانوا يتباهون بشراء الملابس المستوردة آنذاك وكانت الرحلات لبورسعيد لشراء المنتجات المستوردة من السوق الحرة هى الشكل الأصيل للتبضع. النصف الثانى من التسعينيات شهد تحولا كبيرا حيث انفتح الاقتصاد المصرى على الاقتصاد العالمى فى وقت كانت العولمة هى الكلمة الأكثر استخداما، ومع دخول مصر فى اتفاقية الجات كان عليها فتح أسواقها، كما فتحت الأسواق العالمية للمنتجات المصرية. بدأت الأسرة المصرية فى التعرض لنوعية مختلفة من المنتجات كانت لا تراها إلا فى الأفلام أو مع المصريين القادمين من الخارج، مما وضع المنتج المصرى فى منافسة لم يكن مستعدا لها.

التحول من الاستهلاك المحلى للاستيراد لم يحدث بين عشية وضحاها. فبعض الشركات انتبهت لهذا التغير وتفاعلت معه بتغيير نشاطها أو على الأقل تنويعه من التصنيع المحلى فقط للدخول فى التجارة لاسيما الاستيراد. وقد برز ذلك فى تحول بعض العائلات العريقة فى مجال صناعة الغزل والنسيج من التصنيع المحلى للاستيراد خاصة من الصين وتركيا، حتى إنه بعد مرور قرابة عقد، بعض تلك الشركات خرجت من التصنيع واكتفت بالاستيراد والتجارة التى كانت أكثر ربحا وأقل عبئا. على الناحية الأخرى تشبث البعض بالصناعة بدون ميزة تنافسية، وظلوا ينزفون لسنوات فى ظل عدم القدرة على منافسة المستورد، بينما ركز البعض الآخر على بناء ميزة تنافسية فى منتجات تستهدف أسواقا بعينها محليا وعالميا، معتمدين على انفتاح الأسواق. الخاسرون كانوا من تشبثوا بالصناعة بدون ميزة تنافسية وغضوا الطرف عن انفتاح السوق. أما الرابحون كانوا من غيروا النشاط سريعا للاستيراد والتجارة أو بنوا مصانع كبيرة معتمدين على قروض بنكية واستثمارات مؤسسية.

مع التغيرات الحالية، يحدث تحول مرة أخرى لكن هذه المرة فى الاتجاه المعاكس. فمع قيود الاستيراد العديدة التى ستزداد بمرور الوقت وعدم توافر العملة الصعبة وارتفاع سعر صرف الدولار، فإن الخاسرين هم المستوردون. أما المصنعون المحليون فلديهم فرصة كبيرة لزيادة إنتاجهم فى سوق به عرض محدود لا يستطيع تغطية الطلب. لا ينطبق هذا الكلام على سوق الغزل والنسيج فقط بل يشمل الكثير من القطاعات. التصنيع بهدف البيع المحلى لسد الفجوة فى السوق بعد تراجع الاستيراد أو التصنيع بهدف التصدير للاستفادة من سعر الجنيه المنخفض، ستكون الأنشطة الرابحة.

قد لا تكون سياسة إحلال الواردات بالمنتج المحلى سياسة اقتصادية موفقة على مستوى الاقتصاد الكلى، حيث إن تجارب الدول الأخرى فى هذا الصدد، تشير إلى أن عوائق الاستيراد التى تفرضها الدولة تقابلها عوائق للتصدير تفرضها الدول الأخرى، مما يفشل هذه السياسة ويعزل اقتصادها عن الاقتصاد العالمى. لكن بعض الشركات ستستفيد من تلك السياسة خاصة الشركات التى ستتحرك سريعا لاقتناص الفرصة، أما المتباكين على تقليص الاستيراد فسيفوتهم القطار.

عمر الشنيطى
 8 - أغسطس - 2016
نُشر هذا المقال فى "جريدة الشروق"